رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«المرجع» يرصد.. محطات الأزمة الليبية بين الصراع الداخلي والأيادي الخارجية

الأربعاء 28/نوفمبر/2018 - 12:46 م
المرجع
محمود رشدي
طباعة

بحلول عام 2018، تمر سبع سنوات على الأزمة الليبية التي اندلعت أحداثها في بنغازي شرقي البلاد؛ للإطاحة بحكم العقيد معمر القذافي، ولأن ما عُرف بثورات الربيع العربي، جاء برياح لا تشتهيها سفن الاستقرار الإقليمي في المنطقة، فقد غايرت النتائج الكارثية توقعات الثوار في بعض الدول العربية التي انهار نظامها المؤسسي، واحترقت بنيران الحرب الأهلية مثل ليبيا وسوريا، وبعضها تجاوز المرحلة ليدخل مرحلة أخرى جديدة بأوضاع مختلفة عما سبقها، ومنها مصر وتونس.

الجيش الليبي
الجيش الليبي

وعلى مدار أعوام الأزمة الليبية تدخلت قوى إقليمية ودولية عديدة في الأزمة الليبية، مدعمة إحدى الفصائل والميليشيات المسلحة لتحقيق مصالحها الخاصة، وهو ما أدى لتفاقم حالة الفراغ الأمني الكبير في ليبيا خلال السنوات الأولى من الثورة، وبالذات قبل قيام عملية الكرامة التي شنها الجيش الليبي عام 2014.


فمنذ مايو 2014 شنَّ الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر عملية عسكرية هدفها استراد الدولة الليبية مرة أخرى، ومنعها من السقوط في براثن الجماعات الإرهابية، ونجح في يوليو 2017 في تتويج عملية الكرامة بتحرير مدينة بنغازي من الميليشيات المرتبطة بالقاعدة، ورغم نجاحات الجيش الليبي المتتالية في تحرير الشرق الليبي، والتي كان آخرها مدينة درنة، إلا أن بعض التدخلات الدولية حالت دون تقدم الجيش الليبي، بالعمل على تمكين الجماعات المتطرفة من مستقبل ليبيا.


ويرصد «المرجع» في تلك الورقة البحثية أهم المحطات التي مرت بها الحالة الليبية، والدور الذي لعبته الدول الإقليمية، والتي انقسمت إلى خندقين في أحدهما تقف دول داعمة للدولة الليبية واستقرارها، وفي الآخر تقبع دول تلعب دورًا تخريبيًّا لتنفيذ أجندات في المنطقة، وذلك على النحو التالي:


أهم المحطات في الحالة الليبية

تعد المحطة الأولى هي الفارقة في تاريخ ليبيا المعاصر؛ حيث اندلاع أحداث فبراير 2011؛ التي آلت إلى سقوط نظام القذافي، وخلال تلك الأحداث زادت التدخلات الدولية في الشأن الليبي؛ حيث بدأ حلف الناتو مستندًا إلى قرارات مجلس الأمن الخاصة بالوضع الليبي (1973 و1971) بدعوى حماية المدنيين في إقامة حظر جوي على ليبيا.

 

بيد أن تدخلات الناتو تجاوزت القرارات الأممية فبدلا من حماية المدنيين بدأت قوات الناتو في إسقاط النظام الليبي نفسه، دون أي ترتيبات مستقبلية تخص مستقبل الوضع الليبي فيما بعد فترة القذافي، وهو يعد السبب الأول لإدخال ليبيا في مستنقع الفراغ الأمني والتنظيمات الإرهابية، وتعد الحالة الليبية هي الأولى من نوعها في نماذج انتفاضات ما عُرف بالربيع العربي، التي تدخل بها حلف الناتو مؤيدًا الثورة الشعبية بدعم جوي وبقرارات من مجلس الأمن.


وفيما يتعلق بالمحطة الثانية من الأزمة الليبية فكانت الانتخابات البرلمانية 2012، والتي أفرزت حصول التيار الإسلامي على أقلية المقاعد في البرلمان الليبي، وحصول «تحالف القوى الوطنية» بقيادة «محمود جبريل» على أكثرية المقاعد، وتعد تلك النتائج مغايرة لما للأوضاع السائدة في ذلك الوقت في كل من مصر وتونس التي شهدتا حصول التيار الإسلاموي في كلتا الدولتين على غالبية المقاعد البرلمانية.


شكلت انتخابات 2012 البرلمانية في ليبيا أولى الصدمات للتيار الإسلاموي ليس في ليبيا فحسب بل في المنطقة العربية بأسرها حيث حصل حزب «العدالة والبناء» المحسوب على جماعة الإخوان على نسبة ضئيلة، وهو ما شكل علامة فارقة في تاريخ الجماعة في ليبيا، وبالتالي أثر على سير مجريات الأمور السياسية في البلاد.


أما المحطة الثالثة والأكثر أهمية منذ بداية الأزمة الليبية، فكانت الانتخابات الليبية 2014 والتي كشفت عن الوجه القبيح لجماعة الإخوان في ليبيا، فخلال تلك الانتخابات نجحت التيارات الوطنية والليبرالية الليبية في الحصول على أغلبية المقاعد البرلمانية والبالغة 200 مقعد، فيما حصلت التيارات الإسلاموية على نسبة قليلة جدًّا من المقاعد قدرت بنحو 30 مقعدًا، وهو ما جعل تلك التيارات وعلى رأسها جماعة الإخوان تستشيط غضبًا من تلك النتائج، مدعية تزوير تلك الانتخابات، ونجحت في استصدار حكم من المحكمة العليا في ليبيا ببطلان تلك الانتخابات وإلغائها، وعُد حكم المحكمة العليا الليبية في هذا الصدد من أكثر الأحكام غرابة نظرًا لأنه بُني على أسباب غير واضحة، كما أنه صدر تحت تهديد الميليشيات المتطرفة والإرهابية التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس.


أعقبت نتائج الانتخابات تمرد مسلح قادته الجماعات والميليشيات المسلحة «قوات فجر ليبيا» في العاصمة طرابلس، ورفضت نتائج الانتخابات مشكلة ما يُسمى «المؤتمر الوطني العام الجديد» الذي عد استمرارًا للمؤتمر الوطني العام السابق، وتم تشكيل حكومة موازية في طرابلس بقيادة «خليفة الغويل» عضو المؤتمر الوطني العام الجديد، وإزاء تلك التحركات عُقد البرلمان الليبي في مدينة طبرق، وتم اختيار «عبدالله الثني» رئيسًا للحكومة الليبية، و«خليفة حفتر» قائدًا للجيش الليبي.

خليفة حفتر
خليفة حفتر

أما المحطة الرابعة في الأزمة الليبية جاءت في خضم جهود الجيش الليبي لإرساء دعائم الدولة الليبية، ومحاربة التنظيمات الإرهابية، ففي هذا العام وبالتوازي مع الانتخابات الليبية أعلن قائد الجيش الليبي «خليفة حفتر» قيام عملية الكرامة من أجل تحرير ليبيا أولا من الجماعات والميليشيات المتطرفة أولا، ثم تثبيت أركان الدولة الليبية ثانيًا، ومازالت تلك العملية مستمرة إلى الآن محققة العديد من النجاحات تلو الأخرى، ففي يوليو 2017 نجحت في طرد الميليشيات الإرهابية من مدينة «بني غازي» وفي مايو 2018 نجحت في تحرير مدينة «درنة»، وتتوجه حاليًّا قوات الجيش الليبي لتحرير الجنوب الليبي من العصابات المسلحة لتنظيم داعش المنتشرة في الجنوب، ولم يتبق أمام الجيش الليبي سوى مناطق غرب البلاد؛ حيث مصراتة وطرابلس المسيطر عليهما من قبل الميليشيات التابعة لجماعة الإخوان.


وفيما يخص المحطة الخامسة من محطات الأزمة الليبية، فتتلخص في دور  القوى الدولية في الأزمة، وتأثيرها في توجيه الأحداث، وجعل كفة تميل دون غيرها من كفات الصراع الليبي الدائر، وموقع تلك القوى من الانقسام الليبي، فبعض الدول العربية كمصر والإمارات أبدتا دعمهما للقوى الوطنية الشرعية في ليبيا المتمثلة في البرلمان الليبي المنتخب، والجيش الليبي، في حين اتخذت العديد من الدول موقفًا مغايرًا وداعمًا بعض الشيء للحكومة المحسوبة على الجماعات الإسلاموية في طرابلس.


تحركت الأمم المتحدة بعد الخلاف الليبي الذي أعقب الانتخابات وتم تعيين الإسباني «برناردينو ليون» مبعوثًا أمميًّا في ليبيا تبعه الألماني «مارتن كوبلر» الذي نجح في عقد اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 الذي تمخض عنه تشكيل حكومة الوفاق الوطني بقيادة «فايز السراج»، إلا أن الاتفاق لم يتم تطبيقه بشكل كامل إلى الآن؛ حيث سرعان ما تحولت حكومة الوفاق بقيادة «السرج» إلى طرف في المعادلة الليبية بدلا من كونها حكومة وفاق تسعى لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبين.


التدخلات الدولية في الأزمة الليبية

دائمًا ما أطالت التدخلات الدولية المتناقضة في الشئون الداخلية للدول من عمر الأزمات وانسياق الدولة المعنية لحزمة من الأزمات العصبية تبعًا لمصالح كل دولة بها، ودعمها بمختلف أشكال الدعم لفصائل معينة وأجندتها على حساب فصائل أخرى، وبالتالي الصالح العام للدولة بشكل عام.


وبالنسبة للحالة الليبية، فقد أدت التدخلات الدولية خاصة التدخلات الإقليمية لدول بعينها (قطر وتركيا نموذجًا) لإطالة عمر المرحلة الانتقالية للدولة الليبية، وانجرار الدولة لمستنقع الجماعات الإرهابية والتفتت، وثمة تغير آخر شهده النموذج الليبي وهو دعم تدخلات إقليمية (مصر والإمارات) داعمة للوحدة الليبية والمؤسسة العسكرية الليبية، وهنا يمكن القول أنه بفعل تلك التدخلات كانت الدولة الليبية أقرب لحالة الانهيار التام.


أي أننا أمام تدخلات متناقضة فبعضها داعم للوحدة الليبية والبعض الآخر داعم للميليشيات المتطرفة، إلا أننا في هذا التقرير سيتم تقسيم تلك التدخلات وفق الغرض منها، فبعض الدول تدخلت بغرض تحقيق مكاسب اقتصادية، والبعض الآخر تدخل لتحقيق بعض المصالح الاستراتيجية العليا المتمثلة في الحفاظ على وحدة وتماسك الدول العربية، وعدم وقوعها في هاوية الصراعات الطائفية والميليشياوية.


التكالب على النفط الليبي

تعد الثروة النفطية الليبية من أهم الأسباب التي أدت لتكالب القوى الدولية على ليبيا؛ حيث يقدر الإنتاج الليبي من النفط حوالي 931 ألف برميل يوميًّا بعد أن كان 1.6 مليون برميل يوميًّا في عهد القذافي، وذلك وفقًا لإحصائيات «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية» (eia).


فمنذ انهيار الأوضاع في ليبيا حاولت بعض القوى الدولية السيطرة على منابع النفط الليبي المتمثلة في منطقة الهلال النفطي في شرق ليبيا الذي يبلغ طوله 250 كم يمتد من بني غازي شرقًا وحتى سرت غربًا.

«المرجع» يرصد.. محطات

الصراع الليبي- الليبي

عقب انتشار داعش في الساحة الليبية، ظهر بجانب خليفة حفتر، اسم آخر يُدعى "إيراهيم الجضران"، والذي كان يعهد إليه حماية المنشآت النفطية من هجمات داعش، وعقب الصدام بينهما، حاول الجضران إعادة السيطرة مرة أخرى، وساندته قوات التابعة للمؤتمر الوطني، باعتباره مناهضًا لحفتر، ومن ثم يحاول الجضران بين الحين والآخر الإغارة على منشآت الهلال النفطي.


صراع المصالح الدولية

تعد كل من إيطاليا وفرنسا من أبرز الدول المتدخلة في الشأن الليبي بحكم عدة أهداف، طبيعة القرب الجغرافي، وما يتمخض عنه عدة أهداف تتعلق بالأمن القومي لكل دولة على حدة، فيما يخص الهجرة غير الشرعية؛ والتي تعد ليبيا البوابة الأولى لتلك الهجرة، إضافة إلى المصالح الاقتصادية لهما عبر تدفق النفط الليبي إلى داخل القارة الأوروبية، ناهيك عن الشركات الإيطالية والفرنسية العاملة في استخراج النفط الليبي.


وقد أوصل تضارب المصالح الاقتصادية في ليبيا إلى تنافس بين إيطاليا وفرنسا، بالنسبة لإيطاليا، ترى لها الأحقية في الاستفادة على أوجه أكمل من النفط الليبي بحكم تاريخها الاستعماري في ليبيا، إضافة إلى القرب الجغرافي بين البلدين؛ ما يجعل من ليبيا بلدًا ذا أهمية كمجال حيوي فى دوائر أمن إيطاليا القومي القريبة، وروما هي المستورد الأكبر للنفط الليبي، كما تستورد من طرابلس جزءًا من احتياجات الغاز الطبيعي والعلاقات التجارية خارج مصادر الطاقة بين البلدين ذات مردود في الميزان التجاري لصالح إيطاليا، فليبيا مستورد مهم للسلع الإيطالية على تنوعها.


وفي الناحية الأخرى، تأتي فرنسا، والتي حازت على تقدم دبلوماسي بين كل من حكومة فايز السراج وخليفة حفتر قائد الجيش الليبي، وتسعى فرنسا في تدخلها بليبيا في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، عبر الحفاظ على حصة شركة توتال الفرنسية من المخزون النفطي بحقول الغاز الليبي، ومن المعروف أن شركة توتال كانت قد فازت بعقد لاستثمار الغاز في حوض نالوت عام 2010 إلا أن ليبيا في مرحلة لاحقة فسخت هذا التعاقد بعد جدل قانوني.


بيد أن روما عارضت الخطة السياسية التي وضعتها باريس لاستقرار ليبيا في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، معتبرة أن ذلك لن ينتج إلا مزيدًا من الفوضى، بالمقابل، تسعى باريس لجمع الفرقاء الليبين من خلال مؤتمرات تجمع ما بين أطراف الصراع، وهو ما تعارضه دوما روما لعدة أسباب منها: انخفاض شعبية التيار الإسلاموي في الشارع الليبي – بحيث أنها داعمة لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من التيارات الإسلاموية، بالإضافة إلى التصريحات الإيطالية على لسان مسؤولين، والتي وصفها مراقبون أنها «تصريحات استعمارية» وصف فيها المسؤولون الإيطاليون بلادهم بأنها الوحيدة من لديها حق القيادة في ليبيا؛ ما دفع الشارع الليبي للاستياء، واضطره في الأخير لتنظيم مظاهرات مناهضة لروما أمام السفارة الإيطالية في ليبيا.

الكلمات المفتاحية

"