رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«رسالة الإيمان».. ألغام تكفيرية زرعها صالح سرية في صفحات كتابه الإرهابي

الأربعاء 21/نوفمبر/2018 - 02:36 م
المرجع
وليد منصور
طباعة

يعد كتاب رسالة الإيمان الذي كتبه صالح سرية قائد تنظيم الفنية العسكرية من أهم الكتب التي تبني عليه الجماعات الإرهابية  أفكارها المنحرفة؛ حيث يروجون لإرهابهم، بناء على ما ورد في الكتاب، ويعملون على تكفير الحكام والشعوب.


أيضًا يكشف الكتاب عن العديد من الأفكار والمعتقدات الراسخة لدى الجماعات الإرهابية والتكفيريين، وهو أول كتاب جهادي يتحدث عن إقامة ما تُسمى الدولة الإسلامية.


ورسالة الإيمان من الكتب المهمة في التنظير لفكر الإرهاب، ومقاومة الدولة، ففيه من الألفاظ والمصطلحات ما يشفي ظمأ التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» الذي استخدمه في تنظيره، وغيره من الجماعات التكفيرية، على سبيل المثال نطالع مصطلحات مثل: دار الإسلام، ودار الكفر، والمجتمع الجاهلي، والفئة المؤمنة، والكفار، وتطبيق شرع الله، والطاغوت... إلى آخر تلك المصطلحات التي سرعان ما ينخدع بها الجهلاء، تمهيدًا لعمليات غسل الأدمغة وتجنديهم وانخراطهم في سلك العمل الإرهابي.


تكمن خطورة كتاب سرية أنه بعد كتابته عام 1973 حاول تنفيذ ما جاء فيه عام 1974، وحاول تنفيذ انقلاب عسكري من خلال مجموعات الفنية العسكرية، والتي فشلت في محاولة أُعدم على إثرها صاحب الكتاب، وكانت تعد أول وآخر محاولة من مجموعة جهادية لتنفيذ انقلاب عسكري ضد حاكم في الدول العربية.


والكتاب مقسم إلى عدة فصول مثل الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل والأنبياء، والإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان باليوم الآخر، وطقوس الشرك الجديدة، وكل ما سبق تمهيد مجاني للخاتمة التكفيرية التي ذكر فيها قواعد التكفير، والتي قال إنها «ثلاث قواعد»، وبتطبيقها فإن كل من لا يؤمن بما جاء في الكتاب والقواعد فهو ببساطة كافر، على حد زعم سرية.


ذكر «سرية» مقدمة تاريخية قسّم فيها الحقب التاريخية التي مرَّ بها المسلمون، فقسم فيها المسلمين قبل الهجرة إلى مؤمنين وكفار، وبعد الهجرة زاد قسم جديد هم المنافقون بالمدينة الذين يُظهرون الإسلام ويُبطنون الكفر، ويقول سرية «إن عهد النبي  كان المسلمون فيه يطبقون أوامر الله ورسوله، وينتهون عن نواهيه، فلم يكن مسلم في ذلك الوقت لا يطبق الأوامر ولا ينتهي عن النواهي».


ويضيف: بعد الهجرة وقبل وفاة الرسول زاد قسم جديد هم المنافقون؛ لأن «الأحكام تدور على ظاهر الإنسان، ولا تُفَتِّش عن باطنه، فكانت العقيدة في ذلك العهد وحتى عهد الخلفاء الراشدين بسيطة وسهلة بدون أي تعقيد أو فلسفة» فهم منافقون يُظهرون غير ما يُبطنون، وبعدها زاد قسم رابع هم المرتدون الذين منعوا الزكاة، ويذكر سرية أنهم كانوا كفارًا مرتدين، يستحقون القتال كما فعل أبوبكر الصديق.


تغاضى سرية عن التفرقة بين الممتنع عن الزكاة، والذي حكمه الردة، وبين تارك الزكاة، والذين ينقسمون إلى قسمين، إلى تارك للزكاة تارك جاحد فهو كافر، وبين من ترك الزكاة متهاون فهو عاصٍ وليس كافرًا.


ويقول: بعد تولية علي بن أبي طالب الحكم، ظهرت فرق جديدة، وهم «الخوارج والشيعة» ويرجع «سرية» ظهور هذه الفرق إلى ثلاثة أسباب؛ هي الترف العقلي الذي بدأ يتوسع مع الفتوحات الإسلامية، ودخول الزنادقة في المعركة، وهم المجوس الذين أظهروا الإسلام، وحاولوا تشكيك المسلمين بدينهم من خلال إثارة الشبهات، وتبلور المذهب السياسية التي نشأت في نهاية عهد الخلافة الأموية.

 

واعتبر «صالح سرية» أن كتابه هو أول رسالة من نوعها في تشخيص الكفر الذي وقع فيه المسلمون عن علم وجهل بسبب الظروف الجديدة، معتبرًا أن دراسة حالات الكفر أهم بكثير من دراسة العقيدة، وقضايا الفرق الإسلامية التي لا وجود لها اليوم بحدِّ وصفه، مؤكدًا أن العالم الإسلامي يشهد ردة جماعية.


وأغفل سرية قضية «العذر بالجهل»، واعتبر أن المسلمين في هذا العصر ارتدوا ردة جماعية، وتركوا الإسلام عن جهل، فلا يؤمن «سرية» بقضية العذر بالجهل، والتي تعتبر من أهم موانع تكفير المعين، فلكي يحكم بكفر مسلم لابد من ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، وإقامة الحجة؛ خاصة أن الكثير من المسلمين يجهلون العديد من قضايا الدين في هذا العصر، ولكن لا يُحكم بكفرهم، فلا يمكن أن يحكم أحد بكفر مسلم إلا بعد العديد من الضوابط، والتي لم يتكلم عنها صاحب الكتاب.

 

واشتد «صالح سرية» في قضية التكفير، واعتبر أن المسلمين اليوم يضعون الله في مقام أقل من رئيس الدولة أو الوزير، بل أقل من العامل والضابط، واستدل على ذلك بأن عدم العمل من أجل إزالة الكفر الموجود في الأفراد والمجتمعات والدول خوفًا من السجن والقتل دليل على الكفر، وعدم فهم المسلمين لكلمة الله أكبر، مشددًا على أن التقاعس عن العمل من أجل إقامة دولة الإسلام يُعتبر كفرًا وصاحبه كافر.


وفي قضية الإيمان باليوم الآخر يقول سرية «إن الإيمان بهذه القضية ليس الاقتناع المنطقي بوجود جنة ونار، فهذا التصديق لا يجعل صاحبه مؤمنًا أو يُخرجه من دائرة الكفر إلى دائرة الإيمان»، وإنما الإيمان عنده أن نقدر الجنة والنار حق قدرها، معتبرًا أن الموجود الآن عند المسلمين ليس إيمانًا وإنما هو اقتناع، وفي هذه النقطة تجاهل سرية أن الإيمان تصديق بالقلب وعمل بالجوارح، واعتبر أن تصديق القلب شيء غير معتد به، وهو من مناهج جماعات التكفير، واستدل على أن عدم عمل الناس من أجل الدين دليل واضح على عدم تصديقهم بوجود حساب وجنة ونار، كما اعتبر أن عدم قيام المسلمين بالجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله دليل على عدم  تصديق المسلمين بوجود اليوم الآخر، وهو ما يُعتبر مغالاة في التكفير، فيعتبر كل مسلم لم يجاهد في عقيدة سرية هو  كافر غير مصدق بوجود الجنة والنار.


وفي قضية الإيمان بالقدر  جعل سرية في وثيقته أن من شك فقد كفر، ولم يجعل كل من نطق بشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله مسلم، وتجاهل حديث النبي في الصحيح أن من قال «لا إله إلا الله دخل الجنة» مستندًا إلى أن مَن لم ينفذ ما جاء في الكتاب والسنة فهو ليس مسلم ولا مؤمن، وإنما هو كافر كفرًا صريحًا.


ويضيف «سرية» في رسالته، أن الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر لاشك في ذلك، والمجتمعات في هذه البلاد كلها مجتمعات جاهلية، وهو تأثر واضح بأفكار سيد قطب التكفيرية، واستخدم صالح في هذه الجزئية نفس مصطلحات سيد قطب، التي يدعي فيها أننا نعيش عصرًا جاهليًّا، واستدل على ذلك بهذه الآيات «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا»، وتجاهل سرية أن بعض هذه الآيات نزلت في اليهود والنصاري ولم تنزل على المسلمين.


وتمادى صالح سرية في التكفير ولم يكتفِ بكتفير الأفراد وإنما كفر الدول الإسلامية حتى التي تنص في دستورها على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، فجعل كل الدول الموجود كافرة حتى لو نصت على أحكام الشريعة في دستورها، فالدولة وإن أقامت الصلاة وقامت ببناء المساجد لا تعبر مسلمة، بل هو دين شكلي من نظر «سرية».


وانتقل سرية في جزء من كتابه رسالة الإيمان إلى أن ضرورة إيجاد دولة مسلمة وسمح من أجل ذلك بالمشاركة في البرلمان، فيجوز المشاركة في الأحزاب الإسلامية، رغم نصه في بداية كتابه على كفر كل مَن يشارك في التشريعات والقوانين الوضعية، بل ويفتي بأنه يجوز العمل الحكومي في الدول الكافرة من أجل خدمة دولة الاسلام، كما نص أنه يجوز التخفي والدخول في السلطة حتى يمكن أن يتقلد منصب الوزارة في دولة كافرة، ومع حاكم طاغية من أجل إقامة دولة الإسلام.


ويضيف في كتابه أن دار الإسلام هي التي يحكم فيها بالشريعة ويكون الكلمة العليا فيها لله حتى لو كان كل سكانه كافرين ودار الكفر هي التي لا يحكم فيها بالإسلام حتى لو كان كل شعبها من المسلمين، كما يكفر سرية كل من يشترك في حزب شيوعي أو بعثي أو قومي أو اشتراكي، معتبرًا المشاركة في هذه الأحزاب كفر صريح والجهل بهذه الأمور لا يفيد صاحبه، بحسب زعمه.

 

ويشير الكتاب إلى أن هناك طقوسًا شركية جديدة ظهرت في هذا العصر، وهي تحية العلم، والسلام الجمهوري، وتحية قبر الجندي المجهول، فكل مَن يقوم بهذه الأفعال هو مشرك يعبد الأصنام، بحسب زعمه.

 

وذكر سرية في كتابه، أن دولة الإسلام لا تقوم إلا بالجهاد وحمل السلاح، بل وذكر في كتابه أهمية حمل السلاح في مواجهة الدولة من أجل إقامة الإسلام بحسب زعمه، كما أغفل سرية حديث النبي الذي قسم فيه الناس إلى مسلم ومؤمن وكافر، فهناك من ليس مؤمنًا ولكنه لم يخرج من دائرة الإسلام.  

 

وفي نهاية الكتاب وضع سرية ثلاث قواعد للتكفير، القاعدة الأولى ترتكز على أن الإيمان بالله يقتضي بأنه وحده الذي يرسم منهاج الناس وشرائعه، وعلى البشر أن يسيروا وفق ما شرع الله، وإلا فإنهم كفار، فمن رفض هذه القواعد فهو كافر، والقاعدة الثانية أن من قصر الإسلام على العبادة، وأعطى الحرية لنفسه في أن يختار النظام الذي يريده أو حارب تدخل الإسلام في السياسة فقد كفر، والقاعدة الثالثة أن أركان الإيمان هو «الإقرار بالجنان، والتكلم باللسان، والعمل بالأركان» فمن يختل ركن واحد لديه يُحكم عليه بالكفر، وتجاهل أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قد يعصي المسلم ولكنه لا يخرج من دائرة الإسلام.

"