رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

من البالتوك إلى تيليجرام.. الإعلام الجديد وتجنيد المتطرفين (1 -2)

الخميس 08/نوفمبر/2018 - 10:25 م
المرجع
د.نرمين محمد توفيق
طباعة

تفوق تنظيم داعش على غيره من التنظيمات الإرهابية، بعنصر الدعاية والاستخدام الماهر لمنصات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، أو ما يُطلق عليه الإعلام الجديد، وذلك لما لهذه الوسائل من سمات مختلفة عن وسائل الإعلام التقليديَّة؛ حيث ساعدته على نشر أفكاره وتجنيد آلاف الشباب.


وقد حقق التنظيم نجاحًا كبيرًا في استخدامه لغرف الدردشة وفيس بوك وتويتر ويوتيوب وفيلكر وإنستجرام ومؤخرًا تيليجرام، متفوقًا على الأنظمة الحكوميَّة، التي تحاربه لدرجة جعلت أنصاره يفكرون في إنشاء وسائل خاصة بهم للهروب من التضييقات الأمنية والإدارية كافة، مثل موقع (خلافة بوك كبديل عن فيس بوك)، بل إنهم استطاعوا تكوين دولتهم المزعومة إلكترونيًّا قبل إقامتها على أرض الواقع.


ومن خلال هذه الوسائل استطاعوا اختراق عديدٍ من الدول في كل أنحاء العالم، وصنعوا فيديوهات عالية التقنية فائقة الجودة لعملياتهم وبثوها على مواقعهم الخاصة ومواقع التواصل تلك، ليتناقلها مئات الآلاف من الحسابات الوهمية التي يديرها أتباعهم، وتلقي الرعب في نفوس من يشاهدها.


ويحاول «المرجع» عبر هذه الدراسة استعراض أسباب لجوء داعش إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتحليل الطريقة التي اتبعوها ليتمكنوا من النجاح في الانتشار عليها، والإجراءات التي اتُخِذَت لمواجهتهم إلكترونيًّا، من خلال المحاور الآتية.

للمزيد: «العالم السيبراني».. وسيلة التنظيمات الإرهابية لجمع المال وتنفيذ العمليات


من البالتوك إلى تيليجرام..

أولًا- الفرق بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد:


يُقصد بالإعلام التقليدي وسائل الإعلام، التي سبقت ظهور الإنترنت كالصحف والراديو والتليفزيون، التي كان المُتحكم الأساسي بها هو صانع المحتوى وليس متلقي الرسالة الإعلامية، أما الإعلام الجديد الذي ارتبط بثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فقد أسهم في وجود وسائل إعلامية غير تقليدية جعلت المشهد الإعلامي أقرب لأن يكون ملكًا للجميع، وفي متناول الجميع، بعد أن كان مقتصرًا على فئة محدودة من الناس، وصار أكثر انتشارًا وسرعةً في الوصول إلى أكبر عددٍ من الجمهور، فظهرت المواقع الإلكترونيَّة والمنتديات وقنوات اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي من فيس بوك وتويتر وإنستجرام .. إلخ، وجعلت متلقي الرسالة الإعلامية قادرٌ هو الآخر على أن يكون منتجًا وصانعًا لها، وكانت نتاجًا للتغيرات المجتمعية والثورة التكنولوجية التي حدثت في عصر ما بعد العولمة.[1]


هذه الوسائل لها شقٌ إيجابيٌ بإتاحة قدرٍ أكبر من الحرية غير موجود في الوسائل التقليدية، ومساهمتها في الخروج من الاحتكارات الرسميَّة للمعلومات والأخبار والمادة الإعلاميَّة ككل، وأنها لا تحتاج تعقيدات في التجهيزات التقنيَّة لاستقبالها على عكس المحطات التلفزيونيَّة والإذاعية التي تحتاج إلى إنشاء شبكات بث بملايين الدولارات وتجهيزات معقدة، لكن على الجانب الآخر لها شق في غاية الخطورة؛ حيث لم يعد هناك ضبطٌ لدقة المعلومات، وأصبح متاحًا لأي شخص في أي وقت من أي مكان نشر أي شيء، وهذا ما وعت أهميته واستغلته الحركات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش الإرهابي.


من البالتوك إلى تيليجرام..

ثانيًا- تعريف مصطلح الإرهاب الإلكتروني:


ظهر مصطلح الإرهاب الإلكتروني (Cyber Terrorism) أو (Electronic Terrorism)، عقب الطفرة الكبيرة التى حققتها تكنولوجيا المعلومات، واستخدام الحواسب الآلية والإنترنت فى إدارة معظم شؤون الحياة، وهو الأمر الذى دعا 30 دولة إلى التوقيع على «الاتفاقية الدولية لمكافحة الإجرام على الإنترنت» فى بودابست عام 2001، والذى يُعد من أخطر أنواع الجرائم التى تُرتكب عبر شبكة الإنترنت. [2]


ويُعرف الإرهاب الإلكتروني بأنه: «العدوان أو التخويف أو التهديد المادي أو المعنوي الصادر من الدول، أو الجماعات أو الأفراد على الإنسان، باستخدام الموارد المعلوماتيَّة والوسائل الإلكترونيَّة، بشتى صنوف العدوان وصور الفساد».


ويمكن تعريفه إجرائيًّا بأنه: «نشاطٌ أو هجومٌ متعمدٌ، ذو دوافع سياسية، بغرض التأثير على القرارات الحكومية، أو الرأي العام باستخدام الفضاء الإلكتروني كعامل مساعد ووسيط في عملية التنفيذ للعمل الإرهابي أو الحربي من خلال هجمات مباشرة بالقوة المسلحة، على مقدرات البنية التحتية للمعلومات، أو من خلال تأثيرٍ معنويٍ ونفسيا من خلال التحريض على بث الكراهية الدينية وحرب الأفكار، أو أن يتم فى صورة رقميَّة من خلال استخدام آليات الأسلحة الإلكترونية الجديدة في معارك تدور رحاها في الفضاء الإلكتروني، التي قد يقتصر تأثيرها على بُعدها الرقمي أو قد تتعدى لإصابة أهدافٍ مادية تتعلق بالبنية التحتية الحيوية».[3]


وتُطلق الأجهزة الأمنية على عملية التجنيد الإلكتروني «التجنيد عن بعد»، وبالطبع فإن تتبع ومُلاحقة هذا النوع من التجنيد يكون أصعب كثيرًا من عمليات التجنيد المباشر.

من البالتوك إلى تيليجرام..

ثالثًا- انتشار خلايا داعش على الشبكة العنكبوتية:


استغلت التنظيمات المُتطرفة منذ نشأتها، «مواقع الإنترنت» وغرف الدردشة كـ«البالتوك» و«المنتديات»؛ لنشر أفكارها ومعتقداتها، ووضع خططها، وتنفيذ أهدافها، وإخافة أعدائها، وتجنيد أعضائها بطريقة أكثر سهولة بعيدًا عن رقابة مؤسسات الدولة، ودون الحاجة إلى مصادمات مباشرة معها، خاصةً وأن الشباب هم الفئة الأبرز، التي تتعامل مع هذه الوسائل، فالشباب لم يعدْ يستقي أخبارًا أو معلومات الصراعات من مصادرها التقليدية، وهم في ذات الوقت الفئة المستهدفة للجماعات الإرهابية.

 

ويمكن القول إنه بدون الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ما كان داعش يستطيع تحقيق الانتشار الكبير، الذي وصل إليه في تلك الفترة الوجيزة، أو جذب الأعداد الهائلة من أتباعه من الجنسيات المختلفة، ولم تعدْ تلك الوسائل مجرد أداة للتواصل بين العناصر الإرهابية بعضها بعضًا أو نشرًا لحملاتهم الدعائية عليه أو حتى التعليق على عملياتهم التي يقومون بها فقط، بل أصبح أداةً لجمع الأموالِ والحشدِ والحثِ على القتال، وأصبحت الشبكاتُ أيضًا بمثابة سوقٍ لضم عناصر جديدة من الموالين إلى تلك الجماعات الإرهابية.[4]


وقد أشار وزير الداخلية الإسباني خورخى فيرنانيث دياث إلى أن 80% من عمليات تجنيد المتطرفين في السنوات الأخيرة باتت تتم عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، بينما 20% فقط تتم داخل السجون، وهذا يعكس بوضوح دور هذه الوسائل في استقطاب وتجنيد الشباب للانضمام للحركات الإرهابية، وإدراك هذه الحركات لأهمية الوسائل الإلكترونية.[5]


من البالتوك إلى تيليجرام..

رابعًا- طريقة تجنيد داعش لعناصره إلكترونيًّا:


يقوم داعش بإعطاء المجندين الجدد حسابًا إلكترونيًّا، ويأمرهم باستعماله مرة واحدة فى اليوم، كما إنه لا يسمح لهم بإرسال أي رسالة إلى أي حساب آخر، ويقومون بحذف الملف الموجود في الإيميل من الملف «الدريفت» بعد قراءته مُباشرةً؛ وذلك لمحو أي أثر اتصال مع المُجندين، كما أنهم يقومون بعمل العديد من «الحسابات» الوهميَّة بأسماء مستعارة حتى لا يمكن الوصول إليهم[6]، ويقومون بعمل حسابات جديدة باستمرار للتغلب على الحسابات التي يتم غلقها بعد الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين الذين يخالفونهم الفكر.


وكشف أحد المُنشقين عن داعش، الطريقة التي يتم فيها تجنيد العناصر الجديدة للانضمام للمقاتلين، مبينًا أن المراحل الأوليَّة للتجنيد تتم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تويتر والدردشة عبر نظام جوجل؛ حيث يتم استقبال العديد من الرسائل عبر صندوق الرسائل الخاصة أو القيام بإرسال هذه الرسائل إلى أشخاص يظهر ميلهم للمشاركة في العمليات القتالية.[7]


للمزيد: بمعاونة مسلميها.. فرنسا تُعلن الحرب الإلكترونية على الإرهاب السيبراني


ويقوم داعش بتنويع استخدامه لمواقع التواصل - حسب المنطقة الموجهة إليها- فمثلًا وُجِدَ أن التواصل مع الشباب في بلاد الشام ومصر يجب أن يكون من خلال موقع فيس بوك؛ نظرًا لإقبالهم الشديد عليهم، أما في الخليج فيركزون أكثر على موقع تويتر[8]، كما استغل داعش المواقع التي تجيب على أسئلة الزوار لاختراق المجتمعات الغربية؛ حيث يستخدم موقع ask.fm الشهير للإجابة على أسئلة الذين يريدون الانضمام إلى داعش في بريطانيا، ويقدم لهم النصائح حول ما يجب إحضاره وما لا يجب عند رغبة السفر إلى سوريا للقتال، وكيفية تفادي الإجراءات الأمنية، وينصحهم بعدم إحضار أي كتب دينيَّة؛ لأن ذلك يلفت انتباه السلطات إليه.


وهذا يعني أن هذه الجماعات تدرس خصائص جمهورها المستهدف جيدًا، ما يعكس أن تحركاتها على تلك المواقع تتم بناء على وعي وليس مجرد عملية عشوائية.

 



[1] Debashis Aika, Traditional and Modern Media, (Abu Dhabi: Encyclopedia of Life Support Systems, vol. I)

https://www.eolss.net/sample-chapters/C04/E6-33-02-04.pdf

 

[2] نورا بنداري عبدالحميد فايد، دور وسائل التواصل الإجتماعى فى تجنيد أعضاء التنظيمات الإرهابية دراسة حالة “داعش” (ألمانيا: المركز الديمقراطي العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ النشر 19 يوليو 2016).

[3] المرجع السابق.

[4] عبد البارى عطوان ، الدولة الإسلامية "الجذور، التوحش، المستقبل" (بيروت: دار الساقى ، الطبعة الاولى، بيروت، 2015)

 

[5] مرصد الأزهر، استخدام داعش لوسائل التواصل الاجتماعي، تاريخ النشر 4 ديسمبر 2015.. الرابطhttps://goo.gl/uTXyyj

 

[6] باسل عاطف، "كيف تُجند "داعش" الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟"، بوابة الوفد، تاريخ النشر 15 ديسمبر 2016

https://goo.gl/n6t4ez

 

[7] موقع العربية نت، "التعبئة والتجنيد يبدأن من تويتر"، تاريخ النشر 25 مايو 2015.

[8]  Richard Barrett, Foreign fighter in Syria (USA : The Soufan Group, June 2014)

"