رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

قراءة في «خطاب الصحوة السعودية».. احتكار الإسلام وإقصاء الآخرين

الجمعة 09/نوفمبر/2018 - 02:48 م
غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
مصطفى حمزة
طباعة

يكشف كتاب «خطاب الصحوة السعودية.. مقاربة لموقفها من العلمانية والديمقراطية والمخالف الفقهي والعقدي» لمؤلفه الدكتور محمد بو هلال، عن ملامح هذا الخطاب من حيث المنهج والمضمون، ليجيب في النهاية عن سؤالين أساسيين؛ أحدهما يتعلق باستمرار الفكر الصحوي طويلًا، والثاني مترتب عليه، إذ يتعلق بإمكانية انتقاله وانتشاره في مجتمعات إسلامية أخرى، بحيث يصبح قاعدة للتنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي فيها، وهو ما أجاب عنهما المؤلف في خاتمة كتابه بالسلب.

وأرجع السبب في ذلك إلى أن الخطاب الصحوي يكرس صورة سلبية عن الإسلام، بأنه دين إقصائي عنيف تسيطر عليه حلقة مغلقة من الرجال المتعصبين، وتسانده جموع هوجاء، يسيطرون من خلاله على مفاصل المجتمع، ويتحكمون في حركات الناس وسكناتهم، إسلام يحارب العقل والتجديد، عاجز عن استيعاب مكونات الحضارة والموروث الثقافي الثري.


مثَّلَ الكتابُ أداةً مهمة لرصد ما حاول أن يقرأه الكاتب في خطاب الصحوة السعودية، وهو خطاب تحليل المضمون؛ حيث إنه قدم في فصول الكتاب الخمسة، قراءة في أفكار وأدبيات عدد من الرموز المحسوبين على التيار الصحوي في المملكة، مثل عبدالعزيز آل عبداللطيف، وإبراهيم السكران، وعبدالرحمن البرَّاك، وناصر العُمُر، وسفر الحوالي، وعبد الرحمن المحمود، وعبد العزيز الطريفي، ومحمد الهبدان، وفؤاد العبد الكريم، ورقية المحارب، وفهد العجلان.


قراءة في «خطاب الصحوة

وُلِدَ تيار الصحوة السعودية منذ ما يقارب 4 عقود؛ حيث نشأ بحجة الحفاظ على التدين وفق النموذج الموروث في التقليد الحنبلي، ليمر بأطوار متعددة، تنوعت خلالها أفكاره، وتعددت أشكال تنظيمه، وتفاوتت درجات حضوره، وقسَّم المؤلف هذه الأطوار بحسب ما هيمن على كل مرحلة من مشاغل، بداية من تشكيل رؤية مذهبية عقائدية للحفاظ على الجانب العقدي، للانتقال للطور الثاني المتجسد في الاهتمام بما أسموه «فقه الواقع».


أما المرحلة الثالثة فقد تميزت –وفق المؤلف- فتتمثل في اتجاه تيار الصحوة للمشاركة السياسية من موقع الاحتجاج على المؤسسات الرسمية للدولة ونهجها في التعامل مع الأطراف الدولية غير الإسلامية، وصولًا للمرحلة الأخيرة التي وصفها «بو هلال» بمرحلة التشظي والانحسار، التي افتقد التيار خلالها قدرًا كبيرًا من قدرته على التأثير والتوجيه.


وانتقل المؤلف إلى الفصل الثاني للحديث عن المباحث العقدية في خطاب الصحوة، ورد دعاتها على بعض المناهج والفرق والتيارات الإسلامية المخالفة لهم، كالأشعرية التي يعتبرونها «فرقة غير سنية» بل يصفها سفر الحوالي بأنها «أكبر فرق المرجئة الغلاة»، وأن العقيدة الأشعرية «عقيدة ضالة»، في حين يذهب المؤلف إلى كذب القول المنسوب لأبي العباس بن سريج (توفي 306 هـ) الذي كان يرفض تأويل الأشعرية، وتوفي قبل أن يترك الأشعري الاعتزال ويلتحق بأهل السنة، ويؤسس مذهبًا جديدًا يشتهر بمذهب «الأشعرية»، وسر اعتراض المؤلف هو أن الأشعرية لم تُعرف كمذهب يشار إليه بهذا الاسم إلا بعد موت الأشعري نفسه (سنة 324 أو 330 هـ على قولين)، ما يعني كذب القول المنسوب لابن سريج، إلا أن المؤلف لم يستعن باستدلالات غير الحوالي من دعاة الصحوة في الرد على الأشاعرة.


واتهم «بو هلال» خطاب الصحوة بتكريس العداء للأشعرية من خلال حصر الحق والخير والنجاة والتقدم والأخلاق والثقافة والمعارف وكل ما هو إيجابي ومشروع في الإسلام، وحصر الإسلام في أهل السنة والجماعة، وإقصاء المذاهب والفرق الأخرى، وحصر أهل السنة والجماعة في المذهب الحنبلي وبعض السلف، واختزال المذهب الحنبلي- رغم ثرائه- في عدد ضئيل من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، هم أساسًا أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم، وتجاهل بقية مكونات الثقافة الإسلامية، أي قرابة 99 بالمئة منها.


قراءة في «خطاب الصحوة

كما اشتبك الخطابُ الصحوي السعودي مع الشيعة الذي يميل مفكرو الصحوة لتسميتهم بـ«الرافضة» لرفض غلاتهم الاعتراف بشرعية الخليفتين أبي بكر وعمر، وظهر هذا الاشتباك في مقال لناصر العمر بعنوان: «واقع الرافضة في بلاد التوحيد» تناول الحضور الكمي والكيفي للشيعة في المملكة، وهو ما يراه المؤلف أقرب إلى التقرير التحريضي منه إلى الوصف الميداني الموضوعي، بسبب سعيه للتقليل من عدد الشيعة، وأن نسبتهم لا تتجاوز الخمسة بالمئة من عدد سكان المملكة، بل هي دون ذلك، لكنه حذر من حرصهم على الزواج المبكر وحثهم على تكثير النسل.


ويعبر هذا التقدير لحجمهم العددي -سواء كان دقيقًا او مبالغًا فيه- عن قلق وخوف مفكري الصحوة من الوجود الشيعي بما لا يساعد على تكوين نظرة موضوعية عنهم، وبناء علاقة طبيعية بهم، خاصة أن ما يُفهم من مقاله –وفق «بو هلال»- أن الشيعة مواطنون من الدرجة الثانية، وخطر يجب محاصرته وتضييق الخناق عليه.


إضافة إلى تكفير بعض دعاة الصحوة للشيعة، بسبب وقوعهم في الشرك الأكبر –وفق مقال صالح المحمود بعنوان «حقيقة الرافضة»- ويتمثل هذا الشرك في إضفاء الرافضة صفات الربوبية والألوهية على أئمتهم، إلا أن المؤلف أشار إلى أن مناخ الصراع المذهبي الحاد والتكفيري الذي يبحث عنه بعض مفكري الصحوة ويعملون على فرضه على عموم المسلمين بكل الوسائل لأنه الأنسب لرواج أفكارهم، مؤكدًا أن هذا المناخ الصدامي هو ما يرغب فيه الشيعة المنخرطون في الصراع المذهبي والسياسي ضد أهل السنة في مواطن عدة من العالم الإسلامي.


كرس علماء الصحوة نزعة إقصائية حادّة تجاه مخالفيهم الفكريين والعقائديين من داخل الدائرة الإسلامية، ويأخذ هذا الإقصاء شكل نزعة نرجسية مجنحة لدى بعضهم، إذ يحصرون القرب من الله في أتباع مذهب واحد من المذاهب الإسلامية، ويستحوذون على حق تعريف السني وغير السني، وتصنيف الناس إلى مهتد وضال، والحكم على المصير الأخروي لهم، ما يعد –حسب المؤلف- إمساك لمفاتيح الجنة والحق والرحمة، التي هي مفاتيح بيد الله لا يحق لأحد إمساكها.


قراءة في «خطاب الصحوة

وانتقل الفصل الثالث من الكتاب للحديث عن المباحث الفقهية في خطاب الصحوة، التي روجوها من خلال أدوات عديدة، من بينها أشرطة الكاسيت، والسي ديهات، والمطويات الورقية، إذ أولى هذا الخطاب عناية بقضايا الفروع الفقهية، كموضوع المرأة والانحرافات الاجتماعية، ومعاملة غير المسلم، والجهاد، وغيرها.


اتبع علماء الصحوة منهجًا انتقائيًّا في قضايا الفقه، يتمثل في انتقاء مسائل بذاتها ليجعلها مدار بحثه وموضوع تفكيره، وقسموها إلى قسمين؛ الأول متداول في مدونات الفقه الإسلامي كمسألة المرأة والموقف من الربا وحكم الغناء وفتنة التصوير، والآخر مستحدث فرضه نمط الحياة الجديدة كالكلام عن السينما والسياحة والمعارض وغيرها، بهدف بيان مخاطر هذه المستحدثات على حياة المسلم.


وقال المؤلف: «إن ممّا عدّه فقهاء الصحوة من المفاسد، الفنون على اختلافها، وقد حرصوا على التنفير منها، وأنكروا أن يكون لها أدنى قيمة في إسعاد النفوس البشرية، وتنمية الأذواق، وتهذيب الحس»، وهذا الموقف جعلهم يذهبون إلى تحريم الإنشاد الديني الذي يشتغل به بعض أتباع الصوفية والشيعة، وذلك بسبب صلته بالغناء.


كما ذهبوا لتحريم التصوير بالهاتف المحمول، استنادًا إلى ما تواتر في التراث الفقهي من تحذير من التصوير، خشية الوقوع في توهم مضاهاة خلق الله، ووقع اختلاف بين بعضهم بأن التصوير بالآلات الحديثة لا يشمله حكم التحريم؛ لأنه بمثابة النظر في المرآة، والعرب لا يطلقون اسم الصورة إلا على المجسّمات، ولكن هذا القول ليس هو المعتمد عند علماء الصحوة.


واستنكروا الدعوة إلى تشجيع السياحة بحجة أن الكفار لا يجوز لهم دخول جزيرة العرب، وأن دخولهم موالاة لهم ومدخل إلى الإعجاب بهم وتقليدهم، والسياحة عند أعلام الصحوة تؤدي أيضًا إلى مفاسد اجتماعية، منها انتشار الفواحش وتفشي الأمراض المعدية واتساع دائرة الجريمة المخدرات وغسيل الأموال وغيرها، زاعمين أن السياحة لم تجلب على البلدان التي شجعت عليها إلا الانحراف الأخلاقي، وفي المقابل أيد هؤلاء وجود صنف معين من السياحة، وهي سياحة الجهاد في سبيل الله وسياحة طلب العلم، ومثل هذه السياحة هي التي كانت قائمة على عهد السلف، ومن الواضح أن مثل هذا التصور لمفهوم السياحة محكوم برؤية ضيقة، لا ترى في السياحة أبعادها الإنسانية الإيجابية التي تقرب بين الشعوب ليحصل بينهم التعارف والتعاون.


حظيت قضية المرأة بالمكانة الأولى في مشاغل الخطاب الصحوي، إذ يعتبرونها القضية الأم عند المسلمين اليوم، وتتضمن قضايا فرعية مثل: المساواة بين الجنسين وفتنة المرأة، وتحريرها، وتعليمها وخروجها للعمل وقيادة السيارة، ويتم توظيف النصوص المقدسة المتعلقة بالمرأة على النحو الذي يخدم توجههم، وإبراز ضعفها ونقصها وتفوق الرجل عليها، حتى ولو خالف ذلك مقاصد الإسلام الكبرى.


وسبب هذه النظرة إلى المرأة من قبل كتاب الصحوة، هو موقفهم المتخوّف إلى حد الارتياب، من مخاطر التغريب الوافد إلى ديار الإسلام ضمن تيار الحداثة الجارف، مستهدفًا المرأة في المقام الأول، سواء عبر بث الأفكار المضللة كتحرير المرأة ومساواتها بالرّجل، أو عبر ترسيخ أنماط سلوكية غريبة عن سنن المجتمع وقيمه، ويؤكد المؤلف أن السبب الكامن وراء هذه النظرة الارتيابية الحادة يرحع إلى المبالغة في تقدير حقيقة ما يُظن أنه مؤامرة عالمية تستهدف أخلاق المرأة المسلمة كمقدمة لهدم عقائد الإسلام، وعدم الثقة بطبيعة المرأة وقدرتها على الالتزام الديني والأخلاقي مثل الرجل.


وتناول الفصل الرابع موقف الصحويين من العلمانية الذي يعد أحد أهم محاور خطاب الصحوة، الذي يطرح نفسه منافحًا عن الدين وداعيًا إلى ما كان عليه السلف الصالح، ومن ثم يرى في الفكر العلماني انحرافًا عقائديًّا يتمثل في دعوته للفصل بين الحياتي الدنيوي، والأخروي الديني، لتعارضه مع شمولية الإسلام الذي جاء ليكون «دينًا ودنيا»، ولذلك ينعتون العلمانية بـ«الكافرة».

كما يرى ناصر العقل –أحد دعاة الصحوة- الحداثة مذهبًا خبيثًا يقوم على الزندقة والخروج على الدين والأخلاق والفضيلة، إلا أن المؤلف انتقد إقحام أسماء حسن الترابي ومحمد عمارة ومصطفى محمود ومحمد إقبال، ضمن قائمة قادة التيار التحديثي أو الحداثي التغريبي.

قراءة في «خطاب الصحوة

أما موقف الصحوة من الديمقراطية فهو يتعامل معها على أساس أنها كالعلمانية والليبرالية والاشتراكية، قيم غربية هدفها طمس هويتنا الإسلامية، وقد مر هذا الموقف بثلاث مراحل من الزفض إلى القبول، هي مرحلة الرفض ومرحلة التلمس ومرحلة المراجعة، ويرجع الرفض إلى الإقرار المبدئي للصحويين بأن الحاكمية لله، وبأن كل إشراك لغيره في الحكم كفر، ورفض كل ما وَفَدَ على ديار المسلمين من «ديار الكفر»، وعدم سعي مفكري الصحوة إلى بناء قراءة متوازنة للديمقراطية، تميز بين ما هو جوهري فيها، وما هو عارض متلبس بالبيئة الخاصة التي تعمل بها.


وكشف الكتاب عن فساد رؤية دعاة الصحوة لعقيدة الولاء والبراء، ورفضهم لراية الإنسانية والوطنية، التي هي عندهم بمثابة الرايات الجاهلية، باعتبار هذه الروابط تأتي بديلًا لرابطة العقيدة، واعتبر المؤلف أن هذا الرفض لشعار الوطنية انتقل إلى فكر الصحوة من أدبيات الإخوان المسلمين.


وخصَّصَ المؤلف الفصل الخامس من كتابه لإنصاف تيار الصحوة بعد تشريحه تشريحًا دقيقًا، إذ ذكر بعض العناصر المضيئة لهذا التيار، والتي تتمثل في المشاركة الفعلية في الشأن العام، والمساهمة في دفع حركة الإحياء الديني، وتكريس خط الممانعة الاجتماعية، بمواجهة مخاطر التغريب، والنجاح التعبوي والتنظيمي، الذي يتمثل في توظيف وسائل الإعلام في الخطاب الوعظي والدعوي.


أما عن أوجه الخلل الأساسية في الخطاب الصحوي فقد أوجزها المؤلف في البعد الإطلاقي، والمنحى الإقصائي، الذي يرتبط بالبعد الإطلاقي ارتباطًا آليًّا، والتعميم المعرفي، وضعف الوعي العملي البراغماتي، مشيرًا إلى أن غياب النقد وأحادية المرجعية، قد أغمضا عيون شيوخ الصحوة عن كثير من «الحقائق» المغايرة لما يعتقدون، ولكن المؤلف أهمل الحديث عن موقف تيار الصحوة من الحكام والحكومات والجنوح لتكفير عدد منهم إعمالًا لقواعد الحاكمية التي تعد من أهم قواعدهم.

الكلمات المفتاحية

"