رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

النظام العالمي الجديد... تراجع أمريكي وتقدم أوروبي آسيوي

الخميس 08/نوفمبر/2018 - 11:58 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

تريد قوى عدة؛ من بينهم روسيا والصين إعادة تشكيل نظام السياسة الدولي، القائم منذ الحرب العالمية الثانية، بما يتوافق مع مصالحهم، في حين تتطلع قوى ناشئة مثل البرازيل والهند إلى أن تصبح قوى عظمى مع تجنب المسؤوليات المترتبة على هذه المزايا، وأخرى تتحدى الوضع القائم من خلال رفض أوضاعه ومحاولة تغييرها مثل كوريا الشمالية وإيران، وتحاول المنظمة الأمميَّة جاهدةً في مضمار كل هذه التحولات معالجة كل هذه القضايا الشائكة حتى لا تتفاقم.


وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي السابق «هاري ترومان» حظى بالزعامة العالمية على خلفية تعاونه مع حلفائه الأوروبيين؛ فإنه مع قدوم «دونالد ترامب» تغيَّر كلُّ شيء بما فيها الالتزامات الأمنية لواشنطن تجاه حلفائها.


وظهرت ملامح ذلك خلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 6 نوفمبر لعام 2018، من خلال تعاطى إدارة «ترامب» مع واحدٍ من أهم الملفات الدوليَّة ألا وهو الهجرة والتجنيس؛ حيث أعلن رغبته في منع حق التجنيس بمجرد الولادة وفق قانون الهجرة والتجنيس المُعدل عام 1968 إضافة إلى الحملةِ الشرسةِ، التي يقودها على الهجرة غير القانونية القادمة من المكسيك. ومن هنا فقد الحلفاءُ التقليديون للولايات المتحدة الأملَ في قدرتها على قيادة النظام العالمي.

 

لكن يُشير بعض المحللين إلى أن هناك إمكانية لاستفادة الحلفاءِ من قدرتهم الاقتصادية والعسكرية الجماعية؛ لإنقاذ النظام الليبرالي العالمي؛ ففرنسا، ألمانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي في أوروبا، أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية في آسيا؛ فضلًا عن  كندا في أمريكا الشمالية (مجموعة التسع)، مؤهلون لقيادة العالم، باعتبارهم مجتمعين القوة الاقتصادية الأكبر، التى تتفوق قدراتها العسكرية على الولايات المتحدة الأمريكية.


فعلى الرغم من أن تعزيز  التعاون الاقتصادي هو نقطة البداية  للتضامن بين هذه الدول، فإنها يمكن أن تذهب أبعدَ من ذلك إلى القيام بدور الولايات المتحدة الأمريكية من زيادة مستوى التعاون والإنفاق الدفاعي، فضلًا عن استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات المتاحة للقيام بدور الولايات المتحدة الأمريكية كمدافع ومروج للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.  

النظام العالمي الجديد...

نبذة عن النظام الدولي الذى صنعته الولايات المتحدة الأمريكية


لم يَكنْ النظام العالمي القائم على القواعد الحالية عشوائيًّا، بل كان نتيجةَ اختيارات متعمدة، في محاولة لتجنب الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث بنى «ترومان» وحلفاؤه نظامًا دوليًّا يستند على الأمن الجماعي، الأسواق المفتوحة والديمقراطية، فضلًا عن استراتيجية راديكاليَّة تُثَمِّن التعاون القائم على المنافسة، وازدهار أوضاع الدول التي تسير على خُطى واشنطن، وفيما يلى إبرازٌ لأهم محددات هذا النظام:-


أولاً: على الرغم من أن النظام الذي وضعت واشنطن أسسه لم يكن مثاليًّا، فإنها تجاهلت خطابها المعسول من أجل مصالح ضيقة أو سياسات مُضللة، من ناحية أخرى كان نظام ما بعد الحرب الباردة ناجحًا نسبيًّا؛ حيث أعاد بناء أوروبا واليابان، واتسع في ظله نطاق الحرية والديمقراطية وأصبح مفتوحًا للجميع.


ثانيًا: خلق نجاح النظام العالمى الذى صاغته واشنطن ضغوطًا جديدة؛ تمثلت في النمو السريع لحركة السلع والأفكار عبر الحدود، ومع انضمام العديد من الدول إلى هذا النظام، أدى ذلك لنشأة مشكلات جديدة تمثلت في تغير المناخ والهجرة غير الشرعية. لكن أدى التعاون فيما بين الدول المتقاربة جغرافيًّا مثل الاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز الجهود الرامية إلى خلق أرضية مشتركة حول قضايا مهمة مثل التجارة والإرهاب، وأثار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الأزمة المالية العالمية في 2008 الشكوك حول جدوى القيادة الأمريكية للعالم واتجاهاتها.

النظام العالمي الجديد...

أبرز وصايا «أوباما»

حث الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» عند مغادرة البيت الأبيض في عام 2017 خليفته على تبني مبدأ لا غنى عنه، حتى تستمر القيادة الأمريكية للعالم تمثل في؛ «الأمر سيعود لنا، من خلال الحفاظ على النظام الدولي الموجود منذ نهاية الحرب الباردة، الذي يعتمد عليه أمننا وسلامتنا»، لكن «ترامب» اتخذ منهجًا مخالفًا، معتبرًا أن القيادة العالميَّة هي المصدر الأساسي لمشكلات الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن تمحور هدف حلفاء واشنطن حول الاستفادة من قوتها العسكرية، واستغلال الاتفاقيات مُتعددة الأطراف لسرقة الوظائف الأمريكية.

النظام العالمي الجديد...

التخلي عن الحلفاء

أظهر اختيار «ترامب» للساسة والمسؤولين مثل وزير الدفاع «جميس ماتيس» ووزير الخارجية  «ريكس تيرسلون»، وانسحابه من اتفاقية الشراكة عبر الهادي، اتفاق باريس بشأن تغير المناخ، الاتفاق النووي الإيراني فضلًا عن التشكيك في قيمة «الناتو» أنه لا يرغب في قيادة النظام العالمي القائم على التعاون مع الحلفاء.


لكنه في الواقع يخسر المزايا العديدة التي استمدتها الولايات المتحدة الأمريكية من  هذه القيادة مثل؛ القدرة على صياغة القواعد العالمية لصالحها، الإعجاب والثقة التي تأتى من الدفاع عن الحرية، الديمقراطية وحقوق الإنسان.


على صعيد آخر، يوفر استبعاد الحلفاء فرصة أمام الأعداء مثل الصين لإعادة صياغة قواعد النظام العالمي لصالحها؛ حيث وضعت الصين نفسها كمدافع عن نظام التجارة العالمي، البيئة والقانون الدولي، ومن المرجح أن تنجح بكين في ذلك. فعلى الرغم من أن لدى الصين عددًا لا بأس به من التحديات الداخلية مثل المعدل المرتفع من البطالة، عدم المساواة، نظام سياسي هش، فإن وجود نظام عالمي بلا قائد وقائم على المنافسة يطرح مخاطر كبيرة، وبطبيعة الحال لن تدفع واشنطن وحدها ثمن العودة إلى هذا النظام.

النظام العالمي الجديد...

سعى أوروبي لتشكيل نظام عالمى جديد

أصبحت هناك عدة عقبات بسبب تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن قيادة العالم، وأظهرت «ترامب» مقدار الجهود التى قدمها الحلفاء من أجل بقاء هذا النظام وما الذي يمكن أن يفقدوه مع انهياره. ومن هنا، سعت هذه الدول لاسترضاء القيادة الأمريكية، على الرغم من الخلافات الجوهرية العميقة، لكن في النهاية لم تنجح كل هذه الجهود الرامية للتوصل إلى حل وسط.


في السياق ذاته، يجب أن يركز حلفاءُ الولايات المتحدة الأمريكية على كيفية العمل مع واشنطن والعمل بدونها، وبالفعل فرضت هذه الدول مجموعةً من السياسات الحمائية ضد «ترامب» فيما يخص الجانب التجاري، في الوقت الذى تشكل فيه مجموعة الـ9 حوالى 30% من الواردات والصادرات العالمية، أي أكثر من ضعف حصة الصين والولايات المتحدة الأمريكية مجتمعين.


ويُعَدُّ التعاون الاقتصادي هو المفتاح الوحيد لمواجهة سياسات «ترامب». فبعد أن انسحبت واشنطن من اتفاقية الشراكة عبر الهادي( TTP(  قادت أستراليا، كندا واليابان الجهود لإنقاذ الصفقة كقوة موازية للصين.


وفي أوائل عام 2018 وافق الأعضاء الـ11 المتبقون على ميثاق منقح أبقى على معظم البنود الخاصة بالاتفاق؛ ستخلق السوق الناشئة منطقة تجارة حرة من حوالى 500 مليون شخص تشكل 15% من حجم التجارة العالمية، كما أعربت عددٌ من الدول الأخرى مثل كولومبيا، إندونيسيا، كوريا الجنوبية وتايلاند عن اهتمامها للانضمام إلى ما يسمى (TTP 11).

ويعتبر الاتحاد الأوروبي شريكًا أساسيًّا لهذه المجموعة؛ حيث تم التفاوض على اتفاقيات تجارية منفصلة مع كندا، اليابان وكوريا الجنوبية، وأسست الاتفاقية الأوروبية اليابانية سوقًا من 600 مليون شخص، وبذلك تكون أكبر منطقة اقتصادية مفتوحة حول العالم.


في السياق ذاته، تعمل هذه الاتفاقيات على تكثيف المنافسة بين القوى الصاعدة من أوروبا وآسيا. وعلى الرغم من أن هذه الدول تتفوق على واشنطن في الوصول إلى الأسواق، ولكنهم بحاجة للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الحاجة إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية، لاسيما وأنهم يتشاركون مخاوف مشروعة حول النظام التجاري العالمي، خاصة عندما يتعلق الأمر  بالصعود الصيني.

تحدي التمسك بالمبادئ الديمقراطية


تعرضت الديمقراطية الليبرالية للهجومٍ بعد عقودٍ طويلة من التقدم في جميع أنحاء العالم، لكن تتحدى الدول الاستبداديَّة القواعد والأفكار العالمية المتعلقة بالحرية، وتوضح أن نظمها الاجتماعية والسياسية تسير بطريقة أفضل من الديمقراطية الليبرالية. أدى ما سبق، إلى صعود الحركات الشعوبية حتى داخل الديمقراطيات الراسخة، فضلًا عن تحدى أزمة اللاجئين والهجرة للمعايير الدولية والليبرالية المتعلقة بالتسامح والتنوع، لكن فقدان الولايات المتحدة كزعيمٍ عالمي قوي ربما يكون التغيير  الأكبر.


فعلى مدى 70 عامًا تقاسم الحلفاءُ الغربيون الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان، واعتبروا أن تقدمهم على المستوى الدولي يُعَدُّ بمثابة إسهامٍ أساسي في السلام والازدهار العالمي، ومن هنا، باتت مجموعة التسع مُلزمة بالاستمرار في هذا الطريق، حتى لو اتجهت واشنطن إلى جانب آخر، خاصةً في سياق المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي.


وتحتاج الدول التسع إلى إبراز نفوذها وقوتها من خلال استخدام التفضيلات التجارية والمساعدات الإنمائيَّة كوسيلة ضغط؛ ففي عام 2017 أنفقت هذه الدول أكثر من 80 مليار دولار  على المساعدات الإنمائية الرسمية، أي أكثر من ضعف ما أنفقته الولايات المتحدة في هذا العام. وينبغي أن تنفق هذه المساعدات للدفاع عن قيم مثل الديمقراطية، الحرية وحقوق الإنسان.


وسيتعين على مجموعة الـ9 استخدام القوة العسكرية المستقلة عن واشنطن؛ حيث قادت فرنسا والمملكة المتحدة تدخلات عسكرية لأغراض إنسانية، خاصةً في شمال وغرب أفريقيا، في حين وافقت بريطانيا وفرنسا إضافة إلى سبعة حلفاء آخرين من الاتحاد الاوروبي على إنشاء قوة عسكرية مشتركة للتدخل في أوقات الأزمات، وهذه خطوة يمكن أن تكون نموذجًا لتعاون آخر.


محددات حماية النظام العالمي القائم

ستحتاج مجموعة الـ9 إلى إضفاء طابعٍ مؤسسي على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال مؤتمرات سنويَّة للقيادات (وزراء الخارجية و الدفاع) لمنح ثقلٍ وأهميةٍ لجهود هذه المجموعة، وفيما يلى توضيح لأهم هذه المحددات:-  


1- تعزيز التعاون بين دول الـ9


يُمكن لمجموعة الـ9 أن تعمل على تشكيل تجمعٍّ رسمي في المؤسسات الدوليَّة مثل الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية ومجموعة العشرين. وفي إطار تعزيز العلاقات الرسمية والتعاون بين هذه الدول، يجب عليهم تجنب الظهور بشكل حصري، والترحيب في كل الأوقات بمشاركة ودعم الدول ذات التفكير المماثل، بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن ضرورة أن يتمحور الهدف الحالي لهذه المجموعة حول دعم النظام وإعادة تنشيطه، وليس لإنشاء نظامٍ جديدٍ.

2-    استحضار الإرادة السياسية   

تتمثل العقبة الرئيسيَّة التي ستواجه دول مجموعة الـتسع في الافتقار إلى الإرادة السياسيَّة للدفاع عن بقاء النظام الحالي؛ لقد حثت الولايات الإدارة الأمريكية حلفاءها من الآسيويين لتحمل بعض الضغوط عنها، ولكن قُوبِل معظمها بالرفض والأعذار. 


في السياق ذاته، تحاول دولٌ مثل ألمانيا واليابان التغيير من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها تظل غير مُهيأة لتحمل المزيدِ من المسؤولية؛ حيث تميل الدول الأوروبية إلى النظر لمشكلاتها الداخليَّة، في حين تُفَضِّل الدولُ الآسيوية التعاملَ مع واشنطن بشكلٍ ثنائي بدلاً من التعاون مع بعضهم البعض.


3-     مواجهة السياسات الأحادية


يميل حلفاءُ الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات على أمل ألا يفعل «ترامب» ما يُهَدِّد به أو يتولى رئيسٌ جديدٌ السلطةَ في 2021؛ حيث تعتقد الإدارةُ الأمريكيةُ أن سياساتِها أُحاديةُ الجانبِ والموالية لفكرة القومية حققت انتصاراتٍ كبيرةٍ للإدارة الأمريكية؛ لكنه لا يعلم الثمن الذي سيدفعه من أجل استعادة الدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى.


فعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي الأخيرة الصادرة عن مجلس «شياغكو» للشؤون العالمية وغيرها أظهرت رفض الرأي العام الأمريكي لأجزاءٍ حاسمةٍ من السياسةِ الخارجيةِ الإيرانيةِ مثل «أمريكا أولًا»، الدعم الموجه لجماعاتٍ مُعينةٍ في الشرق الأوسط، من الممكن أن يتم اختيار  رئيسٍ جديدٍ يُفضِّل البقاء على نفس محددات السياسة الخارجية الحالية.


4-    الترحيب ببقاء الولايات المتحدة الأمريكية داخل النظام


أفضل ما يُمكن أن تفعله مجموعة التسع هو ترك الباب مفتوحًا أمامَ عودة الولايات المتحدة الأمريكية في أي وقت؛ لأن التحديات التي تواجه نظام ما بعد الحرب الباردة خطيرة للغاية، ومن هنا، تتجلى أهمية العمل الجماعي من أجل التصدي للتحديات الموجودة على الساحة العالمية التي تتمثل في الحفاظ على الأسواق المفتوحة، تحدى الانحدار الديمقراطي؛ لكن تواجه الكيانات السياسية للدول التسع ضغوطًا ومتطلباتٍ سياسيَّةٍ؛ ما يجعلها تتصرف بشكل غير مُتجانس، ومن هنا قدراتها ستظل محدودة مقارنة بدولة في حجم الولايات المتحدة الأمريكية.


على الناحية الأخرى، من المتوقع ألا تحاول الدول التسع الحفاظ على النظام الدولي القائم فحسب، بل ستعمل على تحقيق ثباته واستقراره. ولذلك، يجب أن يعرف قادة الحلفاء أنهم بحاجة إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات، لأن زوال النظام الليبرالي سَيُكَلِّف الولايات المتحدة الأمريكية الكثير؛ حيثُ ستشتد المنافسةُ بين القوى العظمى، والوقت الحالي هو الأنسب بالنسبة للدول الأوروبية للإصرار على تحديد مصيرهم بأنفسهم.  


By Ivo H. Daalder and James M. Lindsay, The Committee to Save the World Order: America’s Allies Must Step Up as America Steps Down, Foreign Affairs, November/December 2018 Issue, available at https://www.foreignaffairs.com/articles/2018-09-30/committee-save-world-order?cid=int-nib&pgtype=hpg.

 

"