رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«جيش الرب» و«داعش».. اختلاف في المنطلقات واتساق في الممارسات (2 -2)

الخميس 08/نوفمبر/2018 - 04:06 م
المرجع
د. نرمين محمد توفيق
طباعة

تناولنا في الجزء الأول من الدراسة اختلاف المنطلقات بين تنظيمي «جيش الرب» و«داعش»؛ فالأول انطلق من منظور مسيحي متطرف، بينما تكون الثاني من منظور إسلاموي متطرف أيضًا، وعلى الرغم من الخلاف الأيديولوجي لكلا التنظيمين، فإن أفكارهما متشابهة للغاية، خاصة تلك الأفكار المتعلقة برؤيتهما للآخر.

 

لذا سيركز الجزء الثاني من الدراسة على التشابه الشديد بين داعش، وجيش الرب، من الناحية العملياتية، مثل رفع الشعارات المقدسة لتحقيق غايات دنيوية، وفرض حالة من العزلة على أعضاء التنظيم باعتبارهم الأنقى والأطهر دينيًّا، فكلا التنظيمين ينظر لنفسه على أنه المطبق للتعاليم الدينية بصورة صحيحة.

«جيش الرب» و«داعش»..

أوجه التشابه بين «جيش الرب» و«داعش»:

توجد عدة تشابهات بين التنظيمين، وهي كالتالي:

1- رفع الشعارات المقدسة لكسب الشرعية والتأييد:

كلا التنظيمين يرفع شعارات دينية، ويدعي الانطلاق من مبادئ سامية لتبرير أفعاله مهما كانت وجذب مزيدٍ من الأتباع؛ فداعش أعلن أنه يسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية، وجيش الرب أكد أنه ينطلق من الوصايا العشر للكتاب المقدس لإقامة دولة الرب المقدسة، وكلاهما يقوم بتغيير قناعات أتباعه وتشويه أفكارهم فيما يطلق عليه بعملية «غسل الأدمغة».

 

2- تشبيه زعيم التنظيم بأنه وكيل للرب ولا يجوز معارضته:

سعى جوزيف كوني، زعيم تنظيم جيش الرب، إلى إحاطة نفسه بهالة من التقديس، ولذا فإن أتباعه يؤمنون بأنه نبي يسير على نهج يسوع، وأن المسيح يأتيه في أحلامه ويخبره ماذا يفعل؟ ويؤكد له أنه يقاتل من أجله، ونُقل عن أحد مساعدي «كوني»، قوله: «كوني، هو رسول من عند الله! نحن نتبع الأوامر من الروح القدس».[1]

 

وهذا ما يُحاول أيضًا زعيم داعش أبوبكر البغدادي فعله؛ حيث لقب نفسه بأمير المؤمنين، زاعمًا أنه وتنظيمه يسعيان إلى إعادة دولة الخلافة الإسلامية من جديد، وأن من يرفض بيعته يجب قتله.

للمزيد: دور المخابرات الكاميرونية في مواجهة الإرهاب.. «بوكو حرام» نموذجًا

«جيش الرب» و«داعش»..

3- الرفض الكامل للمخالف لهما (الجيتو النفسي والاجتماعي):

كلا التنظيمين يزعم أنه يحتكر الفهم الصحيح للنصوص الدينية، وأنه المنفذ الوحيد لتعليمات الله، ويروجان أن كل من عاداهما كفار، وأعداء للرب، يجب قتالهم والتنكيل بهم، ويؤكد ذلك اختيار أسماء التنظيمين، فالأول اختار اسم جيش الرب (ألصق نفسه مباشرة بالإله)، وعليه فهو مُفوض منه، والثاني «تنظيم الدولة الإسلامية» وكأنه المفوض بإقامة دولة الإسلام في الأرض.

 

4- التأويل الخاطئ للنصوص الدينية:

يشترك كلا التنظيمين في التأويل الخاطئ للنصوص المقدسة، فكما اتضح سابقًا فقد شوَّه جيش الرب الوصايا العشر، والأمر لا يختلف كثيرًا عند تنظيم داعش الذي عمل على إساءة تأويل عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتتوافق مع سياسته الوحشية في القتال والحرب، ليبرر بها شرعيته التي يزعم من خلالها السعي لتأسيس الخلافة الإسلامية في الأرض، كما يبرر بها ما يرتكبه من جرائم في حق الإنسانية.

 

كذلك فإن «داعش» قَدَّم في أدبياته، وجوب قتال العدو القريب[2] من المسلمين المقيمين في حدود دولته المزعومة، والذين يصفهم بالمخالفين له على قتال العدو البعيد، ويقصد به العمليات ضد الغرب في دولهم، وهذا ما فعله «جوزيف كوني» أيضًا؛ حيث انصبت معظم هجمات جيش الرب على مواطني شمال أوغندا، وجماعة الأشولي، بعد اتهامهم بالتعاون مع القوات الحكومية ضده، ويزعم «كوني» أن الأنبياء التوراتيين كانوا على استعداد لتطهير الخاطئين، وأنه يمكن إبادة فئة كبيرة من الناس لإنقاذ القلة من أنقياء القلوب، وأن المخطئين تُصب عليهم اللعنات.[3]

 

5- اختلاف ممارساتهم عن الأهداف التي يدعون أنهم ينطلقون منها:

يتضح من ممارسات التنظيمين البُعد التام بين ما أعلنوا عنه من أهداف وأفعالهم، فعلى الرغم من ادعائهم أنهم يسعون إلى قتال المفسدين لنصرة المظلومين من أتباعهم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ونشر العدل؛ فإن القتل والترويع والسرقة والنهب هو الأساس في التعامل مع غيرهم، حتى من الذين يُفترض أنهم يدافعون عنهم، فمعظم عمليات داعش كانت ضد المسلمين، ومعظم عمليات جيش الرب تركزت ضد أهالي منطقة شمال أوغندا، ومسيحي جماعة الأشولي.

 

6- الانتشار عبر الحدود:

لا يؤمن تنظيم داعش بفكرة الوطن أو الحدود الجغرافية[4]، لذلك فإنه سعى للوجود في أكثر من دولة، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا أو نيجيريا ممثلًا في بوكو حرام، وكذلك فعل جيش الرب الذي استطاع الانتشار في شمال أوغندا وجنوب السودان وشرق الكونغو وجمهورية أفريقيا الوسطى.

 للمزيد: «السيسا».. سلاح مواجهة التهديدات الإرهابية بالقارة الأفريقية

«جيش الرب» و«داعش»..

7- تجنيد الأطفال واستغلال النساء:

اعتمد كلا التنظيمين على تجنيد الأطفال؛ وذلك لأنه من السهولة بمكان تشكيل عقولهم وانقيادهم وتنفيذ ما يُطلب منهم دون وعي، وقد اعتمد جيش الرب بشكل أساسي على اختطاف صغار السن؛ حيث ذكرت بعض التقارير الأممية أنه خطف عشرات آلاف الأطفال منذ نشأته لتسخيرهم في الأعمال القتالية والخدمية، وداعش هو الآخر استغل النشء الصغير، ولم يقتصر على تجنيد الشباب وإنما امتد الأمر به إلى استغلال الأطفال في أعماله الوحشية، وظهر هؤلاء الصغار في أفلام التنظيم المصورة بحرفية وهم ينفذون عملية إعدام بحق عدد من الضحايا التنظيم، كما أنشأ ما سمَّاه بـ«أشبال الخلافة الإسلامية» لتجنيد الصغار.[5]

 

أما بالنسبة للنساء؛ فالتنظيمان ينظران إليهن نظرة دونية، فالمرأة بالنسبة لكل منهما ليست أكثر من أداة لتفريغ الشهوات أو للخدمة، وهناك شهادات لعشرات من النساء اللاتي اختطفهن جيش الرب واعتدى عليهن جنسيًّا، وكان يحبسهن قسرًا لكي يخدمن لعناصره.

 

كذلك فعل تنظيم داعش، الذي استثمر المرأة وحولها إلى مادة في خطابه الإعلامي، واعتبر نساء المخالفين له غنائم يفعل بهن ما يريد، وهو ما فعله مع النساء الإيزيديات العراقيات اللاتي باعهن كسبايا، كما استخدم النساء كعنصر جذب لاستقطاب الشباب صغير السن، وروَّج في سبيل هذا أنه يُعطي النساء للمقاتلين كمحظيات، وإضافة إلى ما سبق، فالتنظيم استخدم النساء كانتحاريات لتنفيذ التفجيرات؛ لأن مرورهن دون تفتيش من النقاط الأمنية يكون أسهل من مرور الرجال[6]، كما اشترك التنظيمان في استخدام الأطفال والنساء كدروع بشرية في معاركهم.

 

وخطف الفتيات القصر أمر مشترك عند داعش وجيش الرب، فبالنظر إلى ممارسات حركة بوكوحرام النيجيرية التي أعلنت الولاء لداعش، يتضح أنها قامت أكثر من مرة بالهجوم على مدارس للفتيات بذريعة أن التعليم محرم على النساء، وخطفت مئات الفتيات من مدارسهن، كذلك فعل جيش الرب، ففي أكتوبر عام 1996 هاجم مدرسة كاثوليكية في منطقة شمال أوغندا، وخطف منها 150 تلميذة، واقتادهن إلى معسكراته بحجة خدمة جنود الرب.[7]

 

وكما أباح داعش ما يعرف بـ«ملك اليمين» في حالة الحرب، كستار للاستمتاع الجنسي بعدد لا محدود من النساء، فإن تنظيم «جيش الرب» أباح تعدد الزوجات رغم أنه ممنوع عند أتباع المسيحية؛ حيث أوضح جوزيف كوني، زعيم التنظيم، في إحدى خطبه أنه يملك 67 زوجة، مشيرًا إلى أن النبي سليمان كان لديه من 600 إلى 800 زوجة ولم يعاقبه الله.[8]

 

7- استخدام استراتيجية التوحش لبث الرعب في نفوس الأعداء والتنكيل بضحاياهم:

 يعتمد التنظيمان على أسلوب الصدمة والرعب، وذلك بالهجوم الخاطف وارتكاب المجازر، خصوصًا قطع الرؤوس والإعدامات الجماعية والذبح التي تثير الرعب، وتجعل من اسم التنظيم وحده رعبًا حقيقيًّا يدفع القرى والمدن المعرضة لخطره إلى الفرار السريع. [9]

 

والاعتماد على استراتيجية التوحش متقارب في فكر وممارسات التنظيمين، فقد لجأ كلٌ منهما إلى استخدام أساليب غاية في الوحشية في التعامل مع المخالفين لهم، وكما يمارس داعش أفظع أساليب التنكيل بأعدائه من قطع الرؤوس والأيادي بالسكين، ورجم وحرق الضحايا أحياء، أو إلقائهم من أعلى المباني؛ فإن جيش الرب على مدار ما يزيد على 30 عامًا قام بمثل هذه الممارسات كقتل الصغار والكبار بالسيوف أو المناجل، وارتكاب فظائع أخرى مثل قطع الآذان، وخدم الشفاه وجذ الأنوف، واستغلوا الأطفال الذين خطفوهم للعمل كجنود أو طباخين إضافة إلى الاعتداء الجنسي عليهم، وبالغوا في هذه الممارسات حين كانوا يتعمدون عند خطف أسرة ما على إجبار الأطفال والصبية على قتل آبائهم وأمهاتهم أو اغتصاب أحد أفراد أسرتهم حتى يقطعوا عليهم التفكير في الهرب أو العودة إلى جماعتهم مرة أخرى[10].

 

وتلجأ هذه التنظيمات لاستراتيجية التوحش لتحقيق عدة أهداف منها:

أ- إنهاك القوى المعادية بالعدوان المتواصل ضدها.

ب- تدمير كل ما يقف أمامها، وإرغام العدو على القتال المباشر، ويبدأ التوحش مع انهيار الجيوش النظامية.

ج- زيادة توحش عناصر الحركة يؤدي إلى انتشار أخبارها، من خلال موجات الرعب التي ستملأ قلوب العدو، ما يُساعد على هزيمة العدو سريعًا.

د- تكثيف التغطية الإعلامية لأعمال التوحش أمر ضروري من أجل بث الرعب في نفوس الأعداء كنوع من أنواع الحرب النفسية.[11]

هـ- شن حرب أعصاب، يكون سلاح التخويف والترهيب هو العامل الأساسي حتى يصل الخبر بكل مقوماته العنيفة لجميع أنحاء العالم.

و- لا تهاون في عمليات دفع الفدي أو التبادل، ففي حال رفض العدو الدفع يتوجب تصفية أفراده بأقصى طريقة ممكنة مما يبث الرعب في قلوب العدو، ويجعله يخضع لشروط التنظيم ومطالبه لاحقًا.

ز- إشباع سادية القائمين على التنظيم الذين أدمنوا رؤية الدماء، فأصبحت رؤية هذه الرؤوس المقطوعة عامل نشوة لهم تمامًا مثل مدمني المخدرات.

ح- التأثير على الأهالي الموجودين في المنطقة حتى لا يخالفوهم، ويأتمرون بأمرهم وينضوون تحت سلطانهم.

ط- رفع معنويات المقاتلين في صفوف التنظيم، وإخافتهم في ذات الوقت حتى لا يخرجوا على أوامر قادتهم بإظهار قوة التنظيم وجبروته.

ي- إيصال رسالة لأعداء التنظيم في أنحاء العالم بأن هذه هي نهاية من يعاديهم، وأن قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث جزاء من يواجههم ويحاربهم.[12]

 

أما إذا ما تحدثنا عن الاختلاف الرئيسي بين الحركتين؛ فإنه يتركز في الفرق الكبير بين دعاية كل منهما، حيث تفوق «داعش» كثيرًا على «جيش الرب» في استخدام الدعاية ووسائل التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي للانتشار، واستطاع في فترة قصيرة أن يكون المادة الأهم التي تتحدث عنها جميع وسائل الإعلام العالمية.

 

وعلى العكس من ذلك، عانى تنظيم جيش الرب من ضعف الدعاية الخاصة به، حتى إن جوزيف كوني، في أحد تصريحاته عام 2006، قال: «لقد كتبنا بياننا.. أجندتنا السياسية، وبياننا مفتوح، حتى ولو لم نعمل على شرحه للعالم إلا أنه متوافر في أوغندا».

 

وحين سُئِلَ «كوني» عن سبب إخفاق جيش الرب في نشر أهدافه السياسية على شكل أوسع؟ أجاب: «الناس يقاتلون باستخدام الدعاية... لكنني باعتباري رجل حرب عصابات، فلم أصل إلى تلك الدرجة... كل المعلومات تأتي من جهة موسيفيني، أو من أناس آخرين لأنني لا أحوز ماكينة دعائية مناسبة».[13]

 

وختاما: يظهر من العرض السابق التشابه الكبير بين كل من جيش الرب وداعش، ما يوضح أن مثل هذه الجماعات اتخذت الدين شعارًا لتسهيل تحقيق أهدافها، وضمان انقياد أتباعها لها، وتنفيذ الأوامر بلا تفكير، وخلق بيئة تحترم القادة وتخافهم، وتبرير أعمال العنف المنظمة التي يرتكبونها بما في ذلك الجرائم الجماعية ضد المدنيين؛ وكل هذا يؤكد أن المنبع الفكري للتطرف واحد.

 


[1] Middle East Online, Op.cit., p.2

[2] محمد عبد العظيم الشيمي، م.س.ذ، ص.  40

[3]  Ruddy Doom, Op.cit.,  P.25

[4] محمد عبد العظيم الشيمي، م.س.ذ، ص. 36

[5] موقع روسيا اليوم الأخباري،  صغار "داعش".. يدقون ناقوس الخطر، ، تاريخ النشر 11 مارس 2015

https://goo.gl/fO9cil

[6] جاسم محمد، "نساء داعش.. رق وسبي وعبودية"، موقع رؤية الإخباري، تاريخ النشر 7 مارس2015

http://www.roayahnews.com/818005

[7] Peter Baxter, "A Brief Background to Joseph Kony and the Lords Resistance Army", p.15

http://peterbaxterafrica.com/index.php/2015/07/13/a-brief-background-to-joseph-kony-and-the-lords-resistance-army/

[8] Els de Temmerman, Aboke Girls: Children Abducted in Northern Uganda (Kampala, Uganda: Fountain Publishers, 2001), p. 150.

[9] دار الافتاء المصرية، "الذبح.. الفريضة الغائبة عند التنظيمات الإرهابية"، في التقرير الحادي عشر لمرصد التكفير التابع لدار الافتاء المصرية، فبراير 2015

[10]  Peter Baxter, Op.cit., p.14

وانظر أيضا،

Ruddy Doom, Op.cit.,  P.25

[11]  عبدالبارى عطوان، الدولة الإسلامية "الجذور، التوحش، المستقبل" (بيروت: دار الساقى، الطبعة الأولى، 2015) ص ص. 147 - 156

[12] المرجع السابق.

[13] ماركيه شوميروس، جيش الرب للمقاومة في السودان: تاريخ ولمحات، تقرير مترجم (جينف، سويسرا: مشروع مسح الأسلحة الصغيرة، المعهد العالي للدراسات الدولية، طبعة أولى، سبتمبر 2007) ص. 8

الكلمات المفتاحية

"