رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
يان هامل
يان هامل

البوسنة والهرسك.. دولة أوروبية أنهكها الفساد والتطرف

الأربعاء 07/نوفمبر/2018 - 06:05 م
طباعة

البوسنيون والصرب والكروات متفقون على الأقل حول نقطتين: منذ نهاية الحرب لم تنتهِ الفترة الانتقالية.. السياسيون أكثر فسادًا، ويختلفون حول صعود الإسلام المتطرف الذي ينكره البوسنيون، ويخشاه الصرب الأرثوذوكس والكروات الكاثوليك.

البوسنة والهرسك..

هل تودون معرفة ديانة مخاطبكم في البوسنة؟ الأمر سهل؛ حيث يكفي معرفة اسم الشركة التليفونية التي يشترك فيها، في هذا البلد الذي يصل تعداده لـ3.5 مليون نسمة يوجد 3 فئات من المجتمع إحداها بوسنية (مسلمة) والثانية صربية، والثالثة كرواتية.. يبدو صاحب المسرح الذي سنقابله في حانة بوسط البلد متفائلًا، ويقول وهو مطمئن «انظروا حولكم، هؤلاء مسلمون، ولكنهم يشربون الخمر، وفي الحي العثماني القديم ستجدون مساجد وكاتدرائية أرثوذكسية وأخرى كاثوليكية، وستجدون معبدًا لليهود أيضًا؛ فليس للإسلام المتطرف مكان هنا»، وبالفعل يبدو كل شيء هادئًا في عاصمة البوسنة والهرسك، ولكن في المحال التجارية تباع الأقلام والطائرات المصنوعة من الذخائر، وعلى الأرصفة نجد بقعًا حمراء ترمز للأماكن التي قتل فيها المدنيون ما بين 1992 و1995 من قِبَل القناصين المختبئين في التلال المجاورة، ويوجد دائمًا زائرون بمتحف الجرائم ضد الإنسانية، وصورة مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا معروضة أيضًا في مكتبات بيع الكتب، وأيضًا الواعظ الأكثر تأثيرًا في الجماعة، يوسف القرضاوي، والذي يتخذ قطر مقرًّا لإقامته، ووقع على كتاب مؤلف باللغة الصربية الكرواتية.


وفي مقر الجريدة اليومية «دنيفني أفاز»، يتفق الصحفي «أردين هاليميك» مع صاحب المسرح، ويقول «هناك بعض البوسنيين ذهبوا ليقاتلوا في سوريا والعراق، ولكن عددهم أقل من عدد أهل كوسوفو، وقتل معظمهم، وتم القبض على الذين عادوا وتم إلقاؤهم في السجون»، وعندما نذكر الجماعات السلفية في شمال شرقي البلاد، يرد الصحفي قائلًا «هذا من الدعاية الصربية؛ عندما نزلت قوات الشرطة في قرية جورنيا ماوكا، وجدوا رجالًا ملتحين ونساء يرتدين الحجاب، ولكن لم يجدوا أسلحة»، ورئيس الجماعة في جورنيا موكا، ويُدعى نورسيت أماموفيتش كان من ضمن قائمة الإرهابيين المطلوبين من الإدارة الأمريكية، كما أنه قريب جدًّا من تنظيم القاعدة، وقد درَّب أكثر من 200 شاب من البوسنة.


ونحاول طرح سؤال آخر: «جوران كوفاسيفيتش» أستاذ بكلية علم الجريمة بجامعة سراييفو، يؤكد أن بعض دول الخليج قد تدفع ما يُعادل 250 يورو للرجال لكي يعفوا لحاهم و200 يورو للنساء ليرتدين الحجاب، فيما يرد الصحفي «إيردين هاليمك» وهو يبتسم قائلًا «الناس هنا فقراء، ولو كان ما تقولونه صحيحًا لما حَلَّق رجل لحيته ولا خرجت امرأة من بيتها بغبر غطاء الرأس»، ويذكر الصحفي أن آخر هجوم إرهابي تم سنة 2015، وأسفر عن قتل شخصين من العسكريين من قِبَل إسلامي متطرف.


باختصار، النقاش في الإسلام السياسي من الممنوعات في البوسنة والهرسك، ولكن لو تطرقتم لموضوع الانتخابات التشريعية التي ستُجرى يوم 7 من أكتوبر القادم؛ فالبوسنيون لا يملون من الكلام عن الفساد في الأوساط السياسية، كما صرح المحلل السياسي لمؤسسة «فريدريش ايبيرت»، بقوله: «لم يتم فعل أي شيء لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، واستقلال القضاء ليس مضمونًا، والفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية مجرد حلم؛ حيث إن الفساد تغلغل داخل جميع مؤسسات الدولة».

البوسنة والهرسك..

المكاسب القادمة من الخليج

في الحقيقة عندما فرض المجتمع الدولي على الأطراف المتنازعة وقف القتال، فقد خلق وحشًا لا يمكن السيطرة عليه؛ حيث إن هذا البلد بمساحته التي تصل لحوالي 50 ألف متر مربع؛ ينقسم إلى 3 مناطق: فهناك البوسنة والهرسك، وعاصمتها سراييفو، ويعيش فيها البوسنيون والكروات، وتسيطر على 51% من الأراضي، وتوجد الجمهورية الصربية المكونة من طرفين تتوسطها ولاية «بريكو»، التي تتمتع بوضع خاص؛ فهذه الجمهورية عاصمتها بانيا لوكا، ولا يعيش الكروات في البوسنة والهرسك في جو من الحب والتناغم، وهكذا تجدون عديدًا من الحكومات تعارض بعضها بعضًا، وتعرقل بعضها بعضًا، كما أن الأحزاب السياسية لا تملك مشروعات ملموسة لتقديمها، وتكتفي بالبرامج الوطنية والأهلية لحشد الأنصار للدفاع عنهم ضد الجماعات الأخرى، والنتيجة: في أكثر من عقدين من الزمن لم يتمكن هذا البلد الصغير من الخروج من التخلف والتخلص من الفساد والشلل.


وتوقف الاتحاد الأوروبي عن دفع مساعدات مالية بلا جدوى، وجدير بالذكر أن الجمهورية الصربية تقع على بُعد عدة كيلومترات من سراييفو، ولها علم ونشيد وطني وشعار ويوم وطني خاص بها، ولا سلطة عليها من جانب الحكومة البوسنية، وترك المجتمع الدولي البوسنة والهرسك لحالها، ليصب ذلك في مصلحة الإسلام المتطرف؛ فمن يهتم الآن بهذا البلد المسلم في أوروبا؟ لا يوجد غير تركيا ودول الخليج كما ورد في عنوان مجلة «ليكسبريس» في سراييفو الذي قال: «الأمل آتٍ من الخليج»، ويتحدث عن مدينة سراييفو ريسورت، التي تقع على بعد 30 دقيقة من العاصمة بالفيلات الخاصة بها التي يصل عددها إلى 160 فيلا، وبحيرتها الاصطناعية وحمامات السباحة والمطاعم وملاعب للرياضة، هذا المشروع الممول من قبل شركة كويتية سيتضمن أيضًا مكانًا للصلاة وسوبر ماركت حلال».


وفي محيط سراييفو يوجد حي سكني كامل يُقيم فيه زائرون عرب من الطبقة الوسطى التي لا تستطيع تحمل تكاليف الفنادق الفاخرة والشقق في لندن وباريس، ولكن البوسنة والهرسك في متناول اليد؛ حيث يجدون الجو اللطيف الناتج من الغابات والجبال المغطاة بالثلج والأنهار وعيون المياه الطبيعية، ويوجد أيضًا عدة مساجد ومطاعم «حلال» في الحي العثماني القديم في سراييفو، ولا يقدم أصحاب المطاعم أي نقطة من الخمر، ولكن على بعد خطوات في «مرسلا تيتا» ستجدون الحانات والنوادي الليلية؛ هؤلاء الزوار من الخليج لا يتسببون في مشكلات بل يسهمون في رفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد الذي لا يتجاوز 4000 يورو، ويقللون نسبة البطالة التي وصلت إلى حوالي 25%.

البوسنة والهرسك..

طبيعة «أليجه إيزيربجوفيتش»

ماذا تفعل قناة «الجزيرة» في سراييفو؟ تؤدي عملها الإعلامي بالطبع، ولكن لماذا تستثمر القناة مبالغ هائلة من الأموال لتستقر في مبنى حديث من 4 طوابق في بلد لا يوجد فيه عائدات للإعلانات، بينما بررت القناة التخلي عن فرعها في الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب اقتصادية؟


توظف «الجزيرة في البلقان» حوالي 250 موظفًا في يوغوسلافيا السابقة، ولديها أيضًا مكاتب في بلجراد (صربيا) وزغرب (كرواتيا) وسكوبجي (مقدونيا)، وتفوق إمكانياتها جميع إمكانيات القنوات المحلية، ويشرح أحد المعلمين هذا الأمر قائلًا «قناة الجزيرة بالطبع تدافع عن مواقف الدوحة لمواجهة السعودية والإمارات ومصر، ولكن الغرض الأول هو مساندة تركيا التي تُعتبر حليفة قطر الموجودة في منطقة البلقان».


 يذكر أن رجب طيب أردوغان استُقبل كبطل في البوسنة في شهر مايو الماضي، ولم يتردد «بكير إيزيتبجوفيتش» في قول إن أردوغان ليس فقط رئيسًا لتركيا ولكنه رئيسنا أيضًا، وأضاف أن الله يرسل رجلًا على رأس كل قرنين من الزمان؛ وقد أرسل الله أردوغان للأتراك.


في تقرير بعنوان «يد أردوغان على البوسنة» تكشف مجلة «لو يوينت» في أغسطس الماضي أن فريق الكرة للعاصمة ممول من قبل الخطوط الجوية التركية، وأن التليفزيون التركي قد أنتج مسلسلًا في حياة «أليجه إيزيتبجوفيتش» الرئيس البوسني أثناء الحرب 1992/ 1995 ووصفه بالبطل الحليف للأخ الأكبر التركي و«بكير» هو ابن أليجه الذي قدمه الأوروبيون على أنه مسلم معتدل أثناء حرب يوغوسلافيا في مواجهة الصربيين الأشرار، لكن الحقيقة مغايرة لذلك.


 وفي سنة 1943 كان «أليجة» عضوًا لجماعة الإخوان، ويتعاون مع الاحتلال النازي، ويدعم انفصال «الهانشار» من «وافن إس إس» المشهور، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية تم اعتقاله بتهمة «التطرف الإسلامي» من قِبَل النظام الشيوعي اليوغسلافي، وهو الذي أتى بملايين من المقاتلين منذ عام 1990 ليقاتلوا القوات الصربية، وتم طرد معظمهم من البلد بعد الحرب بضغط من الولايات المتحدة، ولكن عددًا كبيرًا منهم استمر وتزوج من البوسنيات.


وفي الفترة من 1992 إلى 1995 تم إرسال ما يُقارب 350 مليون دولار في البوسنة عبر منظمة دولية إنسانية أنشأها مواطنان من السودان، وفي عام 2005 تساءل جون كلود ديرنيس المتخصص في شؤون البلقان عن الموقف الغامض للقوميين البوسنيين الذين لا يريدون أن تظهر علاقتهم مع الشبكات المتطرفة، ولكنهم يعجزون في نفس الوقت عن الانفصال عنها بسبب نفوذها المتزايد في الحياة السياسية في البوسنة والهرسك(1)، وفي الحقيقة تم توزيع الجنسية البوسنية على المهاجرين المسلمين من أفريقيا ومن آسيا، وهؤلاء المهاجرون من 30 دولة أفريقية وشرق أوسطية وآسيوية بعددهم البالغ 700000 شخص استوطنوا في سراييفو وفي زينيتشا وفي توزلاو في بيهاك.


إنكار التطرف

يفيد تقرير لمنظمة دولية أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد توفر مناخًا مناسبًا لنمو الإسلام المتطرف، ومن عدة سنوات جمع نورسيت اماموفيتش، رئيس الجماعة السلفية جورنجا ماوكا، أكثر من 500 ألف شاب في فندق في توزلا في مؤتمر بعنوان «إيجابيات الشريعة وفشل الديمقراطية»، والمثير للقلق أنه لم يحتج على هذا المؤتمر أكثر من30  شخصًا في مدينة يسكن فيها 80 ألف نسمة.


وفي فترة ما قبل الحرب، كان المسلمون يمارسون إسلامًا معتدلًا في المذهب السني الحنفي، والفرق الآن يكمن في أن الشباب لا يستطيعون مواصلة دراستهم إلا بالتوجه نحو دول الشرق الأوسط بمنح دراسية، ويتم توزيع ملايين من الدولارات سنويًّا للعائلات الفقيرة، ويقول أحد الأصدقاء: «قدمت البوسنة طلبها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولكن المفاوضات لا تتقدم، ويشعر الناس بأنهم مرفوضون بسبب ديانتهم الإسلامية؛ فهم يفضلون إنكار ذلك على محاربة السلفيين؛ الصربيون ليس لديهم أي حرج لاتهام «إخوانهم» البوسنيين باستقبال المهاجرين المارين بالبلقان، ومعظمهم من المسلمين لزيادة عدد المسلمين في البلد».


ولا تكتفي وزارة الخارجية الأمريكية بانتقاد السلطات البوسنية على عدم حزمهم في مكافحة التطرف، ولكنها تنتقد أيضًا عدم التنسيق بين وكالة التحقيقات والشرطة البوسنية على المستوى الوطني، وعلى مستوى مقاطعة سراييفو والشرطة على مستوى وحدة الاتحاد الكرواتي الإسلامي، وفي تقرير على الحركة الإسلامية المتطرفة في البوسنة والهرسك وعلاقتها بالإقليم الصربي ذي الأغلبية المسلمة، الكائن بين البوسنة وكوسوفو، ينتقد «المكتب الفرنسي لحماية المهاجرين والمغتربين» عدم تحرك المجتمع الدولي والمحلي لمواجهة الإسلام المتطرف، خاصة أن السلطات البوسنية لا تستطيع مواجهة هذا التيار، ويقول البروفسيور «فلادو أزنوفيتش» أستاذ بكلية العلوم السياسية في سراييفو إن الدولة البوسنية لا تملك «إرادة سياسية للتحرك بشكل فعال».


(1) البوسنة والهرسك: وجود وتأثير الشبكات الإسلاموية الدولية، 22 أغسطس 2005.

"