رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«آيات الرحمان في جهاد الأفغان».. سموم سلفية مغلفة بـ«الكرامات»

الخميس 08/نوفمبر/2018 - 02:30 م
كتاب «آيات الرحمان
كتاب «آيات الرحمان في جهاد الأفغان»
محمد عبد الغفار
طباعة

قد تصدق بأن هناك طائرًا يُدعى العنقاء، أو هناك أُم تُدعى الغول، أو أن هناك خلًا وفيًّا، ولكنك لن تستطيع أن تصدق بأن أحدًا من التيار السلفي الجهادي يؤمن بالكرامات، ووجود مدد إلهي موصول بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكن هذا ما أكده القيادي السلفي الجهادي والمنظر «عبدالله عزام»، شيخ زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، في كتابه «آيات الرحمان في جهاد الأفغان».


بدأ «عزام»، كتابه «آيات الرحمان في جهاد الأفغان» (الصادر عن دار المجمع في السعودية، من خلال طبعته الخامسة الصادرة عام 1985)، بإهداء الكتاب إلى محمد فرغلي، القيادي بجماعة الإخوان، الذي كان مقربًا من حسن البنّا، واصفًا إياه بـ«فضيلة الأخ المفضال الأستاذ الشيخ محمد فرغلي»، كما أهدى كتابه إلى يوسف طلعت، القيادي الآخر بالجماعة، والذي اتصل بـ«البنّا» أيضًا، ويربط بينهما أنهما نشرا فكر الإخوان الإرهابي بمدينة الإسماعيلية، وسافرا إلى فلسطين خلال حرب 1948، ولهذا دلالة أيضًا.


كما أهدى «عزام»، كتابه إلى المقاتلين فوق جبال هندوكوش؛ حيث نشأت السلفية الجهادية، ثم في الصفحة الأولى وبعد الإهداء نشر قصاصة من صحيفة تشير إلى حرق المصحف الشريف من قِبل الشيوعيين في أفغانستان، وهذه كلها دلالات على طبيعة الكتاب واتجاهه.


وفي الصفحات الأولى من الكتاب، أسهب المؤلف في نشر مقدمات النسخ السابقة، وآراء المطلعين عليها، كما قام بالرد على بعض القضايا الخلافية التي أثارها الكتاب، مثل من هو المؤسس الفعلي للحركة الإسلامية الأفغانية عبدالرحيم نيازي، أم غلام محمد نيازي، وظهر هنا فخر الكاتب بالنجاح والانتشار، الذي حققه كتابه في نُسخه الأولى، وذكر «عزام»، نقاط عدة تثير الجدل أكثر من كونها ردًّا نهائيًّا على نقاط خلافية سابقة، مثل أن الشعب الأفغاني شعب مثالي يصلي ويقوم الليل ويُكثر من الصيام.


ولكن النقطة البارزة في تلك المقدمة الطويلة جدًّا من الكتاب، أن المؤلف، الذي ينتمي للتيار السلفي الجهادي وعُرف عنه محاربته للصوفية، تحدث بوضوح عن الكرامات التي تحدث للمقاتلين الأفغان في الميدان، مثل أنهم يعرفون إذا كانت الطائرات ستقصف أم لا عن طريق الطيور، فإذا صاحبتها الطيور فإنها ستقصف والعكس صحيح، ثم دافع بقوة عن هذه الفكرة من ذكر أنهم يتبعون السلف الصالح فيما يفعلون، وهذا تناقض فكري وعقائدي واضح.


انتقل المؤلف بعد ذلك، إلى عرض الفرق بين ما يعتبره «ثورة أفغانية» و«الثورة الإيرانية»، معتبرًا أن الفارق يكمن في أن الأولى يقوم بها مجاهدون عقيدتهم واضحة، ولا ينكرون الحديث، ولا يكرهون الصحابة، ثم ذكر أهم الأزمات التي تواجههم، مثل التكالب العالمي لحلِّ القضية سلميًّا، ورغبة القوى العالمية في إيجاد بديل خاضع للقوى الروسية في أفغانستان، معتبرًا سياسية روسيا قائمة على تنفيذ المذابح والمجازر.


ثم ذكر نقاطًا وصفها بـ«الآمال العريضة»، واعتبرها باعثة الأمل في نجاح حركتهم المسلحة، ومنها طبيعة الشعب الأفغاني، الذي وصفه بـ«الشعب العاشق للجهاد»، وكذلك انتصاراتهم في معاركهم ضد القوات الروسية، التي وصفها بـ«الفتوحات الربانية للشعب الصابر»، وأخيرًا التأييد الرباني أو الكرامات كما يصفها.


وبعد أن أنهى الكاتب مقدمته التي وصلت إلى 51 صفحة كاملة، بدأ في ذكر ملاحظات حول الكرامات والمعجزات، متضمنة وضع تعريف اصطلاحي لها، ثم ذكر الرأي الشرعي لها، وهذه من النقاط الدالة على رؤية المؤلف، فهو يرى بأن الكرامات التي حدثت لهم في أفغانستان دليل على صدق التابع، وبأن الكرامات لا تظهر سوى على أيدي العُباد، وغيرها من النقاط التي تضع المقاتلين في أفغانستان في مرتبة أعلى من غيرهم.


ثم يتجه المؤلف إلى نقطة أخرى عنون لها بـ«كرامة الأولياء معجزة للنبي -صلى الله عليه وسلم-»، ويتناول بها ما يحدث للمقتدين برسول الله، ويقصد بهم «المجاهدين في أفغانستان»، ووفقًا لـ«عزام»؛ فإن الله يؤيدهم بملائكته ويقذف في قلوبهم من أنواره، ويربط ذلك بما حدث للرسول في حياته، مثل تكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، والخلط ما بين الماضي والحاضر لإثبات نتائج معينة أمر معتاد في مثل تلك النوعية من الكتب.


وفي فصل آخر، يتناول المؤلف «معجزات للرسول صلى الله عليه وسلم وكرامات الصحابة رضوان الله عليهم»، ويجد القارئ صعوبة بالغة في الفصل ما بين ما ورد في هذا الفصل وسابقه، فكلاهما تناول المعجزات التي حدثت بفضل النبي وفي عهده، وربما يكمن الفرق الوحيد بينهما في أن هذا الفصل يتناول كرامات حدثت لصحابة النبي بعد وفاته، وقد استطرد المؤلف في ذكر تلك الكرامات في 30 صفحة تقريبًا.


وجاء الفصل التالي بعنوان «بشائر وكرامات  الجهاد في أفغانستان»، وتناول فيه المؤلف «قصص أغرب من الخيال، وواقع أشبه بالأساطير»، على حدِّ وصفه؛ حيث يتناول الكرامات التي حدثت للمقاتلين في أفغانستان، وفقًا لمن وصفهم «رجال ثقات»، زاعمًا أنهم يرقون لأن يكونوا من أسانيد البخاري لو كان حيًّا.


ومن ضمن الكرامات التي ذكرها المؤلف، أنه لم يرَ «شهيدًا» من هؤلاء المقاتلين قد نهشته الكلاب، على عكس الشيوعيين الذين تنهشهم الكلاب، مدعيًّا أن مقاتلًا قُتل في أرض المعركة، وعندما نقل إلى منزل أبيه، وأراد والده أن يرى آية تدل على أنه شهيد، فقال له: «يا بني إن كنت شهيدًا فأرني آية»، فإذا بابنه يرفع يده ويسلم على أبيه، ولم تقف مزاعم «عزام»، عند الأكاذيب السابق ذكرها بل تعدت هذا إلى إدعائه بأنهم عندما كشفوا عن قبر أحد المقاتلين بعد عامين ونصف العام من وفاته، وجدوا بأن لحيته قد طالت، ووضع فوقه عباءة سوداء حريرية لم يتم دفنه بها.


ويكمل المؤلف في سرد تلك الأكاذيب التي يزعم أنها كرامات خاصة بالمقاتلين، قائلًا: «رغم شدة القصف من قِبل مختلف القوات، تبقى خيمة السلاح دون مس حتى وإن تدمر كل ما حولها، كما أن النيران وإن أحرقت ملابس المجاهدين، فإنها لا تصيبهم بسوء، وهناك طائرة قصفت خيمة بها مجموعة من المقاتلين، ودمرتها، ولكن من بداخلها أنقذهم الله ولم يصبهم سوء، وكرامة أخرى، تتمثل في رفض شهيد تسليم سلاحه، حتى قال له والده: يا بني هذا المسدس ليس لك إنما هو للمجاهدين، فترك مسدسه».


ويفرد «عزام»، لتلك الأكاذيب 37 صفحة كاملة في كتابه، قسمهم ما بين كرامات الدعاء المستجاب للمقاتلين، وثانية متعلقة بالشهداء، وثالثة خاصة بالمناطق صعبة التضاريس، والتي تنفجر منها المياه لهم، وتسخير الله للطبيعة كي تحمي المجاهدين، على حدِّ وصفه، مثل حماية الطيور والضباب لهم.


وفي الفصل التالي، يتناول الكاتب «قضية الجهاد الأفغاني في سطور»، بداية من وصول الملك محمد ظاهر شاه لسدة الحكم في عام 1933، وحتى شرح الوضع في عام 1984، وقت صدور الكتاب، ثم يذكر آراء زعم بأنها فقهية حول حكم القتال في أفغانستان وفلسطين، وقسم ذلك إلى حكم الجهاد الآن، وحكمه إذا تم أسر مسلم.


وفي فصل آخر بعنوان «حتى لا نعض أصابع الندم»، يظهر باطن «عزام» المُشبع بالفكر الإرهابي، وذلك حين يتحدث عن الفرصة الذهبية السانحة في أفغانستان لإقامة دولة دينية معتمدة على الجهاد، تكون نواة إقامة دولة إسلامية في الأراضي الأفغانية، وهو الحلم الذي مازال يراود حركات الإسلام الحركي حتى الآن، واستمر الكاتب في ذكر مزايا مَن يقاتلون هناك قائلًا: «قل لي بربك أين تجد مليونًا من الشباب الذي يتوقد حماسًا يستعد للموت؟».


ويضع «عزام»، السم في العسل، وذلك حين يتجه إلى جانب ما يعتبره نصحًا، ففي الفصل الأخير بعنوان «يا مسلمي العالم استيقظوا»، يبدأ المؤلف فصله بمحاولة إثارة حماس المسلمين، من خلال ذكر ما يحدث لهم في الدول المختلفة، ضاربًا المثل بما حدث في حلب بين جماعة الإخوان والنظام السوري، ثم يذكر نجاحات القوى الإسلامية في أفغانستان بالأرقام والجداول كي يحصل على مصداقية أكبر؛ لذا يطالب المسلمين بمساعدتهم من خلال التبرع للحصول على الطحين والزاد للاستمرار في القتال، وهو الأسلوب القديم الحديث أيضًا.

"