رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

عالم المخابرات في مواجهة تحديات مكافحة الإرهاب الجديدة

الثلاثاء 06/نوفمبر/2018 - 08:36 م
المرجع
رولان جاكارد
طباعة

كاتب ومستشار، رئيس شركة رولان جاكارد للاستشارات الأمنية العالمية  (RJGSC)

الحرب ضد الإرهاب، حرب من نوع خاص جدًا، معركة غير متماثلة تخوض فيها أجهزة الاستخبارات مواجهة شرسة ضد عدو متطرف وغير مرئي أيضًا، وعلى عكس الحروب التقليدية؛ فإن القوة الضاربة والتفوق العسكري ليست هي الفاصلة في هذه المواجهة ضد عدوٍّ بلا وجه؛ فمكافحة الإرهاب تعتبر في المقام الأول حرب استخبارات؛ وهى معركة تتطلب عمليات سرية وخطيرة مستمرة في مجالات التحقيق والمراقبة والتسلل والتخريب.

عالم المخابرات في

إنها حرب الظلام، يلعب فيها الكتمان والسرية دورًا مهما؛ لذلك فهي على النقيض من التحركات المثيرة والتدابير الأمنية الواضحة التي تهدف إلى طمأنة الرأي العام أو إلى دعم شعبية الزعماء.


وعلى عكس المواجهات العسكرية وعمليات الشرطة التقليدية، نجد أن عمليات مكافحة الإرهاب، بسبب طبيعتها غير المتماثلة والسرية، لا تكتفي بتعقب المنظمات المستهدفة وتفكيكها؛ إذ تتطلب هذه العمليات مراقبة مجموعات كبيرة من الشبكات السرية بشكلٍ دائمٍ، للحصول على المعلومات المطلوبة كما تتطلب تتبع التنظيمات السرية وفروعها المختلفة؛ فالهدف هو معرفة ما يحاك داخل المنظمات الإرهابية حتى يمكن التنبؤ بالتوقيت الذي سيقومون فيه بتنفيذ مخططاتهم التخريبية لإيقاف تلك المخططات.


وبالتالي، فإن هذه الحرب الاستخباراتية ضد الإرهاب لا تهدف في المقام الأول إلى ردعٍ أو تفجير المنظمات الإرهابية من الداخل، كما هو الحال في روايات جيمس بوند ولا للاشتباك مع هذه المنظمات بشكلٍ مباشرٍ كما هو الحال في عمليات الجيوش النظامية.


فالهدف أولاً وقبل كل شيء هو الحصول على مجموعة من الدلائل والقرائن التي تسمح بالكشف عن التهديدات واكتشاف العمليات الإرهابية قبل وقوعها لأن كل هجوم يتم ارتكابه هو بيان بفشل أجهزة الاستخبارات التي تعمل في مجال مكافحة الإرهاب.


ويجب على هذه الأجهزة أن تستخلص سريعًا العبر والدروس من هذا الفشل، وأن تعثر على دلائل جديدة تساعد على اكتشاف الوجوه الجديدة للتهديد الإرهابي القادم.


إنها لعبة مستمرة وقائمة بين القط والفأر.. بين الجماعات الإرهابية وأجهزة المخابرات، ومنذ ظهور ظاهرة الإرهاب في بداية القرن التاسع عشر، لم يشهد هذا الصراع بين الإرهابيين وأجهزة المخابرات هذه التقلبات والتغيرات والانعكاسات التي يشهدها اليوم.


إنه صراع يحتدم منذ ربع قرن من الزمان بين أجهزة المخابرات التي تحاول الكشف عن التهديدات الجديدة بعد كل تحول في التنظيمات الإرهابية والشبكات الجهادية، التي ضاعفت من قدراتها التقنية وتعمل على تحديثها بانتظام لإعاقة عمل هذه الأجهزة.


تسارعت وتيرة هذه الحرب غير المعلنة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ووصلت لذروتها مع ظهور الجهادية الداعشية الجديدة في صيف عام 2014 التي طالت العالم الغربي في مجمله لكن فرنسا كانت مسرحا لأكثر العمليات الجهادية مأساوية حيث وقعت بها هجمات عام 2015

عالم المخابرات في

في أقل من أربع سنوات، واجهت فرنسا 11 هجمة إرهابية راح ضحيتها  245 شخصًا؛ إضافة إلى 17 محاولة فاشلة وأحبطت أجهزة مكافحة الإرهاب في فرنسا نحو خمسين مشروعًا إرهابيًّا.

أفسح التهديد الخارجي الذي تسبب في هجمات «شارلي إيبدو» في يناير عام 2015، وهجمات باريس وسان دوني في نوفمبر 2015 - الطريق إلى نوع جديد من الإرهاب الداخلي؛ حيث لم يعد التهديد يأتي من الخارج، ولكن ينبع من عدو داخلي. 


وبعد الهجوم بالشاحنة الذي وقع في مدينة نيس يوم 14 يوليو عام 2016، وهجمات كاركاسون وتريب يوم 23 مارس 2018، أيقنت أجهزة المخابرات الفرنسية أن الهجمات الإرهابية لم تعد من فعل مناضلين جهاديين يعتدون على فرنسا من الخارج أو من المناطق الجهادية في العراق وسوريا لكنها نتيجة ميول جهادية عفوية تثيرها «داعش» عن بعد لدى مواطنين فرنسيين متحمسين.


ويضاف إلى هذه الإشكالية الجديدة، التي لم يتم رصدها من قبل لدى منظمة إرهابية سواء كانت ذات توجهات أيديولوجية، إقليمية دينية أو مذهبية، تطور جديد آخر وهو التقارب بين هذه الجهادية الجديدة النابعة من الداخل وتعمل بوسائل بدائية وأوساط الجريمة التي تكون بمثابة حاضنات للمشاريع الإرهابية وهو ما يجعل المنظمات الإرهابية لا تفكر في استخدام شبكات دعم لوجستي واسعة النطاق يمكن تحديدها من قبل دوائر مكافحة الإرهاب.


والمفارقة تكمن في أنه على الرغم من بدائية الجهادية الداعشية الجديدة وغياب الاحترافية لدى القائمين على عملياتها إلا أن طبيعة تنفيذ هذه العمليات التي تجمع بين العامل الداخلي والميول الجهادية أعطاها قوة تقسيم لانظير لها خاصة مع الاعتماد على أوساط الجريمة التي يأتي منها معظم منفذي العمليات.

وقد جعل هذا الأمر من المستحيل تقريباً على وحدات مكافحة الإرهاب التنبؤ بالتهديدات وايقاف العمليات الإرهابية قبل وقوعها. لقد كانت صدمة الإعلام والرأي العام كبيرة عندما علموا أن الجهاديين الذين يقومون بتنفيذ الهجمات واحدة تلو الأخرى معروفون لدى أجهزة الأمن وأجهزة مكافحة الإرهاب وأنهم مصنفون (S)  أي خطرعلى الأمن القومي ولكن لم يمنعهم ذلك من تنفيذ هذه العمليات.

وكانت نتيجة هذا الفشل هي حملة انتقادات واسعة النطاق في الإعلام ضد أجهزة مكافحة الإرهاب وصلت إلى حد التشكيك في جدوى وأهمية دوائر مكافحة الإرهاب وسرعان ما تحولت هذه الانتقادات إلى مطالبات مزعجةً بأن تكون مكافحة الإرهاب عن طريق المواجهات العسكرية !


يؤكد أنصار هذه الحجج أن الإرهاب الداخلي للجهاديين الجدد الذين يدعون انتماءهم لداعش هو عمل الذئاب المنفردة الذين ينغمسون في التطرف ويعملون بمفردهم؛ ونتيجة لذلك، لا يمكن التنبؤ بما يخططون له ولا يمكن التعامل معهم إلا بعد إقدامهم على الفعل.

وينقل هذا النوع من الاعتقاد تشويهًا للحقائق من شأنه توليد أخطاء قاتلة في الحرب ضد الإرهاب، والواقع أن هذه المزاعم تصور الإرهاب الداعشي الجديد للذئاب المنفردة على أنه أمر محتوم لا تستطيع دوائر مكافحة الإرهاب الكشف عنه أو توقع حدوثة، فالذئب المنفرد عندما يقع في براثن التطرف والإرهاب يكون ذلك بينه وبين نفسه فقط ولا تستطيع أجهزة المخابرات الدخول في عقل هذا المتطرف قبل أن ينفذ ما في رأسه، ويدافع دعاة أصحاب هذه النظرية عن عسكرة جهود مكافحة الإرهاب كبديل وحيد لمواجهة ظاهرة الجهاديين الجدد !


وليس من المنطقي الاعتقاد بأنه من الممكن مكافحة جميع أشكال التحديات، التي لم يسبق لها مثيل، فقط باتخاذ إجراءات لا نهاية لها؛ كتمديد حالة الطوارئ ورفع مستوى التأهب والإنذار بعد كل عملية إرهابية أو انتشار قوات الأمن في الأماكن عند الشعور بالتهديد وهم غير مدربين على مثل هذه المهمات.

عالم المخابرات في

ولا يمكن اعتبار مكافحة الإرهاب كحرب بالمعنى الحرفي أو المعنى العسكري للكلمة؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى مواقف مضحكة شبيهة بالتي حدثت بعد «الحرب العالمية ضد الإرهاب» التي قررتها إدارة الرئيس الأمريكي بوش عقب هجمات 11 سبتمبر 2011؛ ألم يفتخر الرئيس الأمريكي بسقوط الطالبان كنهاية حكم تنظيم القاعدة في أفغانستان؟ ألم يقل بعد سقوط صدام حسين أن مهمة تحرير العراق وإرساء الديمقراطية فيها قد تمت بالفعل؟ ولكننا نعرف الآن المواقف الفوضوية التي نتجت عن هذين الحدثين التي تتمثل في ظهور جيل جديد للإرهابيين على مستوى العالم.

ومن الواضح أن أسلوب تنفيذ العمليات الذي تبنته الجهادية الداعشية الجديدة يشكل إشكالية لم يسبق لها مثيل، وتحديات جديدة لأجهزة الاستخبارات التي تعتبر من الآن فصاعدًا الحجر الأساسي للحرب ضد الإرهاب؛ الدليل على ذلك أن الاستخبارات الفرنسية استطاعت إعادة هيكلة أجهزتها وزودت نفسها بالوسائل البشرية والتنظيمية والتكنولوجية لمواجهة التهديدات وذلك عقب 3 سنوات من الهجمات التي وقعت يوم 13 نوفمبر 2015 بالرغم من التعقيدات والمشاكل المتعلقة بالعديد من البؤر الداخلية التي تمثل تهديدًا الأمن القومي، ولا أحد ينكر أن منع 42 عملية إرهابية من الوقوع في فرنسا منذ بداية 2016، قد تم بفضل جهود وعمل الاستخبارات في مكافحة الإرهاب.

ومن أجل ذلك، كان لا بد من زيادة عدد الموظفين في هذه الأجهزة المعنية؛ وهكذا، تم زيادة عدد الموظفين في «الإدارة العامة للأمن الداخلي» بنسبة 18.25% خلال أربع سنوات، ليصل العدد إلى 4038 عميلًا وتم زيادة عدد موظفي  «الجهاز المركزي للاستخبارات الإقليمية» بنسبة 24.34%.

واستطاع هذا الجهاز المكون الآن من 2600 عميل والذي تم إنشاؤه عام 2014  أن يحل محل «المخابرات العامة»؛ هذا الجهاز مهمته تتمثل في تقييم وتحليل المعلومات المتعلقة بالأمن العام ويغطي جميع المناطق ما عدا مدينة باريس، وذلك بفضل 97 قطاعًا تشرف على 158 فرعًا داخل البلاد (87 فرعًا إقليميًّا، 63 فرعًا محليًّا و 8 فروع للمطارات والموانئ).

وأصبح «الجهاز المركزي للاستخبارات الإقليمية» أهم ركن في منظومة مكافحة الإرهاب خاصة فيما يتعلق بالمراقبة ومتابعة الأشخاص المسجلين في مجال الإرهاب، إذا كانت «الإدارة العامة للأمن الداخلي» هي التي تتولى عملية معالجة الاستمارات التي تحتوي على 4000 من المسجلين الأكثر خطورة؛ فالجهاز المركزي للاستخبارات الإقليمية يتولى معالجة 5500 ملف من بين 19744 شخصًا مسجلين في هذه الاستمارات التي تسمى الآن بـ«استمارة إبلاغ الوقاية من التطرف الإرهابي».

إنشاء هذه الاستمارة تحت إشراف إدارة «وحدة تنسيق مكافحة الإرهاب»، كان منعطفًا  مهمًا في استراتيجية إعادة هيكلة الاستخبارات؛ فلقد كان الأشخاص المشتبه فيهم بالانتماء إلى التنظيمات الإرهابية، يتم تسجيلهم  في «استمارة أيس» الخاصة بالأشخاص الذين يمثلون تهديدًا محتملاً للأمن العام" التي كانت جزءًا  من «استمارة الأشخاص المطلوبين» وهذه الأخيرة تحتوي على 5 استمارات أخرى، وهي: «استمارة الأجانب الممنوعين من الدخول إلى فرنسا»، و«استمارة الصغار الهاربين من أسرهم»، و«استمارة الهاربين من السجون»، و«استمارة الأشخاص الذين تراكمت عليهم الديون للخزانة العامة» و«استمارة الأشخاص المطلوبين من قبل الشرطة القضائية».

 
عالم المخابرات في

من بين 19744 شخصًا مسجلين في استمارة الوقاية من الإرهاب هناك ما يقرب من 10900 شخص إلى 11000 شخص منهم موصوفون بأنهم «نشطون» ويتم إحالة ملفاتهم إلى جهاز الاستخبارات ليتم مراقبتهم بشكل مستمر وباقي العدد يكون في مرحلة المراجعة والتقييم وهذا يتطلب جهودًا هائلة لا تقارن بما هو قائم من 3 سنوات مضت.

ومن التطورات التي عرفتها الاستخبارات الفرنسية، نذكر إنشاء «المكتب المركزي لاستخبارات السجون» في فبراير 2017 لمكافحة التطرف في السجون. وتم دعم هذا الجهاز بعدد 108 فروع في إطار الإجراءات الـ32 الأساسية لـ«خطة العمل ضد الإرهاب» التي أعلنت عنها الحكومة الفرنسية بتاريخ 13 يوليو 2018.


لقد تم التركيز على الخطر الذي يشكله المقاتلون الفرنسيون الذين انضموا إلى داعش بعد عودتهم إلى فرنسا، ولكن اتضح أن المسألة هامشية؛ فلم يعد إلى فرنسا سوى 253 مقاتلًا من بين 718 الموجودين في المناطق الجهادية في سوريا والعراق ومن بين هؤلاء العائدين، 207 أشخاص عادوا في إطار «بروتوكول كازنوف» الذي تم إبرامه مع السلطات التركية في سبتمبر 2014؛ ما يدل على أنهم عادوا بملء إرادتهم للمثول أمام القضاء الفرنسي.

ومن أجل ذلك، تعتبر «خطة العمل ضد الإرهاب» أن التهديدات الداخلية الآتية من الأشخاص المقيمين بالداخل تمثل الخطورة الأكبر ولها الأولوية وفي قلب هذه التهديدات الداخلية، توجد هذه القنبلة المؤقتة المتمثلة في المتطرفين الذين يتم الإفراج عنهم من السجون.

وبالفعل، يوجد في فرنسا، 513 مسجونًا لارتكابهم أعمالًا إرهابية وهذا العدد ضئيل جدًا مقارنة بعدد 70 ألف مسجون في فرنسا ولكن مع الاتصال بين الجهاديين المسجونين والمسجونين الآخرين، أصبح ما لا يقل عن 1145 مسجونًا من المتطرفين.

ومن جانب آخر، تم الحكم على معظم الجهاديين قبل 2016 بأحكام قصيرة في السجن لأنه لم يتم تجريم التطرف في فرنسا إلا بعد هجمات نوفمبر 2015؛ وهكذا سيتم الإفراج عن 48 منهم بنهاية عام 2019 بينما سيتم الإفراج عن 143 تدريجيًا بحلول 2022 إضافة إلى 402 مسجون قبل نهاية 2019.

ومن أجل الوقاية من التهديدات المحتملة التي يشكلها هؤلاء «المفرج عنهم»، تم إنشاء وحدة دائمة لمراقبة المسجونين المتطرفين بعد إطلاق سراحهم وهذه الوحدة تتبع «وحدة تنسيق مكافحة الإرهاب». وستكون هذه الوحدة، همزة وصل بين الأجهزة المعنية بالأشخاص المسجلين في «استمارات الوقاية من التطرف الإرهابي» وهذه الأجهزة هي الإدارة العامة للأمن الداخلي، والجهاز المركزي للاستخبارات الإقليمية وبلدية شرطة باريس ومكتب «مخابرات السجون» الجديد.

 
"