رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

اجتهاد القدماء والمعاصرين.. فرضية التجديد وإشكالية التقليد (4 – 4)

الأربعاء 07/نوفمبر/2018 - 11:38 ص
المرجع
محمد أبو العيون
طباعة

◄ تجديد الخطاب الديني يحتاج إلى «قرار رئاسي» يُلزم رجال الدين به

◄ التقليد غيّب العقول.. وخلق مجتمعًا متطرفًا لا يعرف التعايش وقبول الآخر

◄ البعض يدور حول التراث وكأنه الكعبة.. ويزعم أنه أساس الدين

◄ «المقلدون» يشوهون الإسلام.. ويخدمون الجماعات الإرهابية


........



اجتهاد القدماء والمعاصرين..

اتضح أمامنا بما لا يدع مجالًا للشك، من خلال ما عرضناه في الأجزاء الثلاثة السابقة من دراسة: «اجتهاد القدماء والمعاصرين.. فرضية التجديد وإشكالية التقليد»، أن العلماء المعاصرين عطلوا الاجتهاد، وآثروا رفع راية «التقليد»، ووقفوا حجر عثرة أمام أي دعوات إصلاحية يرنو أصحابها إلى تجديد الخطاب الديني.

 

للمزيد: اجتهاد القدماء والمعاصرين.. فرضية التجديد وإشكالية التقليد (1 - 4)

 وفي تمسك المعاصرين بهذا المنهج التقليدي (الذي لا يعرفه الإسلام)، مخالفة صريحة لكل السنن الإلهية، والأعراف الإنسانية؛ فالسابقون كما عرضنا بالوقائع التاريخية اجتهدوا، ولم يجدوا حرجًا في تعطيل العمل بأحكام مستنبطة من نصوص قرآنية قطعية الثبوت والدلالة، حين أدركوا أن مصلحة المجتمع الإسلامي تكمن في هذا التعطيل.

 

للمزيد: اجتهاد القدماء والمعاصرين.. فرضية التجديد وإشكالية التقليد (2 - 4)


وكما أن الاجتهاد كله خير؛ فالتقليد في المقابل شرٌّ كله، وقد ذاق المجتمع الإسلامي (وبالأخص منذ نهايات القرن الماضي وحتى الآن) ويلات الركون إلى آراء اجتهادية محمودة وذات فوائد لعصرها الذي قيلت فيه، وغير صالحة بالمرة لعصرنا الراهن؛ ولذا فإننا آثرنا أن نستعرض في الجزء الرابع والأخير من هذه الدراسة عواقب التقليد.

 

للمزيد: اجتهاد القدماء والمعاصرين.. فرضية التجديد وإشكالية التقليد (3 - 4)

 


اجتهاد القدماء والمعاصرين..
المحور السابع: عواقب التقليد وتعطيل الاجتهاد

الوقائع والآراء السابق ذكرها في أجزاء هذه الدراسة الثلاثة، أكدت لنا أن اجتهاد المعاصرين كان «تقليدًا» لا «تجديدًا»، وهو أمر كارثي بكل المقاييس؛ لأنه انحدر بالأمة الإسلامية من القمة إلى القاع، والحقيقة أن كوارث التقليد أكثر من أن تُحصى، ولكننا سنكتفي بذكر ست منها، نراها هي الأخطر والأكثر ضررًا على العالم الإسلامي، وهي كالتالي:

 

(1) تغييب العقل:

يرفض المقلدون، إعمال العقل في أي شأن يتعلق بالدين، ويصرون على أنهما (العقل والدين) ضدان لا يلتقيان، وقد وصف الإمام أبي حامد الغزالي هؤلاء، قائلًا: «اعْلَم أَن الْعقل لن يَهْتَدِي إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْع لم يتَبَيَّن إِلَّا بِالْعقلِ؛ فالشرع عقل من خَارج وَالْعقل شرع من دَاخل وهما متعاضدان بل متحدان، فالداعي إلى محض التَّقليد -في الأمور الدينية- مع عزل العقل بالكليَّة جاهلٌ، والمكتفي بمجرَّدِ العقل عن أنوار القرآن والسُّنَّةِ مغرورٌ»([1]).

 

إذن هي معادلة وسطية كما هو شأن الدين الإسلامي في كل أحواله، تفسد إن غاب العقل عنها بالكلية، وتصلح كل الصلاح إن تعاضدا (العقل والشرع) معًا بالكلية، ويقول الإمام محمد عبده في هذه المسألة: «إنَّ العقلَ يجب أن يُحَكَّم كما يُحَكَّم الدَّينُ، فالدَّينُ عُرِف بالعقل، ولابدَّ من اجتهاد يعتمد على الَّدين والعقل معًا حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدنيَّة الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا»([2])، ويؤكد الدكتور محمود حمدي زقزوق، أن «الإسلام -كما هو معروف- دينُ العقل والفطرة السليمة، ولا يُعقلُ أن تشتمل تعاليمه السامية على شيء يصادم العقل والفطرة والذوق العام.. وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: فإنَّ لنا معيارًا في التأويل، وهو أنَّ ما دلَّ نظرُ العقل ودليلُه على بطلانِ ظاهرِه علمنا ضرورةً أنَّ المراد غير ذلك.. ويؤكد الإمام محمد عبده: واتفق أهل الملة الإسلامية، إلا قليلًا ممَّن لا يُنظر إليه، على أنه إذا تعارض العقلُ والنقلُ أُخذ بمل دلَّ عليه العقلُ»([3]).

 

(2) التعصب المذهبي:

من كوارث تغييب العقل، تلك الآفة القادرة على تدمير أي مجتمع، وهي التعصب للمذهب؛ فالمقلد الذي ارتضى أن يُلغي عقله، واستلسم كفريسة لـ«جمود الفكر»، يُصبح بالضرورة غير متقبل لأي رأي مخالف حتى ولو كان صحيحًا، ولاشك أن هذا التعصب يتنافى أولًا مع سنة الله في الخلق، يقول الله تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ» (هود: 118/ 119)، وثانيًا يخلق مجتمعًا متطرفًا لا يعرف للتعايش وقبول الآخر طريقًا، وثالثًا يصيب العقول بالجمود لعدم انفتاح أصحابها على المعارف ورفضهم التعرف على أي آراء أخرى، ورابعًا يؤدي إلى نتيجة واحدة وهي تقديس المتعصبين لإمام مذهبهم للحد الذي لا يقبلون معه مجرد مناقشة آرائه، ناهيك عن تصويب أخطائه، وهم في هذه الحالة يرفعونه إلى حد العصمة.

 

ولو تخلى المتعصبون عن التقليد، وأعملوا عقولهم قليلًا؛ لأدركوا أنهم أول المخالفين لإمام المذهب الذي يتعصبون له؛ فهؤلاء الذين يقلدهم البعض تقليدًا أعمى، ويتعصبون لهم (زورًا وبهتانًا) هم أول من ذموا التقليد والتعصب، ويكفي هنا أن نذكر ما قاله الإمام أبي حنيفة النعمان: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، و«إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله، وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاتركوا قولي»، و«حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي؛ فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا»([4]).

 

ويقول الإمام مالك: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»، و«ما من أحدٍ إلا ويؤخذ من قوله ويُترك؛ إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-»([5])، وهذا الإمام الشافعي، يؤكد: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا بالسنة ودعوا قولي»، و«ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فهمها؛ فما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي»، وأوصى الإمام أحمد بن حنبل، قائلًا: «لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا»([6]).

 


 محمود حمدي زقزوق
محمود حمدي زقزوق
(3) تقديس التراث:

إننا لا نتبنى تلك الدعوات الرامي أصحابها إلى التخلص بالكلية من التراث؛ فهذا نوع الجنون، ولكننا ندعو إلى دراسة تراثنا بطريقة علمية دقيقة تأخذ محاسنه وتترك معايبه؛ فالتراث عمل بشري مثلما أصاب أصحابه فهم بالضرورة قد أخطؤوا، وفي هذا المعنى يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: «لقد تعامل المسلمون في الأعم الأغلب مع تُراثهم -وبخاصة التراث العلمي المتعلق بالعلوم الإسلامية- على نحوٍ غيرِ سليمٍ؛ فبدلًا من النَّظر إلى هذا التراث على أنه منجمٌ يشتمل على الكثير من الجواهر واللآلئ، وفي حاجةٍ إلى عقلياتٍ ماهرةٍ للغوص فيه للبحث عن هذه الجواهر التي يشتملُ عليها؛ نظرنا إليه على أنه ملجأ نلجأ إليه لنحتمي به بحجة الحفاظ على هُويتنا، ولكن دون أن نضيف إليه جديدًا، أو نستخرج منه ما يُفيدنا في مسيرتنا الحضارية»([7]).

 

ويشخص الدكتور زقزوق، أزمتنا الراهنة بقوله: «لقد أصبحنا ندور حول التراث لتَقْدِيسِه كما ندور حول الكعبة، وإذا كنا لا نضيف إلى الكعبة جديدًا بالطواف حولها؛ فإننا أيضًا لا نضيف جديدًا إلى تراثنا الذي قُمنا بتحنيطه خوفًا عليه من الضياع وحفاظًا على هوية الأمة، ونعتقد بذلك أننا أدينا واجبنا نحو التراث، وأصبح الجمود على التراث سيد الموقف، أما تجديد التراث أو الإضافة إليه فهذا أمرٌ غير مرغوب فيه، فالسابقون قد قالوا كلَّ شيءٍ، ولم يترك الأول للآخر شيئًا، ولم يَعُدْ في الإمكان أبدعُ ممَّا كان، ولم يَعُدْ هُناكَ أيضًا مَجالٌ لمستزيدٍ، وبخاصةٍ في مجال العلوم الإسلامية. ونودّ أن نؤكد أنه لا يجوز التعامل مع التراث على أنه أساسُ الدين، وإحاطته بهالةٍ من التقديس، وعلى الرغم من ذلك لا ندعو بأي حالٍ من الأحوال إلى القطيعة مع التراث.. والذي أودّ أن أؤكد عليه في هذا المقام أن التراث جهد بشري يخطئُ ويصيب، ولا يجوز الخلط -بأي حالٍ من الأحوال- بين التراث، والقرآن الكريم والسنة النبوية المقطوع بصحتهما»([8]).

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه الحالة من التقديس (المبالغ فيها) في صالح التراث؟ الجواب بلا أدنى تردد، لا؛ «إن الجمود على التراث والتعبد به ليس في صالح التراث ولا في صالح الدين؛ لقد عالج التراث -وخاصة التراث الفقهي والعقدي- مشكلات كانت على وجه العموم في أغلبها مرتبطة بعصرها، ونحن ندرسها للتعرف على تاريخنا الثقافي، ولكن لا يجوز أن يثنينا ذلك عن التعرف على مشكلات عصرنا، وبحثها، والعثور على حلول مناسبة لها. وغير خافٍ على أي باحث جادٍّ أن التراث في مجال العلوم الإسلامية بصفةٍ خاصةٍ يشتمل على إيجابيات كثيرةٍ، ولكنه في الوقت نفسه يشتمل أيضًا على كثيرٍ من السلبيات، وواجبنا أن نتلافى السلبيات، ونعمل على تنمية الإيجابيات، ونبحث في الوقت نفسه عن الحلول الملائمة لمشكلات عصرنا؛ حتى لا نكون منفصلين عن الواقع»([9]).

 

(4) جمود الفكر الإسلامي:

للاجتهاد نتيجة واحدة، وهي تجديد الفكر الإسلامي، سواء أخطأ المجتهد أو أصاب؛ لأن مجرد إعمال العقل الذي هو «قبس من نور الله» فيه إثراء للفكر، والإسلام حث على ضرورة الاهتداء بهذا القبس النوراني، و«دعوة الإسلام لاستخدام العقل لا تقتصر على الأمور الدُّنيويَّةِ الحياتيَّةِ، فهذا أمرٌ مفروغٌ منه، وقد أشار النبي إلى ذلك حين قال: أنتم أعلمُ بأمر دنياكم؛ فالأمور الدُّنيويَّةُ تعتمدُ على البحثِ والدراسةِ والعلمِ بأوسع معانيه، ومن أجل ذلك لا يضع الإسلامُ سدودًا ولا قيودًا على مسيرة البحث العلمي، لقد امتدت سماحة الإسلام إلى الدعوة لاستخدام العقل في أمور الدين؛ لأن الدين نفسه لا يُفهم إلا عن طريق العقل، لاستنباط الأحكام الشرعية»([10]).

 

وفي المقابل؛ فإن للتقليد أيضًا نتيجة واحدة، وهي جمود الفكر الإسلامي، ومن المضحكات المبكيات أن نجد بعض المحسوبين على العلم الديني يؤلف كتابًا يزعم فيه أنه أتى بثمانية وأربعين دليلًا من القرآن على أن الأرض لا تدور، وغيره يروج وبكل فخر أنه أصبح بارعًا في تخليص الناس من السحر وفك الأعمال وعلاج مس الجن وغير ذلك من الخزعبلات، وللأسف فقد ابتلينا بالكثير من هذا السفه في عصرنا الراهن، الذي ما كان ليجد له مكانًا في مجتمعاتنا لولا هذا الجمود الفكري الناجم عن تقليد أعمى.

 


اجتهاد القدماء والمعاصرين..
(5) انتشار التطرف والإرهاب:

أدى تعطيل فريضة الاجتهاد، إلى جمود الفكر والخطاب الإسلامي كما قلنا، وكان لهذا أثر بالغ في ظهور التنظيمات والجماعات الإرهابية، ونجاحهم في نشر فكرهم المتطرف بمختلف البلدان الإسلامية؛ فالعامل الرئيسي الذي يقف وراء تمكن حسن البنا (أبوالإرهاب)، من نشر فكره الذي لا يمت إلى الدين الإسلامي بصلة، وتشكيله جماعة إرهابية عانى -ومازال- المسلمون منها، هو استغلاله لخواء العقل الإسلامي من أي فكر، جراء سجنه على مدار عقود طويلة مضت في «مستنقع التقليد»، وحرمانه من حقه في التفكير والتجديد، وهو ما أفقد المسلمين القدرة على إيجاد أجوبة رادعةٍ لتلك الخرافات (مزاعم أن الخلافة فرض، نموذجًا) التي روجها «البنا» وأعوانه؛ فانخدعوا بـ«سمومهم المعسولة» ظنًا منهم أنهم حماة الدين.

 

وانطلاقًا من الكوارث التي ورثها المسلمون المعاصرون جراء فرض التقليد وتعطيل الاجتهاد، وجد أبوالأعلى المودودي، الساحة الإسلامية ممهدة ليطرح نفسه (زورًا وبهتانًا) كمجدد، وهو خالي الوفاض من أي مقومات تؤهله لتبوؤ أي مكانة في مصاف القراء المبتدئين، لا قمم المفكرين؛ فكان تجديده، سُمًا إرهابيًا سرى في الجسد الإسلامي، فأدماه منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن، والأمر ذاته تكرر مع سيد قطب، ذلك الذي لا يصلح حتى للجلوس كمستمع في صالون فكري يديره كاتب مغمور؛ إلا أن غياب العقل الإسلامي جعل العديد من الموتورين يُلبسون هذا الإرهابي عباءة «المنظر»، و«المجدد»، وغيرهما من الألقاب التي لا نجد لها وصفًا يليق بها سوى ما قاله الإمام أبي حامد الغزالي:

ألقاب مملكة في غير موضعها.. كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد



وأخيرًا وليس آخرًا؛ ابتلي العالم الإسلامي بإرهاب القاعدة، وداعش، وبوكوحرام، والشباب الصومالية، وغيرهم من جماعات العنف والتطرف الذين انخدعت بعض العقول بتأويلاتهم المزيفة للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والسبب الرئيسي في هذا هو تغييب العقل الإسلامي جراء تقليدُ فرض عليه قهرًا لقرون طويلة مضت؛ ولذلك فإننا نؤكد أن كل من يقف حجر عثرة أمام تجديد الخطاب الديني؛ فإنه يُلحق بالإسلام ضررًا بالغًا؛ لأنه وباختصار شديد يخدم التنظيمات والجماعات الإرهابية، وإن لم يكن يشعر أو يقصد.

 

(6) تنحية الدين جانبًا:

إن من أخطر عواقب التقليد، هو فقدان العامة الثقة في العلماء والمشايخ؛ بسبب استدعائهم الدائم في حل مستجدات العصر الراهن لحلول استحدثت منذ عشرات الحقب الزمنية، وخطورة هذا الأمر هو ميل الكثيرين إلى تنحية الدين جانبًا واستبداله بأي آراء (أيًّا كان مصدرها) تكون قادرة على تلبية مطالبهم الرامية إلى التغلب على هذا المستجد الذي طرأ على حياتهم، أو نفض اليدين بالكلية من أي دين والاستسلام لأعاصير الإلحاد التي باتت تجرف الآلاف من شباب الأمة.



إن فقدان الثقة في العلماء يجعل النخبة المثقفة، والعامة (غالبيتهم وليس جمعهم)، غير متقبلين لأي آراء يُدلي بها هؤلاء لشيء رسخته القرون الماضية في الأنفس، وهو أن كل ما يُقال تقليد لا تجديد، ولعل موجات الاعتراض الجارفة التي تقابل بها آراء رجال الدين المعاصرين في أي قضية مستجدة أو حتى قديمة أعيد إحياؤها من جديد، هو خير دليل على ما نذهب إليه.




الخاتمة:

تظهر الصورة من خلال قراءتنا للمحاور: الخامس، والسادس، والسابع، من هذه الدراسة، ضبابية وفاقدة لأي ملامح، وتبدو الحالة المذرية التي تدنى إليها المسلمون غير مبشرة باستفاقة قريبةٍ تنتشل هذه الأمة من غياهب التيه الذي فرضه عليهم «دعاة التقليد»؛ إلا أن هذه رؤية من ينظرون إلى نصف الكوب الفارغ، أما النصف المملوء فهو دائمًا مُبشر.



ففي غياهب ظلمات تقليد من عاشوا في القرون المنصرمة بزغت أنوار تجديد الشيخ حسن العطار، ورفاعة رافع الطهطاوي، والإمام محمد عبده، وعبدالمتعال الصعيدي، وأمين الخولي، وعلي عبدالرازق، ومحمد الغزالي، وجميعهم حملوا مشاعل التنوير؛ حتى وإن كان ضوء هذه المشاعل بدا حينذاك خافتًا لتداعي المقلدين عليه، وحرمان العامة من سماع هذه الأصوات التنويرية؛ إلا أن هؤلاء المجددين ولدوا من رحم أمة ظن الجميع أنها أصبحت لا تلد إلا مقلدًا.



وما دامت العروق في الأجساد تنبض؛ فالأمل موجود، ونحن نحيا وكلنا ثقة أن تنقشع غُمة التقليد قريبًا، وينبلج فجر اجتهادي يجدد للأمة دينها، وهذا أمرُ لا مفر من حدوثه.



وفي رأينا أن التعجيل بتجديد حقيقي للخطاب الديني، يحتاج إلى تبني الدولة بشكل رسمي هذا الأمر، وبمعنى أدق نحتاج إلى صدور قرار جمهوري يجعل من التجديد مشروعًا قوميًّا، ويُلزم رجال الدين به، وقد يتساءل البعض: هل العقول في حاجة إلى إصدار قانون يلزمها بإعمال وظيفتها التي خلقت من أجلها؟ والجواب بكل أسف، نعم؛ لأن عقولًا ورثت التقليد، واعتادت غض الطرف عن التجديد لأكثر من 5 قرون مضت لن تحييها الدعوات، ووحدها قوة القانون هي القادرة على دفعها قُدمًا في هذا الطريق.



.......

 

ثَبْتُ الْمَصَادِرِ وَالْمَرَاجِعِ: 

[1] - «معارج القدس في مدارج معرفه النفس»، للإمام أبي حامد الغزالي، باب: «تظاهر الْعقل وَالشَّرْع وافتقار أَحدهمَا الى الآخر».

[2] - «زعماء الإصلاح»، للأستاذ أحمد أمين، ص 337 - دار الكتاب العربي - بيروت.

[3] - «الفكر الديني وقضايا العصر»، للدكتور محمود حمدي زقزوق، ص 77/ 78.

[4] - انظر «إعلام الموقعين»، و«حاشية ابن عابدين على البحر الرائق»، و«إيقاظ الهمم للفلاني»، و«جامع بيان العلم»، و«أصول الأحكام لابن حزم»، و«المجموع» للنووي.

[5] - المراجع السابقة.

[6] - السابق.

[7] - «التراث بين التجديد والتبديد»، ورقة بحثية للدكتور محمود حمدي زقزوق، نشرت في كتاب: «مقالات في التجديد»، ص 35/ 36.

[8] - المرجع السابق.

[9] - المرجع السابق.

[10] - «الفكر الديني وقضايا العصر»، للدكتور محمود حمدي زقزوق، ص 77/ 98/ 99.
"