رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«حرب العقول».. كتاب إرهابي أوقع مؤلفه في فخ التناقض والانفصام

الثلاثاء 06/نوفمبر/2018 - 12:54 م
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

صدر عن دار الجبهة في يناير من عام 2011، كتاب بعنوان «حرب العقول أبعاد وخفايا عالم المخابرات والتجسس»، من تأليف عبدالله بن محمد، يتناول الكتاب العمليات الاستخباراتية والجاسوسية من وجهة نظر مؤلف مؤيد للتنظيمات الإرهابية.


لا يحتاج القارئ وقتًا طويلًا لمعرفة ماهية الكتاب، فمن خلال الإهداء يمكنك أن تعرف الكثير من المعلومات؛ حيث يقول: «إلى لورنس العرب أقول: بإذن الله سنرد لكم الصاع صاعين يا ابن الكافرة»!


ويعتمد الكاتب على مقدمة متناقضة، فهو يحاول المزج ما بين أساليب الجاسوسية الحديثة وما يسميه «الآراء الفقهية للعلماء في مجال الاستخبارات»، كما يحث تنظيمات الإسلام الحركي على الدخول في مجال التجسس؛ لتحقق مكاسب سياسية في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، وهنا تظهر حالة الانفصام التي يعاني منها الكاتب.


فهو من ناحية يريد تتبع وتقليد أسلوب المؤسسات الأوروبية العاملة في مجال الاستخبارات، ولكنه بعد ذلك يرفض الأساليب نفسها؛ نظرًا لاحتواء ممارساتها على جوانب مخالفة للدين كالعري والسكر والقمار، فالرجل يريد اختراع نظام استخباراتي وتجسسي على «الطراز الإسلامي».


وفي النقطتين الثانية والثالثة الخاصتين بمشروعية التجسس وأهميته، انتقل المؤلف إلى إظهار الخلفية الدينية الخاصة بالعمل الاستخباراتي، ففي النقطة الأولى عمل على عرض فتوى دينية بشأن عقوبة الجواسيس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، داخل ما يعتبرها دولًا إسلامية.


واللافت للنظر أنه اعتمد على فتوى واحدة فقط، لشخص يُدعى أبووليد المقدسي، من شيوخ السلفية الجهادية في مصر وفلسطين والأردن، بل عمل المؤلف على نشر أفكاره في قطاع غزة قبل أن تتهمَه السلطة الفلسطينية بالإخلال بالأمن العام؛ نظرًا لمواجهاته المسلحة المتعددة مع القوى الأخرى داخل القطاع، واعتماد المؤلف على فتوى «المقدسي» دليل آخر على طبيعة رؤيته وعقليته للأمور.


وفي النقطة الثالثة الخاصة بأهمية التجسس، سرد الكاتب مواقف تاريخية عدة، تُظهر استخدام أسلوب التجسس في عهد النبي للحصول على منافع سياسية وعسكرية، ومنها ما قام به عبدالله بن أبي بكر من نقل الأنباء للنبي خلال الهجرة النبوية الشريفة؛ وذلك لضمان حماية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وهدف المؤلف من ذكر 7 أمثلة داخل الكتاب، إلى التأكيد على العمق الديني للعمل الاستخباراتي.


وهنا يقع المؤلف، كما يقع أمثاله من أنصار تنظيمات الإسلام الحركي، فهو يعمل على وضع قياس غير منطقي يربط من خلاله الحاضر مع الأحداث التاريخية، فلا يمكن قياس هدف العمليات التي قام بها الرسول وأصحابه، بأهداف العمليات الإرهابية الخاصة بالجماعات الإرهابية، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقيام بعمليات تهدف إلى سفك الدماء وترويع الآمنين وقتل الأبرياء كما تقوم تلك التنظيمات.


وفي النقطة الرابعة من الكتاب، والتي جاءت تحت عنوان «مسائل في الجهاد»، يعرض المؤلف مجموعة من الأسئلة التي يرى بأنها تهم «الجاسوس المسلم المجاهد»، ويظهر الرأي الفقهي الخاص بكل سؤال، وتحتوي تلك النقطة على 16 سؤالًا.


والكاتب هنا يناقض نفسه، فإذا كان في المقدمة قد رأى ضرورة أن يكون التجسس الإسلامي بعيدًا عن الجوانب غير الأخلاقية، التي تعتمد عليها المؤسسات الاستخباراتية العالمية وفقًا لقوله، فإنه في هذه النقطة يعرض أسئلة حول حكم الدين في شرب الجاسوس للسجائر، وشرب وشراء الخمور، والنظر للمرأة، وعمليات التجميل، والزواج بغير المسلمة، وارتداء الصليب، والمفاجأة أن الشيخ قد أباحها كاملة تحت بند «الضرورات تبيح المحظورات».


وهناك دلالة أخرى في هذه النقطة تدل على اتجاه المؤلف؛ حيث اعتمد في فتواه هذه المرة على شخص آخر يُدْعى أبا المنذر الشنقيطي، ويُعرف أيضًا باسم «أبوعبيدة الشنقيطي»، وهو داعية سلفي، يؤمن بالفكر السلفي الجهادي، ويعد من أهم المنظرين الشرعيين لتنظيم داعش الإرهابي، ولا تتوافر عنه العديد من المعلومات حول نشأته وتعليمه، إلا أن اعتماد المؤلف على أفراد مؤمنين بالفكر الإرهابي يقلل من مصداقية الكتاب.


وفي النقطة الخامسة بعنوان «أهمية التجسس»، يذكر المؤلف أهمية التجسس وأنواعه، مع ذكر أمثلة عدة في مختلف المجالات، مثل نجاح أمريكا العسكري في هزيمة السوفييت؛ بسبب الاستخبارات داخل أفغانستان، ونجاح بعض الدول في إفساد خصوبة الأراضي الزراعية في المغرب كصورة للاستخبارات الاقتصادية، ونشر أسرار المفاعلات النووية كمثال على التجسس العلمي.


ولم يخف الكاتب ميوله خلال تلك النقطة؛ حيث اعتبر أن نشر الصوفية نوعًا من أنواع التجسس الديني، الذي تقوم به الدول الأوروبية في البلاد الإسلامية، كما اعتبر أن السفراء والمسؤولين الدوليين والصحفيين في الصحف العالمية هم «جواسيس بصورة مقننه»، وهذه الرؤية المشككة في كل شيء تشير إلى طبيعة العقلية «المريضة» التي يتمتع بها المؤلف.


وفي النقطة السادسة بعنوان «خصائص شخصية العميل السري»، يبدأ المؤلف هذه النقطة بخلط ظاهره خير وباطنه شر، فهو يرى بأن نتائج الدراسات التي توصلت إليها العلوم السياسية والاجتماعية حول الخصائص الواجب توافرها في شخصية العميل السري موجودة في القرآن الكريم، وتحديدًا في قصة هدهد سليمان، أما باطن حديثه، فهو يروج للتنظيمات الإرهابية مرة أخرى من خلال غطاء ديني، وهذا عهد الجماعات الإرهابية.


ويذكر المؤلف صفات عدة منها الإيمان الراسخ، والصدق، والشجاعة، والسرية، مع وضع خلفية دينية لكل نقطة، كما فعل في صفة الذكاء الخارق؛ حيث ذكر قضية الصحابي حذيفة بن اليمان عندما أرسله النبي للتجسس على كفار قريش، واستخدم ذكائه في العودة سالمًا.


وفي النقطة السابعة بعنوان «37 فائدة في الاستخبارات»، يقدم المؤلف مجموعة من النصائح الخاصة بالاستخبارات، وتتراوح تلك النصائح والنقاط ما بين نقاط دينية روحية ونقاط تكتيكية؛ حيث أشار إلى خطر ترك الطاعات لضرورة العمل الاستخباراتي وخطره على قلب المجاهد، كما أشار إلى ضرورة مراقبة القلب ومدى تعلقه بالله كدليل على النقاط الروحية.


كما ذكر نصائح عملية في العمليات الاستخباراتية كنقاط تكتيكية، مثل الحذر من التدوين حتى لا تقع تلك الأوراق في يد الأعداء، والرحيل فورًا، إذا ما شعر الجاسوس بوجود مراقبة، واستمر المؤلف في النهج نفسه المتعلق بالخلط ما بين الوقائع الدينية في عهد النبي وتلك النصائح؛ وذلك حتى يضفيَ شرعية دينية على الآراء الضالة والمضللة التي ينشرها.


ثم ذكر قضية لورنس العرب ومساعدته للقوات الإنجليزية في مواجهة الأتراك، وهو الرجل نفسه الذي هدده المؤلف في بداية كتابه، ثم ذكر بعد ذلك قصة جاسوس إرهابي يُدعى الدكتور «همام البلوي»، وكأنه أراد أن يضع القارئ أمام من يعتبرهما نموذجين على طرفي نقيض، وعليه أن يختار!.


وفي النقطة الثامنة بعنوان «العمل الاستخباراتي المرحلي»، نشر المؤلف أهمية تقسيم الأهداف الكبيرة للتنظيمات الإرهابية إلى مجموعة من العمليات المرحلية، التي تسهم في تحقيق تلك الأهداف المهمة، ثم في النقطة التاسعة بعنوان «المشروع الختامي»، ذكر الكاتب مراحل نشأة الدولة اليهودية وأهمية العمليات الاستخباراتية والجاسوسية في تحقيق هذا الهدف، ولم يغب عن المؤلف في هاتين النقطتين أن يدمج الجوانب والآراء الدينية بهما، كعادته في الكتاب.


والمؤلف يعرض داخل الكتاب في كل نقاطه آراء واقتراحات للتنظيمات الإرهابية؛ كي تستطيع الدخول في عالم الجاسوسية، كأن تقوم بشراء أسهم في شركات السلاح؛ حتى تعرف موعد الأحداث العسكرية المهمة؛ لذا نجد أنفسنا أمام مؤلف وكتاب أقرب للفكر الإرهابي منه إلى الكتب العلمية الرصينة.

"