رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

تفاصيل تراجع «الصوفية» أمام تيارات الإسلام الحركي في فلسطين

الثلاثاء 30/أكتوبر/2018 - 09:07 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة

في الوقت الذي كانت تحتفظ جماعات الإسلام الحركي منذ صعودها بنظرتها نحو فلسطين، كأرض مقدسة يستدعي تحريرها حمل السلاح، كان المشهد الفلسطيني يتأهب لانسحاب «الصوفية» كأحد المكونات الدينية والثقافية، وهو ما أقرته كتابات فلسطينية بتراجع تأثيره مقارنة بحضوره القديم.

تفاصيل تراجع «الصوفية»

وفي كتاب «الإسلام النائم.. التصوف في بلاد الشام» لمجموعة باحثين، دوّن أستاذ الأدب بجامعة القدس، مشهور الحبازي، شهادته في مشاركة بحثية بعنوان «الطرق الصوفية في فلسطين بين 1989-2011م»، توصل فيها إلى أن أغلب متصوفة فلسطين يمارسون حياتهم الدينية، لكنهم لا يُصرّحون بتصوفهم «لأسباب كثيرة»، بحسب قوله.


الخفوت الذي دلل عليه «الحبازي»، بإخفاء الهوية الصوفية، وجد ما ينفيه في تقارير إعلامية فلسطينية، كانت تؤكد على حرية يجدها المتصوفة، إلا أن ما أثبتته التجربة العملية كانت عكس ذلك، إذ وجد «المرجع» صعوبة في التواصل مع أحد من المنتمين للطرق الصوفية. الأمر لم يتوقف عند ذك وحسب، إذ جاء تساؤل إحدى الصحفيات الفلسطينيات عن معنى الصوفية من الأساس، عندما سألناها عن حجم الصوفية في فلسطين، صادمًا، وإشارة في الوقت نفسه عن تراجع ما يعانيه الوجود الصوفي.

 

ولكن هل ثمة علاقة بين هذا التراجع، وصعود الإسلام الحركي، تحديدًا في حقبة الثمانينيات؟

يقر بذلك الباحث والسياسي الفلسطيني، منصور أبو كريم، الذي قال: «بكل تأكيد أثّر صعود حركات الإسلام السياسي بما تمتلك من أدوات مادية وسياسية واحتكارها للخطاب الديني المسيس على الحركات الصوفية في فلسطين»، مضيفًا: «خاصة أن لدى حركات الإسلام المتمثلة في حركة حماس والجهاد الإسلامي الإمكانيات المادية الإعلامية الكبيرة إضافة لسيطرتهم على أغلب المساجد مما يؤثر على عملية الاستقطاب».


ودلل على هذا التراجع بتقلص الحضور الصوفي في قطاع غزة، على سبيل المثال، الواقع تحت سيطرة حركة «حماس»، امتداد جماعة الإخوان في فلسطين، متابعًا «ظهور حركات الإسلام السياسي في فلسطين يؤثر على الحركة الصوفية بشكل لافت، حتى أننا لا نرى أي وجود للحركة الصوفية خاصة في القطاع، نظرًا للوجود المكثف لحركات الإسلام الحركي».


وذهب إلى الواقع السياسي الذي تعيشه فلسطين من ظروف الاحتلال، قائلًا: إن هذا الظرف جعل الشباب الفلسطيني الغاضب مائلًا إلى المقاومة منه إلى الروحانيات الصوفية، موضحًا «بما أن الصوفية ظلت واقفة عند الجانب الروحي مستقلة بنفسها عن العمل العسكري، عجزت عن جذب الشباب لصالح جماعات الإسلام الحركي».

تفاصيل تراجع «الصوفية»

دور تاريخي في المقاومة

وتابع: وأن كان انعزال الصوفية عن الخطاب الثوري الحماسي كان سببًا في عزوف الناس عنها، لافتًا إلى أن ثمة تاريخًا سياسيًّا للصوفية يثبت صحة هذه الرؤية، إذ كان من ضمن أسباب انتعاش الصوفية بداية القرن الماضي، في فلسطين، هو مشاركتها في محطات سياسية مهمة كالقضية الفلسطينية؛ وثورة 1935 على يد الشيخ «الصوفي» عز الدين القسام الذي استدعت حركة «حماس» فما بعد اسمه عندما أسست جناحها العسكري «كتائب عز الدين القسام»، ودورها في حرب فلسطين 1948، واستخدام مساجدها لحث الناس على تحرير البلاد، من منطلق ديني. وساعدهم في ذلك موروث صوفي وقناعات الرموز الصوفية ضد الحروب الصليبية، أمثال صلاح الدين الأيوبي، ونور الدين الزنكي.


وبينما كان الحضور الصوفي في هذه المحطات لم يأخذ شكلًا تنظيميًّا صوفيًّا، استمرت مشاركتها على هذا الشكل بلا تنظيم، حيث عمل أفرادها إلى جانب حركة التحرير الفلسطينية، وباقي الكيانات التي عملت خلال فترة الستينيات تحت شعارات قومية.


وفي الثمانينيات استمر دور الصوفية في الانتفاضة الفلسطينية في 1987، بمشاركتها في التحرك الشعبي، لاسيما دور الزوايا الصوفية في نشر الوعي الوطني والسياسي والاجتماعي، عبر محاضرات كانت تقيمها للمصلين. وفي هذه الأثناء تأسس المجلس الإسلامي الصوفي الأعلى في فلسطين، الذي اتخذ من القدس مقرًا له، وضم آنذاك، الطرق: القادرية والشاذلية والرفاعية والخلوتية والعلاوية والنقشبندية.  

 

وعندما انخرطت حركة «التحرير» في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وجدت الصوفية مكانًا لها إلى جانبها، وفقًا لقناعة شرعية بعدم الخروج على الحاكم وإن جار، مكتفية في ذلك بالمناصحة والإرشاد، مهما كانت سياساته.


وفي التوقيت نفسه شهدت الساحة الدولية والفلسطينية صعود جماعات الإسلام الحركي التي أخذت من القضية الفلسطينية منطلقًا لوجودها، ما سحب المشهد من الطرق الصوفية كجهة مقاومة.


وعن ذلك علّق الشيخ الصوفي، سعد شرف، في حوار له مع صحيفة أمريكية تدعى «كريسشان ساينس مونيتور»، قال فيه: «قبل ثلاثين أو أربعين عامًا كانت الموضة أن تكون يساريًّا أو اشتراكيًّا، أما الآن فقد أصبحت الموضة في العالم العربي أن تكون إسلاميًّا».


وعلقت «حماس» على تصريحات شرف، قائلة: إن فيه استهزاء بما سمته «الصحوة الإسلامية والتدين، ويبدو أن هذا الشيخ قد تدين فقط لأن التدين موضة، ولكن تدينه هذا فيه مروق وتضليل».

تفاصيل تراجع «الصوفية»

انتقادات للصوفية

انسحاب الصوفية من المشهد لصالح لجماعات الإسلام الحركي، لم يفسّره فقط ابتعادها عن السياسة، ولكن انتقادات هذه الجماعات أيضًا كان له دور في عزوف الناس عنها، وتمارس كيانات الإسلام الحركي انتقادت من وقت لآخر ضد الطرق الصوفية، مشككين في عقيدتهم ومنتقدين اعتمادهم بشكل أساسي على الروحانيات والانعزال عن الواقع السياسي الاستثنائي لفلسطين، كما ورد في الكتاب الصادر عن حركة حماس، بعنوان «حركة المقاومة الإسلامية حماس: دراسات في الفكر والتجربة»، وقالت فيه الحركة إنها تنتقد في الصوفية انفصالها عن الواقع إلا أنها لا تمثل خطرًا على الحركة.


فيما أكد ذلك أيضًا الصوفي الفلسطيني، نعمان الأشقر، المهتم بدراسة الواقع الصوفي الفلسطيني، إذ قال لـ«المرجع» إن ممارسة الجماعات السلفية لممارسات الطرق الصوفية في فلسطين، ربما يكون أثّر على شعبيتها، مشيرًا إلى أن هذا  التأثير يطول السامعين عن التصوف وليس المنتمين له.


ورغم هذه الانتقادات فإن العلاقة بين الصوفية في فلسطين، وباقي جماعات الإسلام الحركي، تكاد تكون إستثنائية، إذ لا تمانع الطرق من أن ينتمي أفرادها إلى حركة مثل حماس، كما يقول الباحث الفلسطيني المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، أحمد فايق دلول، الذي قال لـ«المرجع»، إن «حماس» لا تعطي اهتمامًا للصوفية في غزة كما لا تعطي لـ«حزب التحرير الإسلامي»، وتكاد لا تذكرهم في خطبها إلا قليلًا، بفعل ابتعادهم عن السياسة.


لم يكتف الباحث بذلك وحسب، إذ أشار إلى أن رئيس المكتب السياسى لحركة حماس، إسماعيل هنية، منحدر من الطريقة الشاذلية، ومع ذلك سلك طريقه إلى الحركة.


وبرر الصوفي الفلسطيني المهتم بدراسة الواقع الصوفي في فلسطين، نعمان الأشقر، ذلك بأمرين أولهما خصوصية المشهد الفلسطيني، الذي ينظر إلى الحركات الحاملة للسلاح كمقاومة، ما يعني دعمها حتى من الصوفية، وثانيها هو افتقاد الصوفية لخطاب سياسي يرضي أفرادها ويشبع احتياجهم للجانب السياسي.


يزيد عليه الباحث الفلسطيني، أحمد فايق دلول، الذي قال إن الخطاب السياسي للجماعات الدينية في فلسطين، غير متطرف، بالمقارنة بالجماعات في سوريا والعراق، مثلًا، الأمر الذي يفسّر سماح الصوفية لأفرادها بالعمل في صفوف هذه الجماعات.

تفاصيل تراجع «الصوفية»

حديث عن صحوة صوفية

إن كان الحديث عن خفوت الصوفية الفلسطينية، مقابل صعود حركات الإسلام الحركي، هو المسيطر طوال السنوات الماضية، فثمة موجة صعود جديدة يتحدّث عنها باحثون فلسطينيون.


وفي ذلك يذهب دلول-الذي لا يتفق مع أن الصوفية تراجعت أو توسعت على مدار العقود الأخيرة-  إلى أن الزوايا الصوفية تشهد توافد شبان فلسطينيين يبحثون عن الصفاء الروحي، والخشوع في العبادات، مشددًا في الوقت نفسه أن هذا التردد لا يصحبه في الغالب انفصال للشاب عن تنظيمه الأصلي وانضمام للطريقة الصوفية، « خاصة أنَّ انتقالهم للصلاة بجانب الصوفيين جاء كمرتبة أسمى من العبادة بالنسبة لديهم، علمًا بأن الصوفيين عليهم بعض الملاحظات في العبادة والعقيدة.»


نادية سعدالدين، في مشاركة بحيثة لها بعنوان «مسارات التصوف في الأراضي المحتلة»، دعمت الخط الصاعد للصوفية الفلسطينية، وربطت بين ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، وطموحات سياسية ظهرت للتصوف في فلسطين.  


وعن ذلك كتبت«لم تشهد الساحة الفلسطينية المحتلة «تمردًا» أو «انقلابًا» صوفيًّا على سلطتي رام الله وغزة، انتصارًا لمرجعيتها وعملاً بمبدأ «المناصحة»، و«عدم الخروج على الحكام وإن جاروا». ولكن مطالب الإصلاح والتجديد التي تبنتها بعض الطرق الصوفية، على وقع الثورات العربية، والتي تجاوزت النطاق الصوفي الداخلي إلى الحيز الفلسطيني الأعمّ، وجدت امتدادها في خطاب إصلاحي مناظر في فضاءات عربية وإسلامية، ما عُدّ «صحوة سياسية صوفية».

 

وألمحت إلى ثمة إدراك صوفي بأن المجتمع الدولي يتجه نحو الاعتماد على الصوفية في مواجهة الجماعات المتطرفة، مراهنة على الحصول على ضوء أخضر على حساب جماعات الإسلام الحركي.


واستعانت الباحثة بتصريحات للشيخ سعد شرف الذي قال في مستهل صعود جماعات الإسلام الحركي في البلدان العربية ما بعد 2011، إن تجريب حكم هذه الجماعات والتأكد من فشله، سيلحقه اهتمام بالصوفية، متابعًا « استلام السلطة يجب توقيته بحكمة حتى لا يأتي بنتائج عكسية»، وهو ما اعتبرته الباحثة تلميحًا صوفيًّا بطموحات سياسية، متنبئة باحتمال اتجاه الصوفية الفلسطينية نحو تأسيس أحزاب سياسية، معتبرة هذه الخطوة  يسبقها ترتيب للبيت الصوفي من الداخل.

تفاصيل تراجع «الصوفية»

الوجود الصوفي تاريخي

يعود دخول التصوف لفلسطين إلى العصر العثماني الذي أعطى أهمية استثنائية للطرق الصوفية، واعتبرها قوة تعتمد عليها دولته. وبحكم سهولة التحرك بين أقاليم الدولة العثمانية، سمح بسرعة انتشار الطرق وانتقالها من إقليم إلى آخر، بما فيه فلسطين.


ولا تخرج الطرق التي تحظى بحضور قوى في فلسطين عن تلك التي خرجت في سوريا أو العراق ومصر.


وأول هذه الطرق «القادرية»  التي تنسب للقطب الصوفي عبدالقادر الجيلاني، والرفاعية التي ظهرت في العراق على يد القطب الصوفي العراقي أحمد الرفاعي، وأخذت طريقها إلى سوريا وفلسطين ومصر، وباقي دول العالم.


الأحمدية المنسوبة للقطب الصوفي أحمد البدوي الذي عاش في دلتا مصر، هي الأخرى تحظى بحضور قوى في فلسطين، لاسيما الدسوقية لصاحبها إبراهيم الدسوقي، ولد ومات بمصر، والشاذلية، التي تعتبر من كبرى الطرق الصوفية في العالم العربي، وتنسب للقطب المغربي أبوالحسن الشاذلي. ويضاف لها الأكبرية والنقشبندية والتيجانية.


ويتركز انتشار الزوايا الصوفية في مدينتي القدس والخليل، ولا يخرج نشاطها عن حدود الذكر والإنشاد والتسبيح، إلى جانب إقامة الاحتفالات الدينية مثل الذي يقام سنويًا في نابلس بالمولد النبوي ويحضره أفراد من الأديان الثلاثة السماوية.


ورغم عدم وجود تعداد رسمي بحجم الصوفية في فلسطين، لكن المجلس الصوفي قدرهم في إحدى المرات بـ50 ألفًا وهم منتشرون في جميع الأراضي الفلسطينية، ويتركز ما يقرب من 35: 40 ألفًا في غزة والضفة الغربية. وتلقت هذه التقديرات اتهامات بالمبالغة.


ورغم التحولات التي تطرأ على التصوف الفلسطيني، فإن الدكتور أمين يوسف عودة، الأستاذ المشارك، في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة آل البيت الأردنية، قال في دراسته «التصوف في بلاد الشام بين الواقع والمأمول»، إنه برغم نجاح التيار السلفي في تحقيق نفوذ، لكن التصوف يبقى مسلكًا دينيًّا راسخًا في المجتمع، والنمط الديني الأكثر رواجًا بين طبقاته، متابعًا « ومن البديهي أن تستثمر السلطات السياسية الحاكمة هذا الموقف الديني المسالم، وتقوم باحتضانه ودعمه وتمكينه والترويج له، على نحو مباشر أو غير مباشر، بغية الإسهام في المحافظة على استقرار الحكم وسياساته».

للمزيد.. صوفية فلسطين.. بين الذِّكرِ والمقاومة المسلحة

"