رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
ماهر فرغلي
ماهر فرغلي

كيف يرى الدواعش الله؟

الأحد 28/أكتوبر/2018 - 12:46 م
طباعة

لا تستغربوا من قَتْلِ الداعشي لأمه، بدعوى حدِّ الردة، وهذا ما جرى بالفعل من أحد عناصر التنظيم، فهذا شيء طبيعي لمتطرف ليس بالوراثة، لكنه بالتعليم والاكتساب، وما يسمونه التربية على أيدي اللجان داخل الجماعات، التي أوجدت له ما يُشبِع رغباته، ونزعاته العدوانية، وقَدَّمت له في مواقف السلف ما يُقنعه بصحة أفعاله، لذا فهو قد قتلها برضا نفس، وعن قناعة، وأن ذلك نُصرة لدين الله، وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما.


اطلع الداعشي على النص التاريخي الموروث من سيرة ابن هشام، حول استئذان عبدالله بن عبدالله بن أبي سلول، لقتل والده زعيم المنافقين، كما اطلع على نص آخر، ورد فيه أن عبدالرحمن بن أبي بكر بعد أن أسلم قال لأبيه: إنه كان يهرب في المعركة قبل إسلامه، لكن الصديق قال له: لو رأيتُك لقتلتك.


يُدخل الداعشي العضو إلى الخلية، وفيها تُوضع له البرامج لغسيل المخ تدريجيًّا، وأول شيء يتم تربيته عليه، هو تحريم المباحات، وتجريم الصغائر، مثل التمثيل والأغاني، وألعاب التسلية كالشطرنج والطاولة، حتى ينتهوا به إلى تحريم الفن والإبداع.


هنا يتحول العضو إلى شخص معقد ومعزول، وينتقل آليًّا لتحريم كل مظاهر العصر من البنوك إلى الدساتير، كونها ظاهرة لعالم يرفضه، وينظر لكلِّ مَن يعمل بها ويدافع عنها على أنه مُحارب لله.


ينتقل العضو الداعشي المستجد، إلى الاعتقاد بأهمية الشكل، فيُطيل لحيته، ويُكثر من استعمال السواك، وغالبًا يلبس الجلباب أو أزياء المجتمعات المحافظة كالخليج وأفغانستان، ويتحول الدين لديه إلى دين شكلي صِرْف، وبعدها يتغير ذوقه الفني، ويصبح ذوقه وهابيًّا سلفيًّا، وبدلًا من الاستماع إلى القرآن بأصوات أبناء بلده، يبدأ بسماع القرآن بأصوات الخليجيين؛ لاعتقاده أنهم أصل الدين وهم أهل الصلاح.


ويتم تدريس كتب العقيدة للعضو الداعشي، والأهم منها هو كتاب فتح المجيد لمحمد بن عبدالوهاب، ومعارج القبول للسعودي حافظ بن حكمي، وكتاب العقيدة الطحاوية، فيبدأ العضو ليرى الله والدين بشكل مختلف، غير ما نراه ويراه العامة، فيكون الله في عقل الداعشي، كصورة آدم بناءً على حديث خلق الله آدم على صورته، وله عينان بناءً على حديث الدجال أعور وربكم ليس بأعور، وله ساق، بناءً على فهمهم لقوله تعالى: «يوم يُكشف عن ساق»، ويضحك، بناءً على حديث يضحك ربنا، وله يدين، بناءً على فهمهم لقوله تعالى: «يد الله فوق أيديهم»، ويجلس في السماء على العرش، ويستوي عليه بناءً على فهمهم لآية الكرسي، وينزل كل ليلة للسماء الدنيا.


تكون محطة العضو الأخيرة بسماع محاضرات الولاء والبراء، والفرقة الناجية، وملاحم آخر الزمان، فيشرع في تكفير الآخرين والاعتقاد بقرب زوال الدنيا، ويبدأ بالتكفير، والحكم بالردة على الجميع بمن فيهم أهله.


وللعلم، فكل الجماعات الدينية الداعشية منها والسلفية والإخوانية، بها لجان للتربية، وتُدَرِّس الكتب نفسها، ولذا فكل أعضائهم وأتباعهم فشلوا في إعطاء تصور واضح وحقيقى ليس للدين فقط، بل لله ذاته ورسوله، فكيف يتصورون إذن الفهم النقي والوسطي للدين.


الخلاصة أن هناك عمليات تضليل كبيرة تجري بإحكام، عبر تزييف الحقائق، أو تضخيم الأحداث، أو تهوينها، لكل الموروث التاريخي الذي ورثناه، وهذا ما لا يستوعبه عقل صغير، فضلًا عن أن يكون عقلًا أجنبيًّا، دخل في الإسلام من فترة وجيزة، ولذا فلا تستعجبوا من انضمام الآلاف من الأوربيين لـ«داعش».


لذا فإنني أعتقد أن نقد الموروث والتراث هو أكبر من مجرد المراجعة الدينية أو التاريخية، بل هو عملية بناء نفسي وعقلي أولًا.

"