رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
ماهر فرغلي
ماهر فرغلي

ارتدادات الخلاف الجهادي - الجهادي

الإثنين 22/أكتوبر/2018 - 10:18 م
طباعة
محورية البعد السياسي في الخلافات بين الجهاديين لم تكن دون غطاء فقهي، الذي كان أبرز مؤشراته في التمايز المرجعي داخلها، ففي الوقت الذي كانت مرجعيات الفرع العراقي تستند فقهيًّا إلى أبي عبدالله المهاجر، وعمليًّا إلى أطروحات أبي بكر ناجي، كان الجولاني يستند نظريًّا وعمليًّا إلى أطروحات أبي مصعب السوري، ويستند المسؤول الشرعي السابق للنصرة أبو مارية القحطاني إلى المرجعية نفسها، وينحاز كذلك إلى أطروحات عطية الله الليبي. 

على غرار السجال في تراتبية الأعداء، تحولت السجالات الفقهية أيضًا من الجهاديين وكل العلماء إلى المرجعيات الجهادية نفسها، وأصبحت الاتهامات متبادلة، حيث اتهم الجيل الجهادي الثاني على غرار المقدسي وأبي قتادة منظري تنظيم الدولة بصفة الخوارج، في حين اتهمهم هؤلاء بالردة، فتكرست وانحبست نصوص الخطاب الداعشي وتنظيراته، وسياساته الشرعية نحو هدف وحيد في منازلة منتقديها ومحاربيها فقط من منظري السلفية الجهادية والقاعدة الذين شنوا عليهم انتقاداتهم، ومعارضيها من فصائل الثورة السورية التي ترى «داعش» أن حربها أولى من حرب النظام الصائل عليها. 

كذلك من أجل شرعنة سلطة البغدادي تركزت أبحاث منظري «داعش» حول الإمامة، فهي الأصل الذي يدور حوله سائر إنتاج البنعلي منظر داعش، وعليه يدور كل الخطاب الداعشي بالخصوص، ومن أجل هذه الإمامة تكون العمليات الاستشهادية واجبًا وفرضًا رغم إقراره أنه لم يأت بها نص، ومن محدثات الأمور.

ارتدادات الخلاف الجهادي - الجهادي لم تقتصر على الخسائر العسكرية، بل امتدت لتضرب وعاءها التجنيدي، حيث انعكس ذلك سلبًا عليها، وإن كان المجندون من خارج دوائر الصراع انحازوا إلى جانب تنظيم الدولة فإن مناكفته لغيره من الجهاديين خاصة التنظيم المركزي، وإعلان زعيم القاعدة أيمن الظواهري عن وجوب بقاء كل من الدولة الإسلامية في العراق وجبهة النصرة منفصلين والالتزام فقط بالتعاون في القضايا المشتركة، أثر على نظرية عالمية الجهاد وإقامة الدولة الإسلامية.

اتضح فيما بعد أن كل الجماعات الجهادية التي نشأت لاحقًا، خاصة بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق إلى اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية تحدد مرجعيتها في آباء المدرسة الجهادية مثل: سيد قطب وعبدالله عزام، وأبوقتادة الفلسطيني، وأبومصعب السوري، وعطية الله الليبى وغيرهم، بينما قطعت مع المرجعيات الأخرى نهائيًا، على عكس الجيل الجهادي الثاني الذي كان على تواصل مع المرجعيات السنية الأخرى من قبيل الشيخ ابن باز والألباني وابن عثيمين، خاصة بعد موت هؤلاء الثلاثة، حيث قطع مع علماء هذه المدرسة نهائيًا بعد تصنيفهم في خانة علماء السلطان. 

على عكس المراحل السابقة التي كان فيها الجدل الشرعي بين المرجعيات الجهادية وغير الجهادية، أصبح النقاش حاليًا محصورًا بين المرجعيات الجهادية نفسها؛ خاصة مع الانقسامات التي تعرفها بين تنظيم الدولة والقاعدة المركزية، وجبهة فتح الشام. 

كما اتضح أن الأجيال الأخيرة من الجهاديين انطلقت في تدينها مباشرة كجهادية، كون الجهاديين هم الجماعة الدينية الأولى التي احتكت بها، بينما مرت الأجيال الجهادية السابقة بمدارس إسلامية أخرى كالسلفيين والإخوان.

كذلك لم تعد التنظيمات الجهادية تسعى بالضرورة لإسقاط الأنظمة ثم إقامة دولة إسلامية على أنقاضها كما كانت تهدف إليه في السابق، بل تسعى للإعلان عن إمارات بعد سيطرتها على نطاقات جغرافية شاسعة أحيانًا وضيقة أحيانًا أخرى، وتلعب المناكفات بين الجهاديين أنفسهم دورًا في هذا الخيار. 

وما يشار إليه أن التنظيمات الجهادية لا تستطيع الانفكاك من ثوابتها الأيديولوجية، والتي ستبقى المحدد الرئيسي لسلوكها سواء حافظت على علاقة تنظيمية بالقاعدة أو انفصلت عنها، وتلك الأسس الأيديولوجية على غرار الموقف من العملية السياسية والأنظمة، ومختلف مكونات المجتمع، سواء داخل الدائرة السنية، أو خارجها، وهى ما تنتهي غالبًا إلى حالة صدام عنيف.
"