رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

عوامل قوة الاستخبارات المغربية في مواجهة الإرهاب

الأحد 14/أكتوبر/2018 - 02:13 م
المرجع
على بكر- خبير متخصص في شؤون الحركات المتطرفة
طباعة

لعبت أجهزة الاستخبارات خلال السنوات الأخيرة، دورًا مهمًا ورائدًا في مواجهة التنظيمات الإرهابية بمختلف أشكالها، في ظلِّ قدرتها على توجيه ضربات استباقية وإجهاضية لنشاط تلك التنظيمات، وذلك من خلال قدرتها على جمع المعلومات الدقيقة عن عناصرها ومصادر تمويلها وخريطة انتشارها وشبكة علاقاتها الداخلية والخارجية، إضافةً إلى قدرتها عن التنبؤ المستقبلي بمسارات حركتها وأهدافها، وقد أسهمت أحداث الـ11 من سبتمبر عام 2001، في تنامي دور أجهزة الاستخبارات في مواجهة الإرهاب، لاسيما بعد أن أصبح عابرًا للحدود، ويحتاج تعاونًا دوليًّا وإقليمييًّا، خاصةً فيما يتعلق بتبادل المعلومات والبيانات حول أعضاء التنظيمات الإرهابية، التي أصبح بعض أعضائها يتنقل من دولة إلى أخرى، بشكل مستمر، مستخدمًا هويات وأوراقًا مزورة، تمنحها لهم أحيانا –للأسف- بعض الدول الداعمة للإرهاب.


وتعد الاستخبارات المغربية واحدة من أفضل أجهزة الاستخبارات حول العالم؛ وذلك نظرًا لقدرتها العالية في مواجهة التنظيمات الإرهابية وما يرتبط بها من خلايا نائمة، عبر تبنى آليات متكاملة وغير تقليدية في المواجهة؛ حيث تمكنت من تبني مقاربة أمنية صارمة، عقب أحداث 16 مايو 2003، من خلال اعتماد سياسات استباقية تستهدف تفكيك الخلايا المتطرفة والإرهابية، قبل أن تتمكن من شنِّ هجمات إرهابية، خاصةً بعد أن قامت بتعزيز استراتيجيتها بإنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية، والمختص بقضايا الإرهاب والاتجار بالمخدرات والأسلحة([1]).

 

وصنف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقرير له صادر في يوليو 2015، المخابرات المغربية بأنها الأقوى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط؛ نظرًا لما تقوم به من جهد في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وقد جاء هذا التصنيف الأممي بالنظر إلى ما يقوم به جهاز الاستخبارات المغربية من جهد متميز في رصد وتتبع تحركات الجماعات المتطرفة بمختلف أشكالها، داخل الأراضي المغربية وخارجها، وهو ما مكنّها من درء مخاطر الإرهاب والجرائم المهددة للأمن القومي المغربي([2]).


وجزء كبير من التفوق الواضح للاستخبارات المغربية تمثل في تمكنها من تفكيك العديد من الخلايا النائمة، وهو ما أسهم في منع هجمات إرهابية عدة كانت تستهدف مصالح حيوية داخل البلاد، فضلًا عن اعتقال العشرات من العائدين من سوريا والعراق وليبيا بفضل المنظومة الأمنية المتطورة والتي تعززت بإجراءات عدة استباقية وتشريعات جديدة لمراقبة المتشددين وتوقيف العائدين من بؤر التوتر، وهو ما يشير إلى أن الجهاز يمتلك منظومةً أمنيةً لديها كثير من المعلومات الوافية عن جميع الإرهابيين الفعليين والمفترضين.


وبفضل تفوق جهاز الاستخبارات، تمكنت المملكة المغربية من تجاوز الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي تمر بها منطقة المغرب العربي والساحل؛ بسبب التهديدات الإرهابية، وهو ما جعلها نموذجًا يُحتذى به؛ حيث أثبتت الرباط قدرتها على التعامل مع التحديات الأمنية بنجاح وكفاءة بشهادة المراقبين، رغم كون المغرب محاط جغرافيًّا بمجموعة من أبرز البؤر الإرهابية، المتنوعة والمتداخلة فى منطقة الساحل والصحراء، والتي تتميز بعدم التمركز في منطقة محددة، وإنما تتمدد وتنتشر في العديد من دول تلك المنطقة، ما بين جنوب الجزائر وتونس وشمال مالى وتشاد والنيجر، لاسيما فى ظلِّ الهشاشة الحدودية التي تتسم بها تلك المنطقة، خاصة فى ظلِّ ضعف بعض جيوش تلك المنطقة، وعدم قدرتها على حماية حدودها بشكل جيد، لاسيما في ظلِّ اتساع تلك الحدود وتمددها.


ذلك التميز والتفوق الواضح للاستخبارات المغربية في مواجهة الإرهاب وصيانة أمن البلاد من مخاطره، في حالة السيولة والتنوع الذي يتسم به الإرهاب في تلك المرحلة، يطرح تساؤلًا مهمًّا حول عوامل قوة الاستخبارات المغربية في مواجهة العناصر والتنظيمات الإرهابية، التي صارت تمثل صداعًا مزمنًا للعديد من دول العالم، في ظلِّ قدرتها الكبيرة على شنِّ هجمات دموية تطول الدول والمواطنين على حد سواء.

عوامل قوة الاستخبارات

أولاً:- جهود متميزة:

أدت الجهود الاستخباراتية المغربية القائمة على مراعاة البعدين الأمني والسياسي في آن واحد، إلى تقليل المخاطر الأمنية التي تأتي سواء من دول الجوار، في ظلِّ تركز العديد من التنظيمات الإرهابية القاعدية والداعشية على حد سواء، لاسيما في ظلِّ استهداف تلك التنظيمات للمغرب، خاصة بعد تهديد تنظيم داعش باستهداف المغرب، وهو ما أشار إليه تصريح «أبوالوليد الصحراوي» في مايو 2016، عبر التسجيل الصوتي الذي يدعو فيه عناصر التنظيم؛ لاستهداف بعثة الأمم المتحدة المشاركة في استفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» واستهداف المجمعات السياحية ومقار الأمن والشركات الأجنبية في المغرب، في خطوة تعكس تحول استراتيجية التنظيم، تجاه المغرب ورغبته في استهدافها([3]).


ورغم ذلك فشل التنظيم في اختراق المغرب؛ حيث لم يتمكن من إنشاء فرعٍ له هناك، على غرار فروعه في وليبيا واليمن ونيجيريا، أو القيام بعمليات إرهابية مباشرة داخل البلاد، وذلك نظرًا لقوة الأجهزة الأمنية المغربية، حتى المجموعات الداعشية القريبة جغرافيًّا من المغرب، مثل جند الخلافة لم تتمكن من الوصول إلى الأراضي المغربية، لذا اضطر «التنظيم» إلى الاعتماد على أسلوب الخلايا النائمة.

 

وقد تمكنت الاستخبارات المغربية من تفكيك عدد ضخم من الخلايا الداعشية النائمة، على غرار الخلية التي أعلنت السلطات عن تفكيكها مؤخرًا في الـ6 من شهر سبتمبر 2018، وكانت تنشط بمدينتي تطوان وأكادير؛ حيث تمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، من تفكيك خلية إرهابية، تتكون من 3 أفراد تتراوح أعمارهم بين 25 و26 سنة، وفي نفس الشهر تم الإعلان عن توقيف 12 مشتبهًا بهم ينتمون لـ«شبكة إرهابية»، تنشط في مدينتي طنجة والدار البيضاء، وذلك من خلال بيان مشترك للمديرية العامة للأمن الوطني (الشرطة) والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية)([4]).


وقد شهدت المغرب خلال الآونة الأخيرة تفكيك عدد ضخم للغاية من تلك الخلايا، كان من أشهرها الخلية التي أعلن عن تفكيكها في 16 سبتمبر 2016، وكانت مكونة من 8 شباب مناصرين لتنظيم «داعش» ينشطون في مدينتي «فاس» و«طنجة»، شمال المملكة المغربية، وقبلها أعلن في الـ3 من أكتوبر 2016،  كما لم يقتصر نشاط تلك الخلايا على الرجال فحسب، بل تعداها إلى النساء، وهو ما يشير بقوة إلى جهود الاستخبارات المغربية في التوصل إلى تلك الخلايا، مثل الخلية المكونة من 10 نساء مغربيات كانوا يستعدون للقيام بعمليات انتحارية في بعض المدن بالمملكة المغربية، وأن هؤلاء النسوة قد بايعن زعيم تنظيم «داعش»، وكانوا على علاقة وثيقة بعناصر التنظيم في سوريا والعراق، وأنهم كانوا يهدفون إلى تجنيد أعضاء لإرسالهم إلى منطقة الصراع.


والجهود المتميزة للاستخبارات المغربية في تفكيك الخلايا الداعشية النائمة، جاء نتيجة تراكم خبرات واسعة ومتراكمة في تفكيك التنظيمات الإرهابية؛ حيث تمكنت خلال العقود الأخيرة من تفكيك بعض المجموعات التي كان لها وجود داخل البلاد، على غرار «الجماعة الإسلامية المغربية المقاتلة»، والتي تم تداول اسمها بقوة عقب اعتداءات 16 مايو 2003، التي استهدفت مدينة الدار البيضاء[5]؛ حيث لم يعد لهذا التنظيم أي وجود أو نشاط على الأراضي المغربية، كما أنها تمكنت من منع أي وجود تنظيمي لكل من داعش والقاعدة، رغم أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب ينشط بقوة في منطقة الساحل والصحراء ويوجد على حدود متاخمة للمغرب، ورغم ذلك لم يتمكن من ممارسة نشاطه داخل البلاد؛ حيث اقتصر نشاطه فقط على تجنيد بعض العناصر المتطرفة التي تم إرسالها إلى العراق وسوريا، ورغم ذلك فإن معظمها معروف لدى السلطات المغربية.


وقد أدت الجهود الكبيرة التي قام بها جهاز الاستخبارات المغربي، خاصة فيما يتعلق بتفكيك الخلايا النائمة إلى استقرار الوضع الداخلي في المغرب؛ حيث ارتفع عدد تلك الخلايا الإرهابية إلى ما يقرب من 63 خلية منذ عام 2015 كانت تخطط لارتكاب أعمال إرهابية في المغرب، موزعة ما بين 21 خلية عام 2015 و19 خلية في 2016 و18 خلية عام 2017، بضعة خلايا أخرى خلال العام الحالي 2018 ([6])، وبالتالي فإن يقظة الاستخبارات المغربية منعت وقوع أي حوادث إرهابية على مدار السنوات الأخيرة، رغم النشاط الكبير للدواعش المغاربة الذين لايزالون في مناطق القتال وتوفر عناصر تغذي التطرف والإرهاب في المغرب؛ لذا فإن استراتيجية عمل الأجهزة الأمنية المغربية كانت ناجحة، وحققت حصيلة إيجابية جدًّا بالنظر إلى عدد الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها خلال السنوات الأخيرة الماضية.


ويعد تفكيك كل هذا العدد الكبير من الخلايا الإرهابية النائمة إنجازًا ضخمًا للغاية يحسب للاستخبارات المغربية؛ حيث إن مواجهة تلك الخلايا والقضاء عليها يعد من أصعب أنواع المواجهة مع الإرهاب، إذ تتسم تلك الخلايا بالسرية الشديدة نظرًا لأنه يصعب معرفة عناصرها؛ لأنه لا يوجد لها هيكل تنظيمي، ومن ثم فإن التوصّل إلى خلية لا يسهل كشف بقية الخلايا، خاصة وأن عناصرها غالبًا ما تكون متخفية وتعيش في مناطق سكنية مختلفة؛ ليسهل عليهم العمل من خلالها دون أن يشعر بهم أحد، كما أن عناصر تلك الخلايا غالبًا ما تعمل تحت أغطية مختلفة كالمؤسسات الدينية واتحادات الطلبة والمراكز الثقافية والمراكز الخيرية([7]).

عوامل قوة الاستخبارات

ثانيًا:- أهم آليات الاستخبارات المغربية في مواجهة التنظيمات الإرهابية:

تلقى جهاز الاستخبارات المغربية خلال السنوات الأخيرة إشادة واسعة من أطراف دولية أوروبية، مثل: بلجيكا وفرنسا وأسبانيا، لما قدمه من معطيات استخباراتية مكنّت تلك الدول من تجاوز وقوع اعتداءات إرهابية، كان من الممكن أن تمثل تهديدًا خطيرًا لأمنها واستقرارها وقد كان من ضمن آثار هذه النجاحات المذهلة، أن أصبحت أجهزة المخابرات العالمية تخطب ود الاستخبارات المغربية وتسعى إلى توقيع اتفاقيات شراكة معها، للتعاون الأمني وتعزيز قدراتها، لاسيما وأن نجاحاتها قد تجاوزت الأراضي المغربية إلى أوروبا؛ حيث أعلنت دول أوروبية عن إحباطها هجمات إرهابية وشيكة بفضل معلومات استخباراتية وصلتها عبر الاستخبارات المغربية، وهو ما يضاف إلى جهودها الكبيرة في اختراق وتفكيك العديد من الخلايا الإرهابية، فضلًا عن منعها للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود من الوجود على الأراضي المغربية، وهو ما يفرض ضرورة إلقاء الضوء على أهم الآليات التي ساهمت في نجاح وتفوق الاستخبارات المغربية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، والتي يمكن تحديد أبرزها في النقاط التالية:


أولاً:- الاختراق والتجنيد

تتكون الاستخبارات المغربية من جهازين رئيسيين: الأول، يُعرف باسم «لادجيد» وهو يهتم بمكافحة التجسس في داخل البلاد وخارجها، واستباق الأحداث أو المخاطر التي قد تهدد أمن الدولة عبر أجهزته وعملائه السريين، ويُعرف الجهاز الثاني باسم «الديستي»، ويعني «المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني»، وهو يعمل على ضمان الأمن الداخلي بتنسيق مع أجهزة وزارة الداخلية التي توفر لهذا الجهاز المعطيات الأساسية([8]).


وتعتمد الاستخبارات المغربية في مواجهاتها للتنظيمات الإرهابية على عملية الاختراق، عبر تجنيد العديد من العناصر داخل هذه التنظيمات، فضلًا عن المراقبة الدقيقة لكل المشتبه بعلاقاتهم بالتنظيمات المتطرفة، خاصة بعد أن أصبحت بعض التنظيمات المتطرفة وخاصة داعش تسعى إلى استقطاب الشباب المغربي لصفوفها، وهو ما دفعه إلى تجنيد خلايا مهمتها إرسال الشباب للقتال في العراق وسوريا، على غرار الخلية التي تمكنت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بتنسيق مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، من تفكيكها في يونيو 2014، وكانت مكونة من 6 أشخاص من بينهم معتقل سابق، وكانوا يعملون على تجنيد المتطوعين، وتوفير الدعم المالي لهم عبر التبرعات المالية والإتجار في السلع المهربة([9]).


وقدرة الاستخبارات المغربية على اختراق المجموعات الإرهابية، لم تتوقف عند المتطرفين المغاربة، بل تعدتها الى العناصر الموجودة في أوروبا ممن يرغبون في شنِّ هجمات بالمغرب؛ حيث تم الكشف عن دور الاستخبارات المغربية في تحديد هويات المتهمين في هجوم برشلونة، وكذلك مساعدة فرنسا في العثور على المشتبه فيه الرئيسي في هجمات باريس بمسرح «باتكلان»، ضمن تعاون وثيق مع السلطات الأوروبية.


ثانيًا:-التنسيق القوي بين الأجهزة

 تتوفر لدى وزارة الداخلية المغربية 5 أجهزة مخابراتية، تتمثل في مديرية الشؤون العامة، التي تهتم بوضع قاعدة بيانات ومعطيات عن المواطنين داخل البلاد، وجهاز الاستعلامات العامة المكلف بتغطية المظاهرات والأنشطة الحزبية، وكذلك مديرية الشؤون الملكية ومهمتها حماية المؤسسة الملكية ومراقبة تحركات الحراس، إضافة إلى جهاز الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني وهو مكلف بمكافحة التجسس داخل المملكة المغربية ومراقبة جميع الأعمال والنشاطات التي يمكنها أن تمس بسلامة الدولة، إلى جانب مديرية شرطة الاتصالات والموجات والتي تختص برصد كل الكلمات المشبوهة الواردة ضمن مكالمات هاتفية ويتم تسجيلها تلقائيًّا لإعادة تحليلها، وهذه الأجهزة بينها تنسيق وتعاون دائم ومستمر.


كما أن التعاون بين الاستخبارات الخارجية «لادجيد» والداخلية «الديستي» قد ساهمت بشكل كبير في تطور أداء الاستخبارات المغربية وتفوقها خلال السنوات الأخيرة؛ حيث يرجع له الفضل في ما وصلت إليه المخابرات المغربية من فاعلية وقوة نالت اعترافًا وتنويهًا من الجميع دول ومنظمات إقليمية ودولية، وأصبحت نموذجًا تسعى كثير من الدول إلى الحذو حذوه ([10])، وقد ظهرت أهمية هذا التنسيق بين الأجهزة في قدرتها على مواجهة الإرهاب داخليًّا وخارجيًّا، لاسيما في ظلِّ سعيها الدائم للحصول على المعلومات داخليًّا وخارجيًّا، وهو ما أشارت إليه تصريحات مدير المكتب المركزي للتحقيقات القضائية في المغرب، عبدالحق الخيام، بمناسبة الذكرى الأولى للهجمات الإرهابية في برشلونة، التى أودت بحياة 13 شخصًا، «لقد طلبنا من نظرائنا الغربيين أن يشاركوننا البيانات التي تتوافر لديهم»، لاسيما وأن من بين الدروس الأساسية التي يمكن استخلاصها من مواجهة الإرهاب خلال الفترة الماضية هو الحاجة إلى دعم وتعزيز التبادل الدائم للمعلومات بين مختلف الأجهزة الأمنية([11]) .


ثالثًا:- التعاون الخارجي

من أهم عوامل قوة الاستخبارات المغربية هو تعاونها القوي مع أجهزة الاستخبارات الخارجية، من خلال تبادل الخبرات والمعلومات، لاسيما وأن المغرب حاضر بقوة في مجال التنسيق الأمني بين مختلف دول العالم في إطار محاربة الظاهرة الإرهابية في المنطقة؛ حيث أن المملكة المغربية مدت جسور التعاون مع معظم دول العالم؛ من أجل تبادل المعلومات، فعلى سبيل المثال تعاونت الاستخبارات المغربية مع نظيرتها الأسبانية للحدِّ من تنامي نشاط المجموعات الإرهابية التي تسعى إلى القيام بأعمال عنف داخل المملكة وتجنيد الشباب المغربي للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية سواء في سوريا أو العراق، وهو ما ساعدها على تفكيك خلايا إرهابية خارجية، كانت تمثل خطرًا على الأمن القومي للمملكة، على غرار تفكيك خلية التونسي محمد بن الهادي مساهل، المرتبطة بالقاعدة وبالجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية «GSPC» سابقًا، في مارس 2006، وتمكنها من إفشال عدد من المخططات الإرهابية التي كانت تستهدف مقر مديرية مراقبة التراب الوطني سابقًا بفرنسا، وقطار الأنفاق في ميلانو، وكنيسة «سان بيترونيو» في مدينة بولونيا.


ومن جهة أخرى، فقد استفادت دول عدة من التعاون مع الاستخبارات المغربية بشكل كبير، من خلال حصولها على معلومات قيمة عن العناصر والتنظيمات التى تهدد أمنها واستقرارها، على غرار المعلومات التي قدمتها للجهات الأمنية في الدانمارك عن مخطط إرهابي في شكل عملية انتحارية بتوجيه ودعم من تنظيم «القاعدة» ضد الرسام الكاريكاتوري الدنماركي «Kurt Westergaard»، كما قدمت معلومات ميدانية مهمة حول عملية خطف الرهائن في موقع عين «أميناس» في الجنوب الجزائري، والتي نفذتها في يناير 2013، المجموعة الإرهابية المسماة «الموقعون بالدم»([12]).


كما أن التعاون بين الأجهزة الأمنية المغربية ونظيراتها الأوروبية مكَّن في أكثر من فرصة من إحباط مجموعة من الاعتداءات الإرهابية في أوروبا، موضحًا أن «اعتداءات وشيكة كانت تستهدف دول أوروبية عدة، وبالأخص فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، وتم إحباطها بفضل تبادل معلومات استخباراتية مهمة بين الأجهزة الأمنية المغربية ونظيراتها الأوروبية»([13]).

 

رابعًا: استراتيجية الإنذار المبكر 

من أهم السمات المميزة لجهاز الاستخبارات المغربية في محاربة الإرهاب والوقاية من مخاطره على المملكة، اعتماد سياسة الإنذار المبكر عن واقع التهديدات الإرهابية ضد البلاد، والكشف السريع عن الخلايا الإرهابية أو الأشخاص الذين يحاولون التجنيد ضمن التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود لاسيما تنظيم «داعش»، والقضاء على مخططاتهم التي يسعون إلى تنفيذها وأيضًا الكشف عن الأماكن التي يستعملها هؤلاء في الاختباء أو إخفاء الأسلحة والذخائر.


كما تمتلك الاستخبارات المغربية تقنيات عالية للغاية في مجال التنصت على المكالمات ومراقبة الإنترنت وموجات الرادار، وذلك لاستباق الأخطار التي تهدد البلاد ويتوفر هذا الجهاز على قاموس من الكلمات والعبارات المشبوهة بجميع اللغات المعتمدة في المغرب، وفي حالة ما تم رصد ورود إحدى هذه الكلمات يتم تحويل المكالمة إلى مكلفين بتحليلها والتدقيق فيها أنه يتم تفكيك الخلايا الإرهابية في المغرب، عندما تقترب من مرحلة التنفيذ، بعد شهور من الرصد والتتبع من قِبَل الأجهزة الاستخباراتية المغربية([14]).


لذا فان يقظة الاستخبارات المغربية منعت وقوع أية حوادث إرهابية على مدار السنوات الأخيرة، رغم النشاط الكبير للدواعش المغاربة الذين لايزالون في مناطق القتال وتوفر عناصر تغذي التطرف والإرهاب في المغرب فإن استراتيجية عمل الأجهزة الأمنية المغربية كانت ناجحة وحققت حصيلة إيجابية جدًا بالنظر إلى عدد الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها خلال السنوات الأخيرة الماضية([15]).


خامسًا: خصوصية النظام القضائي

يتميز المغرب في مواجهة الجريمة الإرهابية، باختياره للنظام القضائي الموحد الذي يجمع بين الجهة التي توفر المعلومة الاستخباراتية والتحري فيها، ويتمثل هذا النظام القضائي الموحد في إحداث فرقة وطنية للشرطة القضائية التابعة لمصالح مديرية مراقبة التراب الوطني تحت مُسمى«المكتب المركزي للأبحاث القضائية»؛ حيث تم منح الصفة الضبطية إلى عناصر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.


ويختلف هذا النظام عن المعمول به في العديد من دول العالم التي اختارت الفصل بين الجهة الإدارية التي توفر المعلومة والجهة القضائية التي تتولى التحقيق مع المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إرهابية، ويستند الجهاز القضائي في عمله على مجموعة القانون الجنائي، الذي جرم مجموعة من الأفعال واعتبارها جرائم إرهابية؛ «إذا كانت لها علاقة عمدا بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف»([16]).


أخيرًا، وفي ضوء ما سبق، فإن الأرقامُ والمعطيات فيما يتعلق بمواجهة الإرهاب في المغرب، خاصة فيما تتعلق بتفكيك الخلايا النائمة، تدل على مدى قوة ومهارة الاستخبارات المغربية في مواجهة الإرهاب والتطرف بشكل عام، وأنها تمثل نموذجًا جيدًا يمكن أن يُحتذى به في دول المنطقة، لاسيما في ظلِّ القدرة على التصدي لظاهرة الإرهاب، خاصة وأن المملكة محاطة بشبكة معقدة ومتداخلة من التنظيمات المتطرفة التي تنشط في شمال وغرب أفريقيا، والتي تتنوع ما بين المجموعات القاعدية والداعشية التي توجد في دول قريبة جغرافيًّا من المغرب.


ومن جهة أخرى فإن نجاح الاستراتيجية المغربية في مجال مكافحة الإرهاب يؤكد أهمية اعتماد مقاربة شمولية، تكون قادرة على الإحاطة بكل عوامل التطرف ومسبباته الاجتماعية والدينية والفكرية، وهو ما يحتاج إلى رؤية تكشف المزيد من العوامل النفسية والاجتماعية، إلى جانب وجود سياسة أمنية ذات فعالية على الأرض تستطيع عزل الجماعات المتطرفة وتمنع تمددها الإقليمي والمحلي.



[1] ) محاصرة التشدد: ملامح التجربة المغربية في إدماج التيارات السلفية.

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية- 8 نوفمبر 2018

  https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/2098/

 

[2] ) الأمم المتحدة تصنف المخابرات المغربية الأقوى بشمال أفريقيا والشرق الأوسط – موقع جريدة العرب – يوليو 2015

    https://alarab.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-

[3] ) المغرب محور اهتمام «داعش» – موقع RT   العربية – 11 مايو 2016.

    https://arabic.rt.com/news/822748-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-

 

 

[4] ) نجاح مغربي في تفكيك شبكة إرهابية- موقع ميدل ايست اون لاين – 18 – سبتمبر 2018.

    https://middle-east-online.com/%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%AD-

 

 

[5] ) الجماعة المغربية المقاتلة والبحث عن التمايز التنظيمي – موقع مغرس – نوفمبر 2009

   https://www.maghress.com/almassae/30887

 

[6] ) تنظيم «داعش» يفشل في اختراق منظومة أمن المغرب – موقع SPUTNIK – 7 سبتمبر 2018.

  https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201809071035152909-

 

 

[7] ) خلايا الإرهاب النائمة معركة العالم المقبلة – موقع البيان الإمارتي – 19 ديسمبر 2017

   https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2017-12-19-1.3135803

 

[8] ) 4 حقائق.. قد لا تعرفها عن المخابرات المغربية  - موقع أصوات مغاربية – 22 أغسطس 2017

       https://www.maghrebvoices.com/a/security-morocco/385430.html

 

  

[9] ) مسار تفكيك الخلايا الإرهابية بالمغرب -  موقع برق -  18 أكتوبر 2016

    https://barq-rs.com/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B1-

 

[10] ) هكذا تشتغل الأجهزة الأمنية في المـغرب من «الديستي» إلى «لادجيد» وصـــــــــــولًا إلى «إف بي أي» المغربي.

   موقع rihana press – 29 مارس 2015

  http://www.rihanapress.com/index.php/ar/journaux/1951-2015-03-29-22-22-05.html

 

[11] ) عبدالحق الخيام، التعاون بين الأجهزة الأمنية المغربية ونظيرتها الإسبانية "ممتاز"

    موقع ميدى 1 – 16 أغسطس 2018

     https://www.medi1.com/article/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82-

 

[12] ) هكذا جنبت المخابرات المغربية أصدقاءها حمامات دم – موقع AHDATH.INFO – 29 نوفمبر 2015

    http://ahdath.info/125297

 

[13] ) مكافحة الإرهاب في 2017 .. استخبارات يقظة و«حصيلة من ذهب» -  12 ديسمبر 2018

   https://www.hespress.com/societe/375993.html

 

[14] ) بعد تفجيرات 16 مايو.. خبراء: هذه وصفة المغرب لمحاربة الإرهاب – موقع أصوات مغاربية – 17 مايو 2018

     https://www.maghrebvoices.com/z/622/2018/8/21?p=34

 

   

[15] )  تنظيم «داعش» يفشل في اختراق منظومة أمن المغرب – موقع SPUTNIK – 7 سبتمبر 2018.

  https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201809071035152909-

 

[16] ) المخابرات المغربية مطلوبة لتأمين الأحداث الكبرى في أوروبا و الجزائر تنحني لعاصفة الغضب المغربي

   موقع انفوميديا  -  23 اكتوبر 2018 –

    http://www.infomedia.ma/2017/10/23/313826/%D8%B5%D8%AD%D9%81-

 

"