رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
عبدالرحيم علي
عبدالرحيم علي

الصراع الاستخباراتي في منطقة الشرق الأوسط

السبت 13/أكتوبر/2018 - 07:46 م
طباعة
احتفل المصريون والعرب هذا الشهر بالعيد الخامس والأربعين لانتصارات أكتوبر ١٩٧٣، تلك الانتصارات التي مثّلت نقطة تحول كبيرة في مصير المنطقة، بعد أن فتحت الحرب الباب على مصراعيه لصراع استخباراتي كبير بين عدة أقطاب حول مصير المنطقة، وضعت خلاله مخططات عديدة؛ بهدف إعادة رسم خرائط جديدة لتلك المنطقة تختلف كليًّا عن تلك الخرائط التي ثبتتها أوضاع ما بعد معاهدات «سايكس بيكو» الشهيرة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

كان العامل المشترك لكل تلك المخططات هو ضمان أمن وسلامة إسرائيل، والحيلولة دون تكرار تلك الهزيمة التي مني بها الجيش الإسرائيلي من قبل العرب مرة أخرى.
 
البداية: مشــــروع برنـــارد لويــس
تمخض التفكير الذي دام أكثر من سبع سنوات عن مشروع سُمِّي فيما بعد بمشروع برنارد لويس عام 1980؛ حيث كانت الحرب العراقية الإيرانية مستعرة، وصدرت تصريحات من مستشار الأمن القومي الأمريكي «بريجنسكي» أكد فيها أن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية منذ الآن هي كيفية تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الحرب الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران، تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود «سايكس بيكو» القديمة وإيجاد حدودٍ جديدةٍ تُرسي قواعد مختلفة للعبة السياسية في المنطقة.

وعقب إطلاق هذا التصريح، وبتكليف من البنتاجون، بدأ المستشرق البريطاني الأصل اليهودي الديانة «برنارد لويس» في وضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية جميعًا، كلٌّ على حدة عام ١٩٨١.

تضَمَّن المشروع بلدان العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول الشمال الأفريقي.. وغيرها، واشتمل على خطة لتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وأَرْفَقَ بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه تشمل جميع الدول العربية والإسلامية المرشحة للتفتيت بوحي من مضمون تصريح «بريجنسكي» مستشار الأمن القومي الأمريكي.

انطلق برنارد لويس في مشروعه من أن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضرهم، وإذا تُركوا سوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقود المجتمعات إلى الهلاك؛ لذا فإن الحل المناسب والمتاح هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم وتطبيقاتها الاجتماعية، مستفيدين في ذلك من التجربتين البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ وذلك لتجنب الأخطاء.

وشدد لويس على ضرورة إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، على أن تكون المهمة المُعْلَنَة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية؛ ولذلك يجب تضييق الخناق على تلك الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن يتم غزوها بواسطة كل من أمريكا وأوروبا وتدمير حضارتها، وأشار أيضًا إلى أن الكيان الصهيوني يمثل الخطوط الأمامية الدفاعية للحضارة الغربية، وهو يقف بالمرصاد أمام الحقد الإسلامي نحو الغرب الأوروبي والأمريكي.

ولقد كانت الدولة الإيرانية بصورتها الحالية هي محور المشروع الغربي لتأصيل الطائفية، فضلًا عن الأحلام التوسعية القديمة، والتي وجهت سياسات الدولة الفارسية منذ نشأتها وحتى الآن، وأحقادها المتوارثة تجاه كل ما هو إسلامي سُنّي، فمن أراضيها انطلقت كل دعاوى الفتنة والطائفية التي مازالت تستعر حتى الآن، فاضطلعت القوى الاستعمارية الغربية إلى دعم المعارضة الإيرانية خلال حكم دولة الشاه؛ لتمكين حكم الملالي؛ وذلك لاستثمار الخلاف السُّنِّي الشيعي في دفع المشروع الغربي نحو الأمام.

ويكفي لمعرفة مدى تصميم «لويس» على هدفه، أن نشير إلى انتقاده الدائم محاولات الحل السلمي للصراع العربي الصهيوني، وانتقاده الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، واصفًا هذا الانسحاب بأنه عمل متسرِّع ولا مبرر له، فالكيان الصهيوني يمثل الخطوط الأمامية للحضارة الغربية.

وعندما دعت أمريكا عام 2007م إلى مؤتمر «أنابوليس» للسلام، كتب لويس في صحيفة (وول ستريت) يقول: «يجب ألا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك مؤقت، غايته تعزيز التحالف ضد الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضًا، كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل».

الكونجرس الأمريكي
وفي عام 1983 وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع برنارد لويس، وتم تقنينه واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية في السنوات المقبلة، وتم وضع آلياته وخطط تنفيذه، واكتملت تلك التحركات في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، وتفكيك الكتلة الشرقية في مطلع التسعينيات.

لقد قسمت المنطقة إلى 19 دولة، كلها تتكون من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة، والتي تعادي كل منها الأخرى، وعليه فإن كل دولة عربية إسلامية مُعَرَّضَة اليوم لخطر التفتت العرقي والاجتماعي في الداخل إلى حد الحرب الداخلية، كما هو الحال في بعض هذه الدول.

أوضحت ذلك وثائق «كيفونيم» التي نشرت في فبراير 1982م في الدورية التي تصدر باللغة العبرية في القدس، تحت عنوان «استراتيجية إسرائيل خلال الثمانينيات»، وكتبها «يورام بيك».

احتوت هذه الوثائق على الخطة الكاملة لتفكيك وتقسيم العالم العربي إلى دويلات صغيرة، ويحمل المشروع تفاصيل المشروع الصهيو-أمريكي لتفتيت العالم الإسلامي بالشكل التالي:

■ دول شمال أفريقيا؛ حيث يتم تفتيت (ليبيا والجزائر والمغرب)؛ بهدف إقامة دولة البربر على امتداد دويلة النوبة بمصر والسودان، ودويلة البوليساريو، والمتبقي من دويلات المغرب والجزائر وتونس وليبيا، وتقسيم مصر إلى 4 دول (دولة النوبة، دولة مسيحية في غرب البلاد، دولة إسلامية في الوسط، دولة خاضعة للنفوذ الصهيوني، وتشمل شبه جزيرة سيناء حتى نهر النيل).

■ شبه الجزيرة العربية والخليج: إلغاء دول الخليج بالكامل ومحو وجودها الدستوري؛ بحيث تتضمن منطقة شبه الجزيرة العربية والخليج 3 دويلات فقط، وهي دولة الأحساء الشيعية، وتضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين، وأجزاءً من المملكة العربية السعودية، ودولة نجد السنية وتشمل جزءًا من المملكة العربية السعودية الحالية وأجزاءً من اليم، ودولة الحجاز السنية وتشمل جزءًا من المملكة العربية السعودية، وأجزاءً من اليمن.

■ العراق: تفتيت العراق على أسس عرقية ودينية ومذهبية، دولة شيعية بالجنوب حول البصرة، دولة سنية في العراق حول بغداد، دولة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل بكردستان تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية والسوفييتية سابقًا.

■ سوريا: تم وضع خطة لتقسيمها إلى أقاليم متميزة عرقيًّا ودينيًّا ومذهبيًّا (دولة علوية شيعية على امتداد الشاطئ، ودولة سنية في منطقة حلب، ودولة أخرى سنية حول دمشق، ودولة الدروز في الجولان ولبنان «الأراضي الجنوبية السورية وشرق الأردن والأراضي اللبنانية»)، وهذا ما حاولوا تنفيذه على الأرض في سوريا عبر تحطيم الجيش السوري، وإنهاكه في حرب طويلة برعاية الجماعات والحركات المتطرفة، مثل «داعش» و«جبهة النصرة» لولا المساعدة الروسية التي قدمت لنظام بشار الأسد، من وحي الوعي الروسي الكامل بالمخطط وضرره على المنطقة.

■ لبنان: واعتمد في تقسيمها إلى عدة دويلات متميزة عرقيًّا ومذهبيًّا ودينيًّا (دويلة سُنِّية في الشمال عاصمتها طرابلس، ودويلة مارونية في الشمال عاصمتها جونيه، ودويلة سهل البقاع العلوية عاصمتها بعلبك خاضعة للنفوذ السوري شرق لبنان، ودويلة في بيروت تحت الوصاية الدولية، وكانتون فلسطيني حول صيدا وحتى نهر الليطاني، وكانتون كتائبي في الجنوب وتشمل المسيحيين والشيعة، ودويلة درزية في الأجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية، وكانتون مسيحي تحت النفوذ الإسرائيلي).

■ الأردن: تصفية الدولة وإلغاء كيانها الدستوري ونقل سلطتها للفلسطينيين.

■ فلسطين: (هدم مقوماتها وإبادة شعبها في طريق تكوين إسرائيل الكبرى).

■ إيران وباكستان وأفغانستان: يتم تقسيمها إلى (10) كيانات عرقية ضعيفة، وهي: «كردستان، وأذربيجان وتركستان، وعرب ستان، وإيران ستان، وما بقي من إيران بعد التقسيم: وبلونستان، وبخونستان، وما بقي من أفغانستان بعد التقسيم، وما بقي من باكستان بعد التقسيم، وكشمير».

■ تركيا: انتزاع أجزاء منها وضمها إلى الدولة الكردية المزمع إقامتها بأجزاء من دولة العراق الحالية.
 
الفوضـــى الخَلّاقــــة
في شهر سبتمبر عام ٢٠٠٢، أعلنت «كونداليزا رايس»، مستشارة الأمن القومي الأمريكي واستمرارا للمخطط الأمريكي الهادف لتفتيت المنطقة، أن الولايات المتحدة تريد تحرير العالم الإسلامي، ونشر الأسلوب الديمقراطي في ربوعه أولًا، وتريد آخرًا تغيير الأنظمة السياسية العربية، وفي السابع من أغسطس ٢٠٠٣ عادت كونداليزا رايس مرة أخرى لتتحدث عن المشروع الأمريكي الخاص بالتغيير في الشرق الأوسط، وذلك عبر مقال لها في صحيفة «واشنطن بوست» بعنوان «تأملات في التحول المنتظر بالشرق الأوسط»، جاء فيه أن الولايات المتحدة سبق لها أن تعهدت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بقليل، بتحويل أوروبا في المدى البعيد، وقد التزمت بذلك مع الأوروبيين بالديمقراطية والازدهار، «وهو ما تمكنّا من تحقيقهما اليوم، والآن يتعين على الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها العمل من أجل تحقيق تحول في المدى البعيد في جزء آخر من العالم وهو «الشرق الأوسط».

وعادت «رايس» لتبشر بولادة «شرق أوسط جديد»، سينمو ليحقق «حلًا سحريًّا» لعلاج أزمات المنطقة المزمنة؛ حيث وصفت العدوان على لبنان بأنه «آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد»، ووضحت عبارتها بالآتي: «حان الوقت لوجود شرق أوسط جديد.. حان وقت القول لمن لا يريدون «شرق أوسط» جديدًا: إن الغلبة لنا».

ثم تعترف رايس بأن مسيرة تحول الشرق الأوسط لن تكون سهلة، وستأخذ وقتًا من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، ووفقًا لتصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين، فإن إدارة الرئيس الأمريكي بوش دعت في يونيو ٢٠٠٤ الحكومات العربية وحكومات دول جنوب آسيا لتبني إصلاحات سياسية كبرى، ومنها إقامة نظم للمحاسبة فيما يتصل بانتهاكات حقوق الإنسان، وبالذات ما يتصل منها بحقوق المرأة، وكذلك العمل على طرح بعض الإصلاحات الاقتصادية.

وفي أبريل عام ٢٠٠٥ وفي إجابتها عن سؤال وُجه لها، عن الفوضى التي يمكن أن يولّدها التدخل الأمريكي في «الشرق الأوسط»، قدمت رايس الفرضية التي تقوم عليها نظريتها، وهي: «أن الوضع الحالي ليس مستقرًّا، وأن الفوضى التي تنتجها عملية التحول الديمقراطي في البداية، هي فوضى خلاقة، ربما تنتج في النهاية، وضعًا أفضل من الذي تعيشه حاليًّا».

وفي حديثه عن الفوضى الخلاقة حدد «توماس بارنيت»، أحد أهم المحاضرين الرئيسيين في وزارة الدفاع، منطقة «الشرق الأوسط»، للبدء بتطبيق الاستراتيجية الجديدة بها، ورأى أن الدبلوماسية لا تعمل في منطقة، لا تكمن مصادر التهديد الأمنية فيها في علاقات الدول البينية، بل هي في داخل دول المنطقة- ذاتها- ثم وصل بارنيت إلى مرحلة الفوضى الخلاقة؛ إذ تصور شكلًا معينًا لحدوثها، من نوع الانهيار الكبير، أو التفكك الإقليمي.

وينظر «بارنيت» إلى التدخل المباشر من قوى خارجية باعتباره العامل المساعد الأعظم من أجل حدوث الفوضى الخلاقة، إذ يقول: «إن الشيء الوحيد الذي سيغير المناخ الشرير، ويفتح الباب لفيضان التغيير، هو أن تتدخل قوة خارجية لتفتح باب التغيير، ونحن الدولة الوحيدة، في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي يمكنها ذلك»، ثم يحسم حدود هذه النظرية، بالقول: «إن هدف هذه الاستراتيجية، هو انكماش الثقب، وليس مجرد احتوائه».

هذه الفكرة، أكدها «جار هارت»، الخبير في الاستراتيجية والأمن القومي، عندما أشار في كتابه «القوة الرابعة» إلى أنه «يجب على ناشر الديمقراطية أن يأخذ في الحسبان هذا العصر الثوري، وأن يأخذ في الحسبان أن الحقيقة الواقعة الثورية السياسية الجديدة، هي سيادة الأمة الدولة»، أي أن مفهوم (الأمة - الدولة)، يجب أن يطغى على مفهوم (الدولة – الأمة).
 
أمريكا في العراق الاستراتيجيـــة والأدوات
استندت الاستراتيجية الغربية في تحقيق هدفها إلى مرحلتين:

المرحلة الأولـــى: تكشَّفت- كما تذهب إليها نظرية الفوضى الخلاقة- في العراق؛ حيث حقق الأمريكان هدفًا مزدوجًا؛ فقد دمروا جيشًا عربيًّا قويًّا، وأشعلوا حربًا أهلية، ودقوا نزاعًا بين السنة والشيعة كان له تأثير سيئ على امتداد المنطقة، كما تدخل الغرب لتقسيم السودان إلى نصفين، وخلقوا دولة جديدة في الجنوب في حالة عداء ومواجهة مع العرب والمسلمين في الشمال.. وفي ليبيا، دمر الناتو جيشًا عربيًّا آخر، حتى إن الأسلحة الغربية غذَّت الخصومة بين الميليشيات المتصارعة التي تقاسمت ما تبقى من الدولة الليبية.

المرحلــة الثانيــة: جاءت مع التمويل الغربي للحركات الثورية التي تتكون من ناشطي الإنترنت والمنظمات غير الحكومية وناشطي حقوق الإنسان، الذين ساهموا في تفريخ الفتنة في الوطن العربي، ومع تشظي الأنظمة العربية وسقوطها، جاءت القوى الغربية لتضخيم حالة الاضطراب، وهذه المرحلة تتضمن عددًا من الإجراءات، أهمها: الخروج في تظاهر جماعي، واستفزاز الأمن من قبل عناصر مندسة أو من قبل مخترقين من جهاز الأمن نفسه، سقوط الأمن في انهيار مفاجئ، شيوع الفوضى، هجوم جماعي من الخارجين عن القانون لترويع الآمنين بشكل متزامن في طول البلاد وعرضها، والانقضاض على بقايا جهاز الأمن وسحقه بشكل متزامن ومترابط، والدعوة لاستمرار التظاهر لتغييب المتظاهرين عما يحدث في الواقع، والدفع ببعض الرموز التي يتعلق بها المتظاهرون لحثه على الاستمرار، واللعب بعقول المتظاهرين وتضخيم دورهم؛ لكي يدفعهم هذا لتوهم أنهم يحصلون على مكاسب، وشغل الجهات القادرة على إحداث التوازن مثل الجيش بقضايا فرعية لشغله عن مهمته الأساسية التي هي الدفاع عن الوطن ضد التهديدات الخارجية، ومحاولة زعزعة النظام والجبهة الداخلية، وإفساد أي محاولات للتهدئة ليبقى الوضع كما هو عليه؛ لكي تسقط الدولة في انقسامات؛ ما يؤدي إلى ثورة عارمة.

من هنا، قرر الغرب وأمريكا الابتعاد عن «القوة الخشنة «Hard Power والاتجاه إلى «القوة الناعمة «Soft Power  التي ستمكنها من تنفيذ المخططات بالكامل دون أي خسائر بالأرواح والأموال من جانبها؛ لذلك فقد عمدت إلى تغيير الأنظمة عبر تحريك الشارع العربي من خلال وكلائها والمتدربين على التنظيم السياسي والجماهيري لديها، وكيفية التأثير في الرأي العام، وإعداد الدورات والتدريبات خارج بلدانهم للشباب المتطوع، من خلال منظمات المجتمع المدني، مثل «معهد أينشتاين» لمؤسسة جين شاربGene Sharp، الذي قام بدور كبير في هذا المجال، من خلال إعداد مجموعة من القيادات الشابة حول أساليب التأثير غير العنيف «كفاح اللاعنف» كما يطلق عليه، إضافة إلى التدريب على الوسائل التقنية الحديثة في وسائل الاتصال الجماهيري من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأكاديمية التغيير برعاية قطرية.

لكن الأهم هو ما جاء في مقال المخرج «رواريد أرو» المنشور بإحدى الصحف العربية، والذي تحدث فيه عن دور الخبير الأمريكي في الثورات السلمية «جين شارب «Gene Sharp الذي لعبت كتاباته وأفكاره -وبخاصة كتابه «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية»- دورًا مؤثرًا وخطيرًا في تفجير الثورات في العالم، من صربيا مرورًا بأوكرانيا وتايلاند وصولًا إلى إندونيسيا، والذي يعتبر واجهة لجهاز الاستخبارات الأمريكية، تساند هذه التحركات الإعلام المسخَّر والمستأجَر لهذا الغرض لتغطية الأحداث، وتقديم الدعم الإعلامي الكامل لهذه التحركات من خلال الفبركة الإعلامية وشهود العيان مدفوعي الثمن.

وبهذا المفهوم، فإن «الفوضى الخلاقة» استمرت (كأداة) وليست هدفًا، وعندما تتعثر «الفوضى الخلاقة» سياسيًّا، وهى في بدايتها متعثرة، كما حدث في مصر وأنقذ الجيش المصري الوطن، فإنها تقرر استخدام وسلوك سبل أخرى بعد التعثر؛ منها: الأعمال العسكرية المباشرة، والأعمال العسكرية غير المباشرة، والضغوط السياسية والاقتصادية، واستخدام (الإعلام) كديكتاتور أكبر يجمل وحشيته، ويعيث فسادًا في العقول، ويضع «التشابك والفوضى والتفكيك» كحالة عقلية وفكرية ونفسية أمام الشعوب، ودعم وتزعم معظم حركات المجتمع المدني من وراء ستار.
 
لمــــاذا اختاروا الإسلاميــين للتنفيذ؟
قبل أكثر من 30 عامًا تقريبًا وفى ذروة الحرب الأفغانية الروسية تسرب تقرير استخباراتي أمريكي يقول: إن الولايات المتحدة ترى في التيارات الإسلامية بديلًا محتملًا للحكومات في المنطقة العربية.. اليوم وبعد أكثر من عقد من الزمن في محاولة تنفيذ مصطلح الفوضى الخلاقة، يجد العرب أنفسهم أمام أزمات فكرية وسياسية وثقافية ساهم فيها الربيع العربي كما يسميه العرب ونظرية الشرق الأوسط الجديد كما يسميه الغرب، ولعل السؤال المهم: كيف استطاع الغرب تمرير هذه الفكرة الاستعمارية مستغلًّا جمودًا سياسيًّا وأوضاعًا اقتصادية ساهم هو أساسًا في صعودها؟

في الحقيقة، الواقع السياسي للعالم العربي مقارنة بالغرب يعتبر محفزًا رئيسيًّا للشعوب للمغامرة، تحت أي نظرية يمكن أن تسهم في إحداث التغيير في تلك الدول، ولأن الوعي الفكري والثقافي عملية شبه مفقودة في عالمنا العربي، فإنه أصبح من السهل إيهام الشعوب العربية بأن شكلًا ديمقراطيًّا يشبه الغرب يمكن أن يقوم في المنطقة العربية بمجرد إحداث الفوضى، وتغيير القيادات السياسية.

ولذلك، فإن نقص الوعي السياسي هو الذي جعل منظمة الإخوان المسلمين تحتل المركز الأول في الاختيارات التي وضعها الغرب لتنفيذ نظرية الشرق الأوسط، ولعل الأسباب لذلك كثيرة ومنها: أن تعطش تنظيم الإخوان للحكم يجعله مستعدًّا للموافقة على جميع التنازلات السياسية وهذا ما حدث فعلًا، فعلى سبيل المثال طمأنت الجماعة الغرب بشأن موقفها من إسرائيل قبل أن تصل للحكم بعشر سنوات تقريبًا ومن خلال مرشدها في ذلك الوقت مهدي عاكف الذي صرح لوكالة «أسوشيتد برس» بأن الجماعة ملتزمة باتفاقية السلام مع إسرائيل في حال وصولها للحكم.

الإخوان.. الخيار الأنسب
مثلت جماعة الإخوان المسلمين الخيار الأنسب لتحقيق الفوضى الخلاقة بالنسبة للغرب؛ ما كشف عن ضعف فكري ساهمت فيه السياسة العربية، والتي تعتقد أن تديّن الشعوب الجاهلة هو المسار الوحيد للسيطرة عليها، وهذا خطأ استراتيجي يصعب الخلاص منه اليوم، كما أن الإخوان كجماعة، على مستوى التنظيم، تأخذ شكل شبكة، وهي منظمة دولية تطرح نفسها بأنها ذات توجه إسلامي؛ ما يجعلها أداة مناسبة لتنفيذ ذلك المخطط، وفقًا لارتباطاتها السابقة بالإنجليز وغيرهم في تجارب عديدة، ووفقًا لاستعدادهم لتقديم أي تنازلات في سبيل ذلك.

إن الإخوان المسلمين جماعة تعتمد على هامش كبير من المراوغة والمرونة والتحول، وهي في تنظيمها تشبه نمط الجمعيات الماسونية السرية، التي أبدت تعاونًا وصنعت وشائج علاقات عميقة بالمخابرات البريطانية والأمريكية منذ عام ١٩٢٨، وحسب ستيفن دوريل، مؤلف كتاب «إم آى ٦: داخل العالم الخفي للاستخبارات السرية لصاحبة الجلالة»، فإن المخابرات البريطانية نجحت في تأسيس اتصالات وثيقة مع الإخوان المسلمين بعيدًا في الماضي منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

وبعد الحرب العالمية الثانية حلّت محلها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA دون أن يعني ذلك بأي شكل تقليص الاتصالات مع البريطانيين، على العكس تمامًا؛ إذ إن صلات الإخوان مع «سي أي إيه» و«إم أي ٦» تعززت عندما وصل جمال عبدالناصر للسلطة عام ١٩٥٤.

وقد استخدمت أمريكا الإسلاميين والإخوان في تحقيق أهدافها في محاربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان في الثمانينيات، وحاربوا روسيا المعاصرة في الشيشان وداغستان، وفي عام ٢٠١١ لعب الإخوان المسلمون دورًا فاعلًا في القفز على الثورة في مصر وإسقاط معمر القذافي في ليبيا، ثم تعميق الأزمة السورية.

ولكن لكل ذلك قاعدة قام عليها، فبعد عام ١٩٩١، تراجع الإخوان المسلمون إلى الخلفية، وأتصور أن هناك متغيرًا مهمًّا حدث في اللحظة نفسها، فكّ كثيرًا من الإشكاليات التي كانت تطرحها مسألة السماح للإسلاميين المعتدلين بالمشاركة السياسية، وما تثيره من احتمال وصولهم للسلطة في حال حدوث أي انتخابات حرة نزيهة في العالم العربي، وكان المتغير قد فرضه نجاح تجارب إسلامية كانت معتدلة ومقبولة غربيًّا، وعلى رأسها التجربة التركية، وبدرجة أقل التجربة المغربية.

الربيع العربي
كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت إلى ذروة حلمها بما سمي بثورات الربيع العربي، وهي الثورات التي ركبتها جماعة الإخوان المسلمين، كما خططت واشنطن، وحولتها إلى وسيلة لتصل من خلالها إلى السلطة؛ حيث توصل الأمريكان قبلها بسنوات وبالتحديد في العام ٢٠٠٧ إلى اتفاق مع جماعة الإخوان يتم بمقتضاه تنفيذ مخطط التقسيم، وهو ما كشف عنه مركز «جلوبال ريسرش» الأمريكي في ورقة بحثية نشرها في 28 يونيو ٢٠١٣، أشار فيها إلى أن إدارة أوباما اتبعت سياسة الدعم السري لجماعة الإخوان المسلمين والحركات المتمردة الأخرى في الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٠.

المركز يكشف وثيقة مهمة صدرت بعنوان «مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط: نظرة عامة»... وهي الوثيقة التي حددت هيكلًا متطورًا من برامج وزارة الخارجية الأمريكية يهدف إلى بناء منظمات المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات غير الحكومية؛ لتغيير السياسة الداخلية للبلدان المستهدفة لصالح السياسة الخارجية الأمريكية وأهداف الأمن القومي الأمريكي، الوثيقة تشير أيضًا إلى أن إدارة أوباما قامت بحملة استباقية لتغيير نظم الحكم في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وكشفت الوثيقة أن المبادرة تعمل في المقام الأول مع المجتمع المدني، من خلال منظمات غير حكومية متنفذة مقرها الولايات المتحدة، وفي المنطقة، وتؤكد على أن الأولوية أعطيت في وقت مبكر لليمن والسعودية وتونس ومصر والبحرين، وخلال سنة من إنشائها أضيفت ليبيا وسوريا على قائمة الدول الأكثر أولوية لتدخل المجتمع المدني.

أصابع أمريكا لاتزال تلعب في المنطقة إذن، توقفت قليلًا بعد ثورة 30 يونيو التي أنهت مشروع التقسيم من أساسه، وبدأت العمل على إعادة المارد المتأسلم إلى قمقمه، لكن الآن الإدارة الأمريكية تعيد ترتيب أوراقها، وتستأنف تنفيذ المخطط من جديد.

إننا أمام مخطط كبير وواسع تشارك فيها أطراف عديدة، وترعاه الولايات المتحدة الأمريكية من أجل عيون إسرائيل، التي تُسهم في المخطط بكل ما أوتيت من قوة ودهاء.

يُضاف إلى الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لتدعيم مصالحه العديدة في المنطقة، والاتحاد الأوروبي يعني أننا أمام مواجهة مع المخابرات البريطانية والألمانية، ودخل على الخط التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الذي يحلم بدولة ولو على شبر ماء فقط، تأتي بعد ذلك تركيا التي تريد أن تدفع مهر انضمامها للاتحاد الأوروبي بأي ثمن، ثم قطر التي تحلم بأن يكون لها دور مؤثر في المنطقة على حساب الدولة الكبرى مصر، تلك الدول كلها تخطط من أجل تفتيت المنطقة، وإشاعة الفوضى بها، ولكل منها دور لا يستطيعون إنكاره.
 
خلاف أمريكي أمريكي
بعد ثورة 30 يونيو حدث خلاف شديد بين الكونجرس الأمريكي من جهة والأجهزة الاستخباراتية والبيت الأبيض من جهة أخرى على طريقة التعامل مع القاهرة.

كان السؤال الأساسي: هل نستمر في الخطة المُعَدَّة سلفًا لتقسيم مصر، والتي بدأ العمل عليها منذ حرب أكتوبر 1973، وتم دفع الدماء الطازجة فيها بداية من عام 2004 عبر نظرية الفوضى الخلاقة وحرب المجتمعات، أو نقبل بالأمر الواقع، ونبدأ في التعامل مع ما أفرزته ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وزعيمها عبدالفتاح السيسي، وخاصة بعد انتخابه رئيسًا لمصر، وتحوله لرجل دولة من الطراز الأول في المنطقة.

تقارير المخابرات الأمريكية وصفت السيسي بأنه قد يكون شبيهًا بعبدالناصر ولكنه في النهاية واقعي إلى حد كبير، كما أنه تعلم لدينا، في إشارة إلى أنه يمكن التفاهم معه وتقويته، حتى لا تتفسخ المنطقة، فتخرج عن السيطرة تمامًا، وتحدث حروب جديدة لا تحتاجها أمريكا الآن، خاصة أنها خرجت خروج الأسد الجريح من حربي أفغانستان والعراق.

كان هناك تردد في الموقف الأمريكي، لكن إسرائيل تحركت في الوقت المناسب؛ حيث قابل المسؤولون عن أكبر عشرة بنوك أمريكية – وكلهم من اليهود - الرئيس الأمريكي باراك أوباما آنذاك حاملين معهم رسالة من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، شرحوا له الأمر في منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا مصر، وحسموه معه ليسيروا من جديد في طريق تنفيذ الخطة القديمة.

قالوا له إنهم لا يريدون أن يضيع مجهود أكثر من 41 عامًا من العمل في الخطة التي بدأت في العام 1973، قالوا: إن هناك تراكمًا لا يمكن تجاهله.
 
نيويورك تايمز تنشر الخطة
وتأكيدًا للقرار الجديد الذي يقضي بالمضي قدمًا في خطة التقسيم قامت جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية في ديسمبر 2013 بإعادة نشر خريطة تقسيم المنطقة، ولكن باختلافات مهمة هذه المرة، ربما فرضتها المعادلات السياسية الجديدة على الأرض:

بالنسبة للعراق سينضم أكراد الشمال إلى أكراد سوريا، وسينضم كثير من المناطق الوسطى التي يسيطر عليها السُّنَّة إلى المناطق السنية في سوريا، ويتحول الجنوب إلى شيعستان، بالطبع احتمالات العنف والدم المصاحب لهذه الأعمال مؤكد وواسع.

وعن اليمن تقول الخريطة: إنه من الممكن أن تنقسم الدولة العربية الأكثر فقرًا ولمرة ثانية إلى إقليمين عقب الاستفتاء المحتمل الذي سيُنَفَّذ في اليمن الجنوبي حول الاستقلال، وفي انعطاف أكثر قوة يمكن أن تصبح اليمن كلها أو جزء منها من ضمن أراضي المملكة العربية السعودية في مجمله، إن لم تكن كلها تمتد من البحر، ومن ثم فالوصول المباشر إلى بحر العرب سيقلل الاعتماد على الخليج العربي، وكذلك يقلل من قدرة إيران على غلق مضيق هرمز.

نأتي إلى سوريا حيث نقطة الانطلاق التي يمكن أن يؤدي التنافس الطائفي والقبلي فيها إلى تقسيم سوريا إلى ثلاثة أجزاء على الأقل:

الأول: العلويون، وهم أقلية تحكم سوريا منذ عقود وتسيطر على الشريط الساحلي.

الثاني: كردستان السورية، ويمكن أن تنفصل وتندمج في النهاية في أكراد العراق.

الثالث: منطقة الوسط السُّنية، سوف تتبع هذا التقسيم، ويحتمل أن تنضم إلى مناطق في العراق؛ لكي تشكل ما يسمى دولة سنستان.

ليبيا المفككة؛ الأمر فيها واضح للغاية، فنتيجة للتنافس القبلي والإقليمي القوي، يمكن أن تنقسم ليبيا إلى جزأين تاريخيين، دولة طرابلس ودولة برقا، مع احتمالية وجود دولة فزان الثالثة في جنوب غرب ليبيا.

وفي النهاية يأتي الدور على المملكة العربية السعودية، والمعلومات هنا واضحة، فعلى المدى الطويل تواجه المملكة العربية السعودية انقسامات داخلية، كما تذكر الصحيفة، (هي الآن تحت السيطرة) وهو ما يمكن أن يظهر على السطح (بانتقال السلطة لأمراء الجيل القادم)، ومن المُلاحَظ أن السلطة قد بدأت تنتقل بالفعل، ويزيد من التهديدات التي تواجه وحدة المملكة الخلافات القبلية، والانقسام السُّني الشيعي والتحديات الاقتصادية، وبناء عليه يمكن أن تنقسم المملكة العربية السعودية إلى خمس مناطق قبل ظهور الدولة الحديثة.

مصر مؤجلة
في هذه الخريطة ظلت مصر دون تقسيم؛ لأن المخطط الغربي كان ولايزال يتعامل مع مصر على أنها الجائزة الكبرى، الدولة الغنيمة التي سيكون الفوز بها هو الفوز الأكبر، رغم أن ما يراد بمصر واضح للغاية، فهم يبحثون عن إمارة إسلامية تضم صحراء سيناء والدلتا، ودولة مسيحية في الصعيد، ثم دولة نوبية.

هذا المخطط تعمل عليه 6 جهات، كل جهة منها لها أهدافها الواضحة؛ الأمريكان رعاة الخطة، وإسرائيل التي ستكون الدولة المحورية والأهم في المنطقة، والمتحكمة في دول ضعيفة ومفتتة وبلا جيوش، والاتحاد الأوروبي بمخابراته الكبرى الإنجليزية والألمانية، وتركيا التي تحلم بدخول الاتحاد الأوروبي بأي طريقة، وتعتبر اشتراكها في الخطة ثمن حصولها على هذه العضوية، وقطر التي تريد أن تتحول إلى دولة زعيمة مع صغر حجمها، ثم التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين الذي يحلم بدولة، على أي شبر من أرض العرب... ولكل جهة من هذه الجهات دور محدد، سنتعرض له بالتفصيل فيما بعد.

مصر تقبل التحدي
بعد 30 يونيو بدا لمخابرات الدول الكبرى أن مصر بأجهزتها قد كشفت المخطط الذي يتواصل السعي لتنفيذه؛ ولذلك سربت هذه الأجهزة تقريرًا خطيرًا في أغسطس 2013 يقول للدولة المصرية: إن الخطة ماضية في طريقها، وإنه لا تراجع عنها.

نتج هذا التقرير عن اجتماع سري جرى بين مخابرات خمس دول، هي المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية والمخابرات البريطانية ووزارة الدفاع الفرنسية وغرفة عمليات حلف الناتو، في الفترة ما بين 16 و18 أغسطس 2013 في القاعدة الأمريكية في دارمشتات بألمانيا.

رأى المشاركون في هذا الاجتماع أن وجود نظام مستقر في مصر لا يخضع لسيطرة الغرب، يعكس مخاطر على نظام الحكم الإسلامي الراهن في تركيا؛ ولذلك ينبغي تنفيذ النموذج العراقي والسوري في مصر من خلال «فرق الموت» لإصابة الحياة هناك بحالة من الشلل السياسي والاقتصادي، وقدر المجتمعون، آنذاك، أنه إذا كان معدل ضحايا فرق الموت في العراق وسوريا قد وصل إلى حدود 6000 ضحية شهريًّا، فإن هذا الرقم ينبغي أن يتضاعف بالنسبة لمصر ليصل إلى 12000 ضحية شهريًّا على امتداد سيناء والوجهين القبلي والبحري؛ حتى ينعدمَ تأثير الثورة المصرية على دول المنطقة.. هل أدركتم الآن ما الذي كان ومازال يواجهه أبناؤكم في الجيش المصري الذين أعاد آباؤهم العظام الكرامة للمصريين في السادس من أكتوبر ١٩٧٣؟

وعندما نُشر هذا التقرير كذبه الكثيرون، على اعتبار أنه من الصعب تسريب مثل هذه الوثائق الخطيرة، إلا أن المؤكد أن هذه الأجهزة سربت التقارير لتصل الرسالة إلى القاهرة، بأنهم ماضون في تنفيذ خطتهم، التي يستخدمون فيها أطرافًا إقليمية ومحلية عديدة.
 
المخطط مستمر
إن كل العثرات التي واجهتها الأنظمة المصرية منذ انتصار أكتوبر المجيد وحتى الآن كان مخططًا لها جيدًا، وهنا لا نعفي من تقلدوا المسؤولية من الخطأ، فقد كان نظام مبارك على سبيل المثال على علم تام بتلك المخططات، ولكنه تحت ضغط ما سمي بالجيل الجديد ونظرياتهم حول الاكتفاء الداخلي، تجاهل تلك التحذيرات؛ بدعوى أن الأمريكان لا يمكن أن يتخلوا عن نظامه، وإلا ستنهار مصالحهم في المنطقة.

كانت مصر ومازالت تواجه قدرًا أكبر من أن يحتمل من الأخطار الحقيقية بعد انتصار أكتوبر المجيد؛ بهدف تمزيق وحدتها، وتقزيم دورها، وإضعاف جيشها، بدأت بخطط برنارد لويس عام ١٩٨١، ولم تنتهِ عند مشروع كونداليزا رايس حول الفوضى الخَلّاقة، ثم مفهوم حرب المجتمعات عن طريق اختراق مؤسسات المجتمع المدني، وتسييرها وفق مخطط يهدف إلى تفتيت تلك الدول، وفي مقدمتها مصر، حتى جاءت ثورة يناير وانكشف الملعوب، ليصحح الشعب المصري المسار في ٣٠ يونيو، لكن المخطط لم يزل قائمًا، والمخططون مازالوا يحلمون بإيجاد ثغرة في جسد المنطقة يَنْفُذُون منها نحو أهدافهم.

"