رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«عاشقات الشهادة».. مراحل تطور الإرهاب النسائي من القاعدة إلى داعش

الخميس 11/أكتوبر/2018 - 04:55 م
كتاب «عاشقات الشهادة»
كتاب «عاشقات الشهادة»
نورا بنداري
طباعة

الحكاية تبدأ بكلمات ترسل على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، من عضو بإحدى التنظيمات الإرهابية، إلى فتاة أعجبته، ويبدأ في استمالتها بطريقته الخاصة حتى تثق فيه، وفي هذه اللحظة يحاول إقناعها بأفكار التنظيم، راسمًا لها صورة المرأة التي ستحصل على حقوقها كافة، وواعدًا إياها بدخول الجنة دون حساب، ومؤكدًا أن كل ما عليها للظفر بهذه المغريات هو الانضمام إلى جماعاته الإرهابية.


وما إن تبتلع الفتاة الطعم، وتقتنع بالفكرة، تبدأ في اتباع الخطوات المرسومة لها، (وفي مخيلتها أنها ستنعم بالراحة الأبدية، والحقيقية أنها ستشقى بالعذاب)، ومن أهمها العمل على استقطاب أخريات مثلها، شارحة لهن أفكار التنظيم بالطريقة التي لقنّتها، ثم تتوسع الشبكة حتى تُشكل خلية تساهم بقدر كبير في مساعدة الإرهابيين في عملياتهم الانتحارية.


هذه الطريقة في استقطاب الفتيات وتشكيل الخلايا الإرهابية، هي ما جاءت في كتاب «عاشقات الشهادة.. تشكلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى الدولة الإسلامية»، للكاتبين الأردنيين والمتخصصين في الحركات الإسلامية «محمد أبورمان»، و«حسن أبوهنية»، والصادر عن مؤسسة «فريدريش إيبرت» بعمّان، في أبريل من عام 2017، والذي يشرح التحول الكبير في دور المرأة داخل التنظيمات الإرهابية، ويبحث في قصص عشرات الحالات النسائية الجهادية خاصة الداعشيات، متتبعًا رحلتهم من تنظيم القاعدة، وصولًا إلى الداعشية، في محاولة لفهم الأسباب التي دفعتهن إلى هذه الطريق، كما يوضح الكتاب طبيعة الأدوار التي تقوم بها المرأة بين صفوف «داعش»، مقارنة بالتجربة الإسلاموية الجهادية السابقة، متناولًا مراحل تطوّر الإرهاب النسائي والتحولات التي طرأت عليه أيديولوجيًّا وتنظيميًّا.


مفارقة التناقض

يتحدث الكتاب، عن أسباب انضمام المرأة إلى مثل هذه التنظيمات القائمة على العنف والوحشية، ولذا فهو يناقش بشكل مباشر مفارقة التناقض بين طبيعة «داعش» الدموية والذكورية، وطبيعة المرأة من جهة وبين قدرة التنظيم على تجنيد مئات النساء الأوروبيات والغربيات، ومثلهن من العربيات، والوصول إلى طفرة حقيقية في تضاعف أعداد النسوة المنضمين إليه، ودورهن في التنظيم من جهة أخرى.


انظر أيضًا: حرب الجواري..الاستغلال الإرهابي للنساء بين خنساوات «داعش» وزينبيات «الحوثي»


ويطرح الكتاب تساؤلات عدة مهمة تدور في عقول الكثيرين، محاولًا الإجابة عليها، ومن أبرز هذه التساؤلات: كيف لتنظيم معادي لحقوق المرأة التي جاءت في منظومة الحقوق الدولية المتوافق عليها، أن يجتذب مئات النساء من أوروبا وحدها، إضافة إلى مثيلاتهن من الدول العربية؟ وكيف نفسر التحول الذي حدث في فتاوى التنظيم من اقتصار على دور المرأة بوصفها زوجة مجاهد إلى امرأة جهادية؟


وهنا تجدر الإشارة، إلى أن «الجهادية النسوية»، قضية محورية يجب دراستها للوقوف على أسبابها وتداعياتها على المجتمعات، لأن هذه القضية تفسر بدقة دوافع هؤلاء النسوة في اصطحاب أطفالهن وتشجيع أزواجهن أيضًا للذهاب إلى أماكن وجود تنظيم «داعش»، ولذلك وجدنا بعض الدراسات التي تناولت هذا من زاوية أن النساء يسهل استمالتهن خاصة الفتيات القاصرات، اللواتي يعشقن المغامرة والمخاطرة، ويردن الزواج من مقاتل، فالظروف التي تعيشها المرأة في بعض المجتمعات تجعلها فريسة سهلة للوقوع في أيدي أحد الأشخاص الموالين لهذه التنظيمات، لاعتقادهن أنه بمجرد وصولهن للمناطق التي توجد فيها ما يُسمى بـ«دولة الخلافة»، ستنتهي جميع مشاكلهن، وسيعشن الحرية.


وإضافة إلى ما سبق؛ فإن من الأهداف الرئيسية للكتاب وفقًا لمؤلفه «أبو هنية»، هو الاشتباك مع المنظور الاختزالي للظاهرة الجهادية بشكل عام، والنسائية الجهادية بمنظور خاص؛ فعلى مدى عقود شكلت دراسة الجماعات الجهادية والجهاديين حقلًا من الاضطراب والتشويش والبلبلة حجبت محاولة فهم دوافع الإرهابيين، كما أعاقت السعي للاقتراب من الأسباب والشروط والظروف الموضوعية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) لظاهرة التطرف العنيف، مستكينة إلى مقاربات أيديولوجية استشراقية وثقافية مختزلة.


ظهور «النسوية الجهادية»

أرجع المؤلفان، ظهور «النسوية الجهادية» إلى الفترة التي انتهى فيها الحكم العثماني للمنطقة العربية، ومرحلة بروز «الإيديولوجيا الجهادية»؛ لمواجهة الاستعمار الغربي، وحماية الهوية الإسلامية عام 1924؛ حيثُ اعتبرت «المرأة الجهادية» خلال تلك الحقبة أحد أهم رموز الهوية عبر الدعوة إلى التمسك بالأدوار الأساسية في الإنجاب وتربية النشء تربية جهادية، وبعد التطورات التي رافقت الحرب الأفغانية، بدءًا من انهيار الاتحاد السوفيتي، وتأسيس تنظيم «القاعدة»، وأخيًرا انتشار الفكر الجهادي القاعدي خلال مرحلة «الربيع العربي»، وتطور «الجهادية العالمية»، وتصاعد الخلاف الجهادي بين كل من «القاعدة» و«داعش»، كل هذا أبرز دور المرأة في العمل الإسلاموي بصورة عامة، والجهادي بصورة خاصة.


استقطاب هائل

وأوضح «أبوهنية»، أن ما دفعهما لتأليف هذا الكتاب، هو أنه عند صعود «داعش» في 2014، تمكن التنظيم من استقطاب 35 ألف مقاتل من العالم، بينهم 5500 من أوروبا وحدها، إضافة إلى ظهور ما أُطلق عليه «جهاد النكاح».


انظر أيضًا: «العروس الجهاديّة».. مخطط داعش لتجنيد نساء أوروبا


وبين «أبوهنية»، أن الكتاب عمل على تقديم أجوبة على تساؤلات، وأمثلة أهمها: كيف لظاهرة تتسم بالعنف والقتل أن تستقطب هذا العدد الهائل من الرجال والنساء؟ موضحًا أن نسبة النساء بين الدواعش الذي تتحدث عنها وسائل إعلام تصل إلى 30%، وأن ظاهرة استقطاب النساء للتنظيم مهمة وتحتاج لدراسة أسباب التحاقهن بتنظيم يشرع القتل والعنف.


وأرجع الكتاب، السبب في قدرة الداعشيات على التحريض للقتل، رغم تلقي الأوروبيات منهن تعليمًا علمانيًّا، وعيش الداعشيات العربيات في بلدان تشهد أنظمة رجعية، إلى ما يُسمى بـ«استعادة الهوية»، خاصة وأن هناك تناقضًا بين الهويات اليسارية العلمانية الليبرالية في الغرب.


كتيبة الخنساء

وركز الكتاب في أحد فصوله، على نشاط المرأة البارز في مجال الإعلام، وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية التي يمتلكها «داعش»؛ حيث أن النساء الداعشيات عملن ليس فقط على كتابة الأبحاث والمقالات الشرعية للتنظيم، بل وتعدت ذلك إلى حد إحداث «بروباجندا أيديولوجية» تمثلت بعض ملامحها في تأليف نساء داعش جيشًا إلكترونيًّا بأسماء حركية، وأطلقوا على أنفسهن «نساء الخلافة»، ثم شكلوا ما يُعرف بـ«كتيبة الخنساء»، التي تشارك في الأعمال الاستخباراتية والقتالية، وعمليات تفتيش النساء للحفاظ على أمن وسلامة التنظيم خوفًا من عمليات التجسس.


ونتيجة لذلك نجد أن «داعش» من التنظيمات الإرهابية، التي أفردت مساحة خاصة للمرأة، فسمحت بالمشاركة في الأعمال الإدارية والقتالية إلى جانب الدور الإعلامي، إضافة إلى مهام أخري.


عاشقات الشهادة

ووفقًا لمؤلفي الكتاب؛ فإن السبب في عنونة الكتاب بـ«عاشقات الشهادة»، هو «ظاهرة الانتحاريات» التي نشأت أولًا من خلال الحركات العلمانية وخاصة «الحزب القومي السوري»، و«حزب البعث» في سياق العمليات ضد إسرائيل، ثم بدأت حركات إسلاموية باستنساخ تلك الفكرة من بينها، حركة حماس، والجهاد الإسلامي،  ثم تلقفها «أبومصعب الزرقاوي»، وطوّر هذه الظاهرة حين أسس أول كتيبة جهادية نسائية، ونتيجة لهذا ظهرت «انتحاريات الخلافة».


ويفترض المؤلفان، أن أغلب الفتيات لم يذهبن إلى الأماكن التي يسيطر عليها داعش، من أن يُقتلن فقط (أو من أجل الشهادة، وفقًا للمفاهيم المغلوطة التي تروجها هذه التنظيمات)، بل ذهبن أيضًا من أجل الحياة، وذلك لا ينفي الجانب الآخر، أي رغبة بعض النساء والفتيات في القتال والقتل.


وأفرد الكتاب فصوله الأخيرة، لسرد قصص عدد من النساء المنضمين للتنظيمات الإرهابية سواء من البلدان العربية أو الأوروبية؛ حيث تم تقسيم الأوروبيات إلى البريطانيات والفرانكفونيات (فرنسا وبلجيكا)، فتناول في الحالة البريطانية الفتيات المراهقات وغيرهن، وعرض في الحالة الفرنسية والبلجيكية عددًا من النماذج من بينهم «حياة بومدين»، كما  تناول قصص لبعض الداعشيات الأمريكيات، والتي من بينها قصة «تاشفين مالك»، التي شاركت في عملية مسلحة مع زوجها «متين عمر»، متتبعًا قصتها وتحولاتها.


ومما سبق نجد أن اختيار مصطلح «عاشقات الشهادة»، كعنوان للكتاب غير موفق؛ لعدم توضيح سبب اختيار هذا المفهوم تحديدًا؛ حيث أن هؤلاء النسوة هن في الغالب ضحايا لأفكار التنظيمات الإرهابية، وبالتالي فإن هدف المؤلفان من استخدامه قد يرجع إلى إحداث «بروباجندا إعلامية»، حتى أن الفصل الأخير من القسم الأول الذي يحمل عنوان الكتاب لم يكن على المستوى المأمول؛ إذ أنه تحدث بشكل تاريخي، عن نشأة ظاهرة الانتحاريات، قاصرًا الحديث عنها على 4 صفحات فقط من ضمن أكثر من 500 صفحة هي عدد صفحات الكتاب، كما اعتمد الكاتبان بشكل رئيس على مراقبة صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بعدد من النساء المنضمين لداعش وأسرهم أيضًا، وهذه من الطرق الجديدة المتبعة، ولكنها لا تصلح كمرجع في كتابة بحث علمي دقيق.

"