رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
 سينثيا فرحات
سينثيا فرحات

«الإخوان المسلمين» وتحقيق حلم فارسي عمره ٢٧٣ عامًا

السبت 06/أكتوبر/2018 - 12:12 م
طباعة

أي إنسان سوي عقليًّا ومتزن نفسيًّا يطمح في التعايش السلمي بين السنة والشيعة، وبين كل الفرق والمذاهب الدينية، فالطائفية هي سم قاتل لأي أمة تطمح في الاستقرار الأمني والاقتصادي، وبالفعل كان بين السنة والشيعة علاقة سلمية راقية، وخالية من التعصب والتكفير، ومبنية على الاحترام المتبادل والوئام في النصف الأول من القرن العشرين، وأحد مظاهر هذا الرقي نراه عندما تزوجت الأميرة فوزية فؤاد من شاه إيران محمد رضا پهلوی عام ١٩٣٩، وهي سنية وهو شيعي، وأصبحت ملكة إيران في ظل حفاوة الشعبين المصري والإيراني، وفي احتفاليات تاريخية تناقلتها جميع وسائل الإعلام العالمية، وظلت الملكة فوزية تحكم مع زوجها إلى أن انتهى زواجهما بالطلاق عام ١٩٤٨.

 

وهذه لوحة واحد كاشفة للعلاقة الراقية السامية التي كانت بين الشعوب السنية والشيعية، والتي استغلها قلة من الإرهابيين من أصحاب مشروع الصحوة الإسلامية الثوري، تمثلت تلك القلة المنبوذة في مصر في تنظيم «الإخوان المسلمين»، وتمثلت في إيران في تنظيم «فدائيين الإسلام» بقيادة نواب الصفوي، وتحالف الشقين تحت ما يُطلق عليه مشروع «التقريب بين المذاهب»، واسم هذا المشروع ملغم بالخداع؛ لأن السنة والشيعة كانوا متقاربين بالفعل عندما بدأ ذلك المشروع، فالتقريب الذي يقصدونه هنا، هو التحالف العسكري ضد شعوبهم التي يكفرونها لأجل قمعها والتسلط عليها باسم الدين، فهو حلف إرهابي هدفه تدمير دولهم بالكامل، لإعادة صياغتها وفقًا لتصورهم المشوه، والذي نراه اليوم في النموذج الأفغاني والسوداني، تلك الدولتان دمرهما الإخوان بالكامل؛ حيث يتم حكمهم وفقًا للمنهج الإخواني، ولله الحمد فشل المشروع الإخواني في تدمير مصر، ولكن نجح مشروع الصحوة الإرهابي في إيران عام ١٩٧٩، والذي تسبب في قمع شعب عريق مثل الشعب الفارسي، والذي تسبب في موجات إلحاد تجتاح إيران، وصفها الكاتب الإيراني الألماني، على صدر زادة، بأنها ظاهرة «سونامي الإلحاد» تجتاح إيران، وهذا ما قدمه المشروع الإرهابي للصحوة والتقريب الي الايرانيين؛ حيث إخراجهم من ديارهم ودينهم.

 

ولنفهم عمق علاقة الإخوان المسلمين بالفرق الإرهابية الإيرانية يجب أن نرجع إلى عام ١٧٣٤، في ذلك العام قام شاه إيران نادر شاه إفشار -والملقب بـ«نابليون إيران»- بأول مؤتمر رسمي من أجل التقريب.


بعد أن فشل نادر شاه في احتلال مدن عراقية ثلاث مرات، عام ١٧٣٣، وعام ١٧٣٤ وعام ١٧٤٣، اتجه نادر شاه للحل العقائدي، وأقام مؤتمر النجف، واقترح فيه تلك النقاط، والتي لخصها المؤرخ يحيى أرماجاني في كتابه بعنوان «إيران» كالاتي:

 1- أن يكف الفارسيون عن سب الخلفاء الراشدين، والتوقف عن جرح أنفسهم في احتفالات عاشوراء، وأن يقبل الفارسيون بالشعائر الدينية السنية، ويتخذون الإمام جعفر الصادق كرمز طائفتهم، على أن يتقبل أهل السنة الجعفرية على أنها المذهب الخامس بعد المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة.

٢- أن يسمح للفارسيين بإقامة شعائر الحج على المذهب الجعفري.

٣- أن يسمح للفارسيين بأن يصاحبوا بممثل عن الدولة الفارسية في شعائر الحج.

٤- أن يتبادل العثمانيون والفارسيون أسرى الحرب.

٥- أن يتبادل العثمانيون والفارسيون السفراء.

 

ولو أن مطالب نادر شاه لم تتحقق حينئذ، وفشل مؤتمر النجف، فإن تلك المطالب الفارسية حققتها جماعة الإخوان المسلمين مع تقي الدين القمي، -حسب كتاب السيد ثروت الخرباوي، «أئمة الشر»- إن تقي الدين القمي اتجه لمقابلة حسن البنا فور وصوله إلى مصر عام ١٩٣٧، وطبقًا لجريدة «اجتهاد» الإيرانية، لقد تقابل تقي الدين القمي أيضًا مع شيخ الأزهر فضيلة الإمام مصطفي المراغي الذي أيَّد الدعوة، وهيَّأ له فرصة الاتصال بعلماء كالشيخ عبدالمجيد سليم، والشيخ مصطفى عبدالرازق وغيرهما، والذي تشكلت منهم نواة دعوة التقريب ودار التقريب فيما بعد، ولكن بعد أن بدأت الحرب العالمية الثانية، عاد تقي الدين إلى إيران لفترة قصيرة، وبعد أن هدأت الحرب عاد إلى مصر مجددًا، وأسس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة فبراير ١٩٤٧، وبحسب جريدة «اجتهاد» فإن أعضاءها المؤسسين كانوا: الشيخ عبدالمجيد سليم، والشيخ مصطفى عبدالرازق، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبدالعزيز عيسى، والشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي، ومحمد علي علوية باشا، وحسن البنا، وكان تقي الدين القمي هو سكرتيرها العام ومؤسسها الأول، وكان ممن التحق بها فيما بعد الشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد متولي الشعراوي.

 

دار التقريب لم يكن لها حاجة سياسية إلا لدى التيارات المتطرفة، فعندما تأسست الدار، العلاقة بين مصر وإيران كان قوية بحكم أن ملكة إيران كان سنية، ومن العائلة المالكة في مصر، ولكن كان هناك هدف باقٍ لم يتحققوا من أحلام نادر شاه.


فور أن تأسست دار التقريب، بدأ حسن البنا في العمل على تحقيق أحدهم، في عام ١٩٤٨، قرر حسن البنا أن يُصلح مشكلة حدثت بين السنة والشيعة عام ١٩٤٤، حينئذ كانت العلاقات السعودية الإيرانية جيدة، ولكن في ذلك العام، أعدمت الحكومة السعودية إيراني يُدعى سيد أبو طالب يزدي بتهمة تدنيس المقدسات؛ حيث قال الإيرانيون إن «يزدي» تعرَّض لوعكة صحية وتقيأ في مراسم الحج، ولكن الرواية السعودية قالت إنه كان سكران في الحج، الله أعلم بحقيقة الموقف، ولكن مراد القصة أنها تسببت في توتر العلاقات السعودية الإيرانية.

 

بعد تأسيس دار التقريب، اقترح حسن البنا حل طرحه نادر شاه قبلها بـ٢٠٠ عام، فبحسب كتاب السيد ثروت الخرباوي «أئمة الشر»، وبحث السيد هادي خسروشاهي المستشار السابق لوزير الخارجية الإيرانية بعنوان «نظرة إلى التراث الفكري والاجتماعي للشيخ حسن البنا»:

 

«قامت دار التقريب بطباعة کتيـب مناسك الحج اعتمادًا على المذاهب الأربعة لأهل السنة، ومذهب الشيعة الإمامية، ليتضح وجود الإجماع الكلي بين المذاهب الإسلامية في مسائل الحج كذلك، لكن المؤسف أن المسؤولين على الحج منعوا نقل هذه المناسك إلى الحجاز، وعندما طرح هذا الموضوع على الشيخ حسن البنا، والذي كان من مؤسسي دار التقريب، اقترح حلًّا لافتًا للنظر لنقل مناسك الحج «للمذاهب الخمسة» وبطبع كل مسائل الحج وفق آراء فقهاء المذاهب الإسلامية، في الصحيفة الرسمية الناطقة باسم الإخوان المسلمين، ثم بعث الصحف بواسطة الحجاج المصريين إلى الحجاز، وتم توزيعها على الحجاج، وترك ذلك أثرًا بالغًا في إيجاد الوحدة بين المسلمين».

 

وبالفعل كان حلًا لافتًا للنظر؛ لأن  البنا  أخذ على عاتقه تحقيق حلم فارسي قديم بإضافة المذهب الجعفري كمذهب خامس، وحدث ذلك بالفعل عام ١٩٦٠ على يد إحدى مؤسسي دار التقريب الشيخ محمد شلتوت؛ حيث أصدر فتوى رسمية للاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب خامس.

 

كما قلنا، التآخي والسلمية بين السنة والشيعة، يدر الخير على مصر والشرق الأوسط، فالغرب لم ينهض ويتقدم غير بنبذ الطائفية القبيحة، الحروب والطائفية سرطان قاتل يشرد شعوب بأكملها، ويفقر ويدمر دول، ما يبدأ بتمييز طائفي، يدر بالخراب غير الإنقائي على الجميع، ولكن مشروع التقريب الإخواني الإيراني، هو مشروع حربي إرهابي؛ حيث يريد الإخوان احتكار العلاقة مع أمثالهم من الإرهابيين في الطائفية الشيعية، وفي نفس الوقت يكفرون الشيعة، وأغلب أهل السنة بمنطق فرق تسد البغيض، نعم للأخوة والصداقة بين السنة والشيعة، والبروستانت والأرثوذوكس والكاثوليك، ولا وألف لا، لمشروع التقريب الإخواني الإرهابي الإمبريالي مع الحكومة الراعية الإرهاب الأولى في العالم بطهران. 

"