رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

إدلب.. معركة الاتهامات الكيماوية والفشل الدبلوماسي

السبت 08/سبتمبر/2018 - 11:09 م
المرجع
عبدالهادي ربيع
طباعة
تزداد حدة الأوضاع الأمنية في مدينة إدلب السورية توترًا يومًا بعد يوم، خاصة مع الانتشار -غير المسبوق- لحالات الاغتيال والتصفيات والتفجيرات، بين فصائل المعارضة المسلحة، في إطار من التنافس على السيطرة والانتشار، خاصة من قِبَل مسلحي ما يُسمى «هيئة تحرير الشام جبهة النصرة سابقا»، إلى جانب جرائم اختطاف مؤيدي النظام السوري، ومروجي فكرة المصالحات في إدلب، وهو ما اعترف به عبدالمنعم زين الدين، المنسق العام بين الفصائل السورية، في تغريدة له على موقع تويتر.

إدلب.. معركة الاتهامات
حملات اعتقالات للفصائل المسلحة تطال مؤيدي النظام السوري

علاوة على ذلك بات انتشار العناصر المسلحة في داخل المحافظة (بين 80 و100 ألف شخص حسب مصدر عسكري لوكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك») يقلق النظام السوري الساعي لبسط نفوذه على المحافظة؛ حيث يسطير على 2000 كيلومتر مربع منها، أي ثلث مساحتها البالغة 6000 كيلومتر مربع، وفق ما ذكره المصدر السالف.



 وفي ظل هذا الجو المشحون تبادلت الأطراف المتصارعة في إدلب الاتهامات بالتخطيط لتنفيذ هجوم كيماوي على محافظة إدلب، ما دفع روسيا لاتهام «هيئة تحرير الشام» وفصائل مسلحة الأخرى، بالتحضير لهجوم كيميائي وتلفيق جريمة جديدة للنظام السوري، وتحميله المسؤولية عن الهجوم حال حدوثه، بما يمنح مبررات مكذوبة للدول الغربية الداعمة لتحرير الشام وغيرها من الفصائل السورية المسلحة، لاستهداف مراكز النظام السوري، وفي المقابل حذرت صفحات إرهابية -منها صفحة عبدالمنعم زين على تويتر- من هجوم كيماوي وشيك من النظام السوري وحليفه الروسي!

فشل دبلوماسي
فشل رؤساء الدول الثلاثة المعنية بالشأن السوري (إيران، وتركيا، وروسيا) خلال قمة طهران التي عقدت الجمعة 7 سبتمبر 2018، في تبني وجهة نظر موحدة حول مصير مدينة إدلب، والتي تعد آخر معاقل الفصائل الإرهابية.


وظهر تباين في تصريحات الرؤساء الثلاثة خلال القمة، إذ تبنى الرئيسان الإيراني حسن روحاني والروسي فلاديمير بوتين ضرورة استعادة النظام السوري (حليفهما) السيطرة على محافظة إدلب، وأكد الرئيسان أن محاربة الإرهاب في إدلب جزء لا يتجزأ من مهمة إعادة السلام وإرساء الاستقرار في سوريا.

 
بينما حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الداعم للفصائل المسلحة التي تحارب النظام السوري) مما سماه «حمام دم»، نتيجة العملية العسكرية المزمع شنها على المحافظة، ودعا أردوغان إلى تطبيق وقف فوري لإطلاق النار في المحافظة الواقعة على الحدود التركية.


وفي البيان الختامي للقمة الثلاثية، اكتفى الرؤساء الثلاثة، بالتأكيد على معالجة الوضع في إدلب «بروح من التعاون» دون تفاصيل واضحة، وتأجيل حسم القضية من خلال إجراء مزيد من المناقشات في اجتماع آخر ينعقد في موسكو قريبًا.


كارثة إنسانية
على صعيد متصل، كانت فصائل إرهابية متمركزة في إدلب قد استهدفت يوم الأربعاء 5 سبتمبر 2018 مواقع عسكرية للجيش السوري في ريفي اللاذقية وحماة، بصواريخ جراد، لتقابل تلك الهجمات برد روسي في اليوم ذاته؛ حيث قصفت المقاتلات الجوية الروسية مواقع هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، منطلقة من قاعدة حميم الجوية جنوبي شرق مدينة اللاذقية السورية، إضافة إلى إكمال الجانب السوري حشد المدفعية الثقيلة على حدود إدلب.


كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في تصريحات نشرتها وكالات الأنباء الروسية: أن روسيا  ستستمر في «قتل الإرهابيين» في إدلب من سوريا «لإحلال السلام»، وأضافت «هذه مسألة تتعلق بأمننا».

وذكر موقع روسيا اليوم -عن صحيفة "كوميرسانت" الروسية- نقلًا على لسان مصدر عسكري رفيع المستوى، أن هذه الهجمات جاءت ردًّا على استفزازات الإرهابيين باستخدامهم طائرات من دون طيار، نافيًا أن تُمثل الهجمة بداية فعلية للعملية العسكرية في إدلب.


وأثارت هذه الأنباء عن الهجمات المحتملة قلق وكالات الإغاثة الإنسانية، ما دعا الأمم المتحدة لإطلاق تحذير هجوم محتمل على إدلب، واصفة الهجوم بأنه ربما لم يسبق له مثيل منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.


واضطرت هذه الأنباء مئات المدنيين السوريين إلى الفرار من محافظة إدلب، فبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان اضطرت 180 عائلة،  لمغادرة منازلهم منذ ليل الأربعاء الماضي، متجهين إلى أقصى الشرق.

خلاف أمريكي - روسي
في السابق لم تتفق الولايات المتحدة وروسيا على الوضع في سوريا دبلوماسيًّا، وهو ما عبرعنه سيرجي رياكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، حينما صرح بأن موسكو لا تثق في إشارات الولايات المتحدة وبريطانيا حول الوضع في سوريا،  كما حذرت الولايات المتّحدة  النظام السوري من مغبّة استخدام أسلحة كيميائية، مؤكدة أن مجلس الأمن الدولي  سينهي الأزمة في سوريا خلال اجتماعه الجمعة 7 سبتمبر 2018.


وعليه كان انعقاد مجلس الأمن الدولي بدعوة من واشنطن، ناقش الوضع في إدلب، إلا أنه لم يخرج بقرارت جذرية تنهي الأزمة؛ في حين أشارت كلمة المبعوث الأممي إلى سوريا والتي طالبت بتحديد ممرات للسماح للمدنيين بمغادرة إدلب، بأن الحل العسكري في المينة سيكون الحل الأرجح، وهو ما تلقفه مندوب سوريا بالأمم المتحدة، بشار الجعفري، الذي أعلن أن حكومة دمشق مستعدة لتوفير ممرات آمنة للمدنيين.


كما يلاحظ تغير لهجة الخطاب الأمريكي بشأن إدلب، إذ بدأت تتراجع عن التهديد والتحذير من شن العملية العسكرية على المحافظة، وهو ما برز في تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قال فيه: «إن الولايات المتحدة ترى مكافحة الإرهابيين شمالي سوريا أمرًا ضروريًّا، وتشاطر روسيا مخاوفها حيال وجودهم في إدلب».


تصريح «بومبيو» جاء مخالفًا لتحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بداية الأسبوع الماضي مما سماه بـ«هجوم متهوّر» على إدلب، وبيان  الناطقة باسم البيت الأبيض ساره ساندرز التي تقول فيه «لو اختار الرئيس بشّار الأسد مجددًّا استخدام السلاح الكيميائيّ، فالولايات المتّحدة وحلفاؤها سيردّون سريعًا وبشكل مناسب».


إدلب.. معركة الاتهامات
مأزق تركي
على صعيد متصل، أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة طهران إلى إمكانية نقل فصائل الفصائل المسلحة خارج محافظة إدلب، وإعادة تسكينهم في أماكن لا يتمكنون فيها من مهاجمة قاعدة حميميم العسكرية الروسية!

وهو ما يُشير إلى تغير نسبي في الموقف التركي تجاه إدلب، نحو تأييد جزئي للحل العسكري، خاصة مع إدراج هيئة تحرير الشام على قائمة الإرهاب التركية.

 هذا العرض التركي يأتي بالأساس بسبب المأزق التركي الناتج عن ضغط حلفائها من التنظيمات المتطرفة، مثل تحرير الشام التي يرتبط زعيمها أبو محمد الجولاني بعلاقات وطيدة مع المخابرات التركية بحسب تقرير مفصل لموقع الميادين، وهو ما رفضه أبومحمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام، كما رفض مسبقًا الخضوع لإملاءات أنقرة بخصوص المساعي التركية للضغط على الهيئة من أجل حلها، ودمج عناصرها فيما يعرف بـ«الجبهة الوطنية للتحرير» تحت رئاسة فضل الله حاجي، والأخيرة تضم مجموعة من الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، مثل كتائب نور الدين زنكي، وجيش أحرار الشام، وغيرهما من الجماعات التي حاربت تحت راية ما كان يسمى «الجيش السوري الحر» فيما سبق.


من جانبها، عرضت ألمانيا -ممثلة في وزير خارجيتها هايكو ماس- على تركيا استعداد برلين لتقديم مساعدات إنسانية لتركيا حالة زيادة عدد اللاجئين السوريين إليها بعد الضربة المتوقعة على إدلب، ما قد يدفع تركيا لغض الطرف عن النظام السوري حال شنه ضربات على معاقل الإرهابيين في إدلب، خاصة مع تلميح أمريكا بسماحها للهجوم دون استخدام السلاح الكيماوي.


الموقف التركي من العرض الألماني ربما يأتي بالموافقة؛ نظرًا لما تعانيه تركيا من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها، وحاجتها لمثل هذه المساعدات التي تضمن أيضًا إعادة تحسين علاقتها مع الجارة ألمانيا، وما يمثله من تعافٍ للاقتصاد التركي.

وتعكس هذه المخاوف التركية توسيعها وإقامتها في الأيام الماضية مخيمات عدة عند معبر «أتما» الحدودي مع سوريا، خاصة مع تزايد أعداد اللاجئين التي وصلت إلى 3 ملايين ونصف مليون لاجئ سوري، وكانت أقامت العام الماضي جدارًا فاصلًا على طول حدودها مع سوريا.


تركيا تناور  

من جانبه، قال مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، الدكتور حسن أبوطالب، في تصريح لـ«المرجع»، إن تركيا حال نجاحها في تأخير أي عمل عسكري في محافظة إدلب، ستعتبره انتصارًا دبلومسيًّا كبيرًا بالنسبة لها، بل إن هذا التأخير -حال حدوثه- سيطرح أنقرة كشريك أساسي في تحديد المصير السوري (وفق ما يرى أبوطالب).


وأكد أبو طالب أن بيان قمة طهران لم يحدد مصير إدلب، وأن الحل العسكري فيها مازال معلقًا، بسبب المعارضة التركية لاعتبارات من وجهة نظرها تؤثر على أمنها القومي، إضافة إلى أن الارتباطات التركية قوية بالعديد من الجماعات المسلحة في سوريا، بما فيها جماعات إرهابية معروف أنها جزء من تنظيم القاعدة وجماعة النصرة.


وتابع أبو طالب إن تركيا فشلت في الضغط على طهران وموسكو لمنحها مزيدًا من الوقت، لكي تتعامل سلميًّا مع المسلحين، (وهو ما صرح به أردوغان نفسه في كلمته)، خاصة أن تركيا تسعى لإبقاء الوضع في مدينة إدلب على ما هو عليه، لتبدأ -من جانبها- بالضغط بورقة المسلحين سواء على روسيا أو أوروبا أو إيران.


ونوه مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إلى أن أهم توصيات مؤتمر طهران تتلخص في إعادة تأكيد مخرجات محادثات الآستانة الأولى، والتشديد على عدم السماح بتقسيم سوريا، وأنه (سوريا) ستظل موحدة جغرافيًّا، وبناءً على هذا التعهد قد تطالب سوريا القوات التركية بالانسحاب من أراضيها مستقبلًا.


وأشار أبو طالب إلى أن المعركة العسكرية في إدلب قادمة قادمة، وهو ما ظهر في إصرار الرئيسين بوتين وروحاني، وكذلك من التحضيرات الكبيرة من الجيش السوري والحليف الروسي والإيراني، مؤكدًا أن المعركة ستكون ضارية للغاية مع المسلحين الذين يرون في إدلب ملاذهم الأخير، خاصة أنه ليس لديهم مكان آخر يهربون إليه، وأن مصيرهم -إذا لم يحاربوا- سيكون القتل أو الاعتقال.


واختتم أبوطالب قائلًا: إن الرئيس التركي حاول المناورة بعرضه فكرة نقل ما سمَّاه «المعارضة المسلحة» خارج إدلب، لكسب المزيد من الوقت، وتصوير نفسه كمن يُقدم خدمة جليلة للجانب الروسي، بإبعاد المسلحين عن قاعدة حميميم، إلا أن الجانب الروسي رفض العرض جملة وتفصيلًا، فالمسألة -في التصور الروسي- تتلخص ببساطة في القضاء على الإرهابيين تمامًا وليس إبعادهم فحسب.


"