رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

آليات متنوعة.. كيف يواجه «داعش» الضغوط المتصاعدة؟

الجمعة 31/أغسطس/2018 - 12:56 م
المرجع
علي بكر، خبير متخصص في شؤون الجماعات المتطرفة
طباعة
رغم تعرض تنظيم «داعش» في العراق وسوريا للعديد من الهزائم والانكسارات؛ ما جعله يفقد ما يقرب من 98% من المناطق التي كان يُسيطر عليها، وكذلك تعرض عدد من فروعه ومجموعاته الخارجية لانكسارات متماثلة، فإنه لايزال قادرًا على الاستمرار في نشاطه، عبر اعتماده على عدد من الآليات التي تمكنه من التغلب على الضغوط التي يتعرض لها، في ظل الخروج من معاقله الرئيسية، ومحاولة إعادة الانتشار في مناطق أخرى.


ريكس تيلرسون
ريكس تيلرسون
هذا ما كشف عنه نشاط التنظيم أخيرًا، خاصة على الأطراف الشمالية الشرقية لمحافظة السويداء جنوب سوريا، على غرار ذبحه نحو 19 طالبًا من بين 30 رهينة من الدروز، مطلع شهر أغسطس الحالي 2018، والذي سبقه بشهر هجوم انتحاري أسفر عن سقوط أكثر من 250 مدنيًّا بين قتيل وجريح؛ الأمر الذي يطرح تساؤلًا مهمًّا عن أهم الأساليب التي يتبعها تنظيم «داعش» للتأقلم مع الهزائم والانكسارات ومواجهة الضغوط التي يتعرض لها، لاسيما أنه قد ثبت أن القضاء على معاقل التنظيم ليست نهاية المطاف، وهذا ما كشف عنه تصريح وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تيلرسون» في الرابع عشر من شهر فبراير الماضي 2018، بأن تنظيم «داعش» يعيد تنظيم صفوفه، وأن هزيمته في العراق لا تعني نهاية التنظيم.

• ضغوط متصاعدة
شهد تنظيم «داعش» وبعض فروعه العديد من الهزائم والانكسارات خلال السنوات الأخيرة، تمثلت في خروجه من العديد من المناطق التي كان يُسيطر عليها، على غرار تنظيم «داعش» الأم في العراق وسوريا، الذي تعرض لحالة من التراجع والانحسار الشديد، وإن كان أخيرًا قد تمكن من تجميع مجموعاته المتفرقة؛ ما مكنَّه من شنِّ العديد من الهجمات الخاطفة، التي تعتمد على السرعة وخفة الحركة، بعد أن صار يعتمد على تكتيك حرب العصابات، وهو ما مَكَّن التنظيم من شن هجمات نوعية، مثل الهجوم الواسع الذي شنَّه عناصر التنظيم في 18 أغسطس الحالي، على أكبر قاعدة لقوات التحالف الدولي في ريف دير الزور، شمالي سوريا، قبل أن تحسم طائرات التحالف الموقف.

ولم تقتصر تلك الانكسارات على التنظيم الأم فحسب، بل تعدتها إلى بعض فروعه ومجموعاته، على غرار ما تعرض له التنظيم في ليبيا؛ حيث فقد معقله الرئيسي في مدينة سرت، بعد أن أطلقت حكومة الوفاق في ليبيا عملية عسكرية في مايو 2016، حملت اسم «البنيان المرصوص»، تمكنت خلالها من استعادة المدينة من قبضة مسلحي التنظيم بعد سيطرتهم عليها منذ 2015، كما تم طرد التنظيم أيضًا من مناطق عدّة أخرى، في درنة وبنغازي، خلال الفترة من 2015 إلى 2017؛ وهو ما دفع عناصر التنظيم إلى التوجه للجنوب، من خلال أكبر عملية إعادة انتشار للتنظيم.

وفي منطقة الساحل والصحراء تمكن تنظيم «داعش» عبر مجموعة «أبوالوليد الصحراوي»، من العودة إلى الساحة مجددًا بعد اختفاء ما يقرب من عامين، وذلك من خلال بيان أصدره في يناير 2018، يعلن فيه مسؤوليته عن الهجمات التي استهدفت القوات الفرنسية في الشهر نفسه، والهجوم الذي استهدف القوات الأمريكية في النيجر في الرابع من أكتوبر 2017، كما كشف البيان استعداد التنظيم للتعاون مع المجموعات القاعدية المنتشرة في هذه المنطقة لمواجهة قوة الساحل المشتركة.

وفي الصومال، اضطر تنظيم «داعش» الذي أعلن عن نفسه في أكتوبر 2015، بعد انشقاق القيادي عبدالقادر مؤمن عن حركة شباب المجاهدين مع 200 أتباعه تقريبًا، إلى الهروب إلى بعض المناطق الساحلية مثل منطقة «عيل مدو» شمال شرقي الصومال، بعد هجوم الحركة على مواقعه عام 2014، وكذلك قرية «قندلا» التي لم يتمكن من السيطرة عليها إلا لنحو شهر أواخر ديسمبر 2016؛ وذلك لتجنب ضربات شباب المجاهدين من ناحية، والطائرات الأمريكية دون طيار من ناحية أخرى، والتي تستهدف عناصر التنظيم، على غرار الهجوم الذي شنَّته ضد التنظيم شمال شرق الصومال في نوفمبر 2017؛ ما أدى إلى مقتل بعض عناصره.

الحالات السابقة تكشف قدرة تنظيم «داعش» وفروعه الخارجية على التأقلم مع الضغوط والظروف الصعبة التي يتعرض لها بعد الهزائم العسكرية والخروج من المناطق التي ينشط فيها، وهو ما يفرض ضرورة التعرض للعوامل التي ساعدت «داعش» في البقاء على قيد الحياة.


«أبوالوليد الصحراوي»
«أبوالوليد الصحراوي»
•آليات التأقلم
من المؤكد أن تنظيم «داعش» أثبت أن لديه القدرة على البقاء والتأقلم مع الحياة عقب الهزائم والانكسارات التي يتعرض لها، عبر عدد من الآليات التي يستخدمها، والتي يمكن تحديد أبرزها في النقاط التالية:

التخلي عن السيطرة الترابية
من الواضح أن تنظيم «داعش» خلال الفترة الأخيرة تخلى بشكل كبير عن مبدأ ضرورة السيطرة الترابية أو المكانية، والتي تتمثل في السيطرة على قطعة محددة من الأرض بشكل كامل، والوجود فيها عسكريًّا وتنظيميًّا، وهو ما كان يسهل استهدافه، من خلال الغارات الجوية، والذي دفعه للتحول إلى الاعتماد على النشاط التنظيمي فقط، من خلال الوجود بشكل عملياتي وتنظيمي في مناطق محددة، لكن دون السيطرة عليها أو الوجود فيها بشكل مستمر، وهو النهج الذي تتبعه القاعدة وفروعها المختلفة منذ نشأتها، وهو ما يُعدُّ من أهم العوامل التي ساعدت التنظيم على البقاء حتى الآن، ويتضح هذا التحول بشكل كبير في النشاط الحالي لتنظيم داعش في سوريا، بعد أن فقد تقريبًا كل معاقله الرئيسية، ما دفعه إلى إعادة انتشار مقاتليه في البادية السوريّة الممتدة للحدود العراقيّة، كنقطة انطلاق لشن هجماته الخاطفة.

تفعيل العلاقات الاجتماعية
يحرص مقاتلو تنظيم «داعش» عقب الخروج من معاقلهم على الاستفادة بشكل كبير من المناطق التي كانوا ينشطون فيها فكريًّا، ليس من خلال الوجود فيها واللجوء إليها للحصول على الدعم والمساندة فحسب، كونها بيئة حاضنة للعناصر المؤيدة والمناصرة له، والذين يُمثلون موردًا بشريًّا مهمًّا، وإنما من خلال الاستفادة من شبكة العلاقات الاجتماعية التي كانوا يتمتعون بها من قبل، مثل علاقات القرابة أو المصاهرة أو الانتماء القبلي، وهو ما يسمح لهم بالحصول على قدر من المساعدة، مثل الإيواء والدعم المادي والمالي واللوجيستي، وهو ما يسمح لهم بالعودة لممارسة نشاطهم من جديد.

إعادة الانتشار
معظم المجموعات الداعشية التي تعرضت للهزيمة العسكرية في العديد من المناطق، تمكنت من إعادة تنظيم صفوفها من جديد، ومن ثم استعادة جزء كبير من قوتها العسكرية والتنظيمية، ومن أشهر الأمثلة على ذلك، تمكن تنظيم داعش في منطقة الساحل والصحراء، والمتمثل في مجموعة «أبوالوليد الصحراوي»، من الهروب إلى عدد من المناطق المتفرقة في شمال مالي وبعض المناطق الوعرة في تونس، مثل «المغيلة» و«سمامة» بمحافظتي القصرين وسيدي بوزيد، وذلك بعد الضربات التي تعرض لها من قِبَل تنظيم القاعدة، وربما هذا ما يفسر محاولة أبوالوليد الصحراوي تهدئة مخاوف التنظيم بعد عودته إلى المنطقة في يناير 2018، من خلال تصريحه بأنه استعداد للتعاون مع تنظيم القاعدة لمواجهة قوة الساحل المشتركة.


وزير الخارجية الجزائري
وزير الخارجية الجزائري «عبدالقادر مساهل
استغلال الطبيعة الجغرافية
يحرص تنظيم «داعش» على الانتقال إلى المناطق التي تتصف بالتضاريس الجغرافية الصعبة، حتى لا يمكن مهاجمته بسهولة؛ حيث يمكنه الاحتماء بها لتجنب الضربات المحتملة، والاستفادة منها في التدريب وبناء المعسكرات، على غرار ما قامت به مجموعة داعش في الصومال؛ حيث لجأت للمناطق الجبلية الوعرة، وهو ما جعلها قادرة على تجنب الضربات التي تعرض لها؛ حيث تمكن من تحويل تلك المناطق إلى بؤر آمنة، أصبحت محط أنظار الدواعش الفارين من سوريا والعراق، وقد أشارت بعض التقارير إلى توجه عدد من عناصر داعش منذ مطلع عام 2018 إلى الصومال، وهو ما أيدته تصريحات وزير الخارجية الجزائري «عبدالقادر مساهل» في ديسمبر 2017، والتي أشار فيها إلى أن تنظيم داعش دعا عناصره للتوجه إلى الدول بعض المناطق في أفريقيا، ومنها الصومال.

تفعيل الخلايا النائمة
من الواضح أن تنظيم داعش كان يعمل على إيجاد خلايا نائمة تابعه له، سواء في المنطق التي يخرج منها أو التي كان ينشط فيها، وسواء على شكل أفراد أو مجموعات؛ حيث كان يحرص خلال سيطرته على تلك المناطق على ترسيخ أفكاره ومعتقداته بشكل كبير بين السكان، لاسيما صغار السن، وذلك حتى يضمن بقاءه فكريًّا وتنظيميًّا بعد خروجه، لو بشكل غير علني؛ حيث يمكنه استخدام تلك العناصر إذا ما أراد العودة مجددًا إلى هذه المناطق، على غرار الخلايا النائمة التي تم الكشف عنها في العراق في مارس 2018، والتي أعلنت عنها وزارة الداخلية الاتحادية، وكانت تستهدف منطقة الرستمية بصواريخ كاتيوشا.

أخيرًا، يمكن القول إن قدرة تنظيم داعش في العودة إلى نشاطه الإرهابي عقب الهزائم التي تعرض لها، تعود بشكل كبير إلى إيجاد آليات تساعده على البقاء، ويواجه من خلالها الضغوط المختلفة، وهو ما يفرض ضرورة الالتفات إلى تلك الآليات، ووضع تصور واضح لمواجهاتها من قبل القوى المختلفة التي تكافح الإرهاب، وذلك من خلال التعاون الأمني الجاد القائم على تبادل المعلومات بشكل سريع، ودعم الجهود العسكرية للدول والحكومات التي تقوم بمواجهة فروع ومجموعات التنظيم.

إضافة إلى العمل على تجفيف موارد التنظيم من التجارة غير المشروعة، خاصة تلك التي تتم عبر الحدود الهشة بين بعض الدول، كما يجب أن تتوازى هذه الجهود مع مواجهة فكرية فاعلة، تقوم بها بشكل رئيسي المؤسسات الدينية الرسمية، لاسيما أن التجربة قد أثبتت أن هزيمة التنظيم عسكريًّا في بعض المناطق لا تعني القضاء عليه، في ظل حرصه على استعادة نشاطه والعودة إلى معاقله السابقة.

ورغم أهمية تلك الجهود فإنها لا تعني القضاء على تنظيم داعش بشكل كامل في وقت وجيز، وإنما الهدف منها هو محاصرة نشاط التنظيم، وتحجيم نفوذه ومنعه من بناء معاقل جديدة، حتى يمكن القضاء عليه فكريًّا، وهي المعركة الأخطر التي غالبًا ما ستحتاج إلى جهد أكبر ووقت أطول، وهو ما يشير إلى أن القضاء على داعش تنظيميًّا وفكريًّا بشكل كامل سيحتاج إلى سنوات طويلة، وجهد كبير وتعاون صادق بين القوى الدولية والإقليمية.
"