رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«الدبلوماسية الروحية».. الدور الاجتماعي للطرق الصوفية في المنطقة العربية

الجمعة 31/أغسطس/2018 - 02:45 م
المرجع
أبوالفضل الإسناوي، خبير دراسات دول الشمال المغربي
طباعة
تُؤدي الطرق الصوفية في العديد من الدول العربية والأفريقية التي تنتشر فيها، مثل (مصر، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا، وليبيا، والنيجر، وتشاد، ومالي، والسنغال، وبوركينافاسو، ونيجيريا)، أدوارًا ووظائفَ اجتماعيةً بأنماط مختلفة ومتباينة، وإن كانت تأخذ أشكالًا متعددة حتى على مستوى الدولة الواحدة.

ونظرًا لاتساع الدور الاجتماعي الذي باتت تلعبه بعض تلك الطرق، خاصةً العابرة للإقليم منها، والمتجاوزة لحدود الدولة الواحدة، فإن بعض الحكومات المحلية والأجنبية سعت إلى دعمها؛ من أجل تنمية هذا الدور، ولملء الفراغ الاجتماعي الذي تركته بعض تيارات الإسلام السياسي التي كانت تستخدم العمل الاجتماعي في الاستغلال السياسي للبسطاء.

«الدبلوماسية الروحية»..

وقبل إجابة الدراسة عن سؤالها المركزي، وهو: ما أنماط الدور الاجتماعي للطرق الصوفية وأهم معوقاته، وحدود تطوره، وكيفية تفعيله؟ يجب الإشارة إلى أن العوامل السياسية والاجتماعية والتحولات التي مرَّت بها بعض المجتمعات العربية منذ سقوط جماعة الإخوان في مصر يونيو 2013، أثرت بالإيجاب على وظيفة ودور الطرق والزوايا الصوفية بشكل كبير في بعض الدول؛ حيث حاول بعضها خاصةً في دول المغرب العربي، والغرب الأفريقي، والسودان، إعادة جزء من مكانتها الاجتماعية، وقيامها بدور رئيسي في حلِّ الأزمات والمصالحات في مناطق الصراعات، إضافة لدورها في التكافل الاجتماعي، ومكافحة الفقر في المناطقة الريفية والمهمشة.

وتتمثل إشكالية هذه الدراسة في محاولة تحديد أنماط وأشكال الدور الاجتماعي للطرق الصوفية، وحدود تأثير تراجع الدور الاجتماعي لبعض تيارات الإسلام السياسي، وكذلك الدعم الحكومي والخارجي للصوفية، حتى لو كان معنويًّا على تطور دورهم الاجتماعي خلال الخمس سنوات الأخيرة، ومن ثم فإن الإشكالية الرئيسية تتمثل في الإجابة عن تساؤل فحواه: لماذا وكيف تطورت أنماط الدور الاجتماعي للطرق الصوفية منذ يونيو 2013؟

وتنقسم الورقة إلى 3 محاور، يتناول المحور الأول خريطة الطرق الصوفية في المنطقة العربية، ويرصد الثاني أنماط الدور الاجتماعي للطرق الصوفية، ويتطرق المحور الثالث إلى معوقات الدور، وكيفية تفعيله.

أولًا- خريطة الطرق الصوفية في المنطقة العربية
كشف ملامح الدور الاجتماعي للطرق الصوفي وحدوده، وكيفية تطويره، يتطلب التطرق إلى خريطة الطرق الصوفية على المستوى العربي والأفريقي، خاصةً أن الطرق الصوفية دائمة الانتشار والتوسع والانشقاق؛ ما أدى إلى ارتفاع عددها، واقترابه من 300 طريقة صوفية، يحمل أغلبها الأسماء نفسها، فمنها طرق ذات أعداد كبيرة ونفوذ قوي في الحياة العامة، من أهمها: الطريقة التيجانية في السودان، والرفاعية في مصر، والرحمانية في الجزائر، والبرهانية في تونس، والعلاوية في المغرب، والشاذلية في سوريا، والعيساوية في ليبيا، والعلوية والغزالية في اليمن، كما توجد طرق صوفية تنتشر في مناطق ريفية محددة، وتلعب دورًا اجتماعيًّا في مستوى جغرافي ضيق ومحدود.

وتتمركز الطرق الصوفية جغرافيًّا بالمنطقة العربية في دول شبه الجزيرة العربية، وفي شمال أفريقيا في كلٍّ من مصر والسودان، وفي دول المغرب العربي في كلٍّ من الجزائر، وتونس، والمغرب، وليبيا، وفي شرق أفريقيا في الصومال، وفي غرب أفريقيا في موريتانيا، وتوجد الطرق الصوفية بدرجة محدودة في بعض دول الخليج العربي، التي من أهمها: الكويت، والإمارات، والبحرين، خاصة الطريقتين القادرية والنقشبندية.

«الدبلوماسية الروحية»..

وكان من الضروري تقسيم الطرق -وفقًا للنطاق الجغرافي الضيق (حدود الدولة) أو النطاق الجغرافي الواسع والممتد (تجاوز حدود الدولة)- وذلك على النحو التالي:

(*) النموذج الضيق (حدود الدولة)
هنا يمكن النظر إلى الطرق الصوفية من منظور ضيق -أي تقسيمها على مستوى كل دولة من الدول الفاعلة فيها، فالطرق الصوفية الموجودة في مصر قد تأخذ الأسماء نفسها التي تأخذها الطرق المغربية والتونسية والجزائرية والسودانية وغيرها من الدول الأفريقية والعربية، فإن مستوى وشكل الدور الاجتماعي يختلف من دولة لأخرى، ليس بسبب موقف الدولة أو حكومتها فقط من تلك الطرق، وإنما لأسباب مالية واقتصادية، والقدرة على منافسة تيارات الإسلام السياسي الموجودة في نفس المكان على القيام بهذا الدور، ويمكن رصد ملامح أهم الطرق العربية والأفريقية التي لعبت دورًا اجتماعيًّا بالتطبيق على حالات مصر والسودان والمغرب، وذلك على النحو التالي:

1- الطرق الصوفية في مصر
يقترب عددُ الطرق الصوفية في مصر من 78 طريقة، منتشرة في محافظات الوادي وبعض محافظات الدلتا، خاصةً في الغربية، والشرقية، والدقهلية، ومن أهم الطرق التي تنتشر في أحياء القاهرة الكبرى: الطريقة العزمية، والسعدية، والرفاعية، والنقشبندية، والشهاوية، والشبراوية.

وفي أغلب هذه الطرق يصعب الفصل بينها وبين التكوين القبلي في المساحة الجغرافية التي توجد بها، وهذا أدى إلى محدودية الدور الاجتماعي للطرق الصوفية المصرية، إن كان يقتصر خلال العشر سنوات الأخيرة على التدخل في تسوية المشكلات الاجتماعية، وفرض السلام في القرى والنجوع ذات التركيبة العصبية الصلبة.

2- الطرق في دول المغرب العربي
يقترب عدد الطرق في دولة الجزائر من 30 طريقة، تنتشر فيما يقترب من 9 آلاف زاوية، وتضم 4 ملايين صوفي تقريبًا، من أشهرها: الرحمانية، والسنوسية، والدرقاوية، والطيبية، والتيجانية، والعلاوية، وتوجد هذه الطرق في العاصمة، وفي المناطق القريبة من الحدود المغربية، خاصةً مريدي الطريقتين التيجانية والعلوية.

أما الطرق الصوفية في دولة المغرب فيقترب عددها من عدد الطرق الصوفية في الجزائر؛ وذلك نتيجة التقارب والتشابك بين الطرق الصوفية في الدولتين، وتنتشر الطرق الصوفية المغربية في العاصمة مراكش، وتوجد بكثرة في الريف الشرقي المغربي، ومن أشهر الطرق ذات الامتداد الجغرافي في المغرب: الحنصالية، والعلوية، والقدورية الكركرية، والدرقاوية، والقادرية، والشاذلية، والشعبيون.

الطبيعة التشابكية بين الطرق الصوفية في دول المغرب العربي، إضافة إلى الحالة التنافسية بين دولتي المغرب والجزائر في منطقة الغرب الأفريقي أدَّت إلى ميزة مهمة للدور الاجتماعي للطرق الصوفية المغربية وهو تعدد مستويات الانتشار، فهي إن كانت تلعب أدوارًا اجتماعيةً داخل تلك الدولة، فإن حكوماتها حفزتها على القيام بدور اجتماعي في منطقة الغرب الأفريقي وفي دول الساحل والصحراء، وهو ما خلق دورًا آخر للتصوف يتماشى مع الدور الاجتماعي، وهو ما يُعْرَف بالدبلوماسية الروحية التي تمثل سمة مهمة من سمات السياسة الخارجية المغربية والجزائرية تجاه أفريقيا.

3- الطرق السودانية
يوجد في السودان ما يقترب من 40 طريقة صوفية، يمتد أغلبها في نطاق جغرافي واسع، ولكل طريقة منها مركز ثقل في منطقة جغرافية بعينها؛ حيث تتمركز الطريقة السمائية في وسط السودان وفي غرب أم درمان، وتنتشر الطريقة التيجانية في دارفور، وفي شندي، والدامر، والأبيض، وفي الخرطوم، وفي أم درمان، أما الطريقة الختمية فيوجد مريدوها في شرق السودان، وفي شماله، والخرطوم بحري، أما الطريقة القادرية فيوجد أنصارها في وسط السودان، وفي منطقة ولاية النيل، أما الطرق الحديثة البرهانية، والدندراوية، والأدارسة، فتوجد في أماكن متفرقة بالقرب من الحدود المصرية.

الشكل المتداخل للطرق الصوفية السودانية- أي المتغلغل في التكوين القبلي والعائلي في المجتمع السوداني أدى إلى تنوع الدور الاجتماعي لها، وجعلها من أفضل الطرق العربية في تثبيت أداء هذا الدور؛ حيث إن تجمع الناس حول مقامات الأولياء وتداخلهم جعلهم يتجاوزون العصبية القبلية، وتحولت الولاءات التحتية من الولاء للعائلة والقبلية إلى الولاء للقرية والمكان الجغرافي، إضافة إلى أن الصوفية السودانية تلعب دورًا في التقارب بين القبائل ودمجها في بعضها، وهو ما ساعد على الاستقرار والسلام بين سكان القرى، بل أدى الدور الاجتماعي للطرق السودانية المتناسب مع طبيعتها المتداخلة إلى تقليل معدل الفوارق الطبقية في المجتمع، سواء فقراء وأغنياء أو متعلمين وأميين، وتُجار ومزارعين وحرفيين

«الدبلوماسية الروحية»..

(*) النماذج الممتدة (الطرق العابرة للدولة)
يقصد بالنماذج الممتدة في دراسة الحالة الطرق العابرة لحدود الدولة -أي التي تنتشر في أكثر من دولة، وتظل تحت قيادة شيخ واحد، وتُبنى على أساس إداري هرمي موحد، وسبب تضمين هذا النموذج في الدراسة، هو أن هذه الطرق هي الأكثر قدرة على أداء دور اجتماعي على المستويين؛ المحلي (دولة نشأة الطريقة) والخارجي بين أبناء مرتكزاتها الجديدة، سواء بين جاليات عربية في دول أوروبية وغربية استطاعت أن توجدَ فيها أو في مناطق الكوارث والأزمات ومناطق الفقر التي تحتاج إلى مساعدات؛ حيث إن هذه الطرق تعمل بالتنسيق مع بعض مؤسسات المجتمع المدني في تلك المناطق، إضافة إلى أنها ذات مكانة اقتصادية، وتجارية.

فقد استطاعت بعض الطرق الانتقال بأدوارها الاجتماعية ومعتقداتها وسلوكيات مشايخها من بيئاتها التي نشأت وتربت فيها، سواء داخل حدود الدولة الواحدة أو في دول عدة من الإقليم العربي، إلى مناطق جديدة في دول وقارات تختلف اختلافًا كليًّا في الظروف البيئية والاجتماعية والسلوكية عن دول نشأتها، لتتعايش بين الجاليات العربية المهاجرة إلى تلك المناطق، ولتتمدد في الأماكن القريبة من مناطق إقامة الجاليات العربية في تلك الدول، لتتحول من مجرد طرق وتيارات إقليمية إلى حركات وجماعات فاعلة اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وعابرة لحدود الدولة العربية والإقليم.

وأهم الطرق العابرة للإقليم العربي، (الطريقة البرهانية الدسوقية)؛ حيث انتقل مريدوها من مصر وليبيا والجزائر والمغرب واليمن وتونس وسوريا والأردن والسودان إلى دول أوروبية وغربية، وأصبح لتلك الطريقة مريدون وأتباع في السويد والنرويج والدنمارك وألمانيا وهولندا ولوكسمبرج وسويسرا وإيطاليا وروسيا وكندا والولايات المتحدة، وأيضًا استطاع مشايخ الطريقة المحمدية الفوزوية الكركرية التي أسسها الشيخ محمد فوزي بالمغرب، الانتقال والانتشار بين الجاليات العربية في فرنسا وإندونيسيا وإسبانيا، وأيضًا استطاع تلاميذ الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي الانتقال بطريقتهم من مصر وسوريا إلى معظم دول قارة آسيا، خصوصًا منطقة آسيا الوسطى.

ثانيًا- أنماط الدور الاجتماعي عند الصوفية
تتعدد أنماط الدور الاجتماعي للطرق الصوفية، وإن كان تعددها لا يعني تعميم تلك الأدوار على جميع الطرق الصوفية، فقد تجد نمطًا تقوم به طريقة ولا تقوم به أخرى، وقد تجد طريقة تقوم بجميع تلك الأدوار في حين تجد أخرى يقتصر دورها على وظيفة اجتماعية بعينها.

«الدبلوماسية الروحية»..

يرجع اختلاق مستويات الدور الاجتماعي بين الطرق الصوفية إلى مجموعة من العوامل من أهمها: القدرة الاقتصادية للطريقة؛ حيث إن أغلب أنماط الدور الاجتماعي التي سيتم التطرق لها بالتفصيل تعتمد بالأساس على التكافل، والقدرة على التغلغل داخل البيئة الاجتماعية والقبلية العصبية، إضافةً إلى مستوى الانتشار والوجود على الأرض؛ حيث إن اندماجها في العصبية القبلية يسمح لها بلعب دور الوسيط في الصراعات والأزمات وبناء السلام المجتمعي، كما أن وجود الشخصية الكارزمية بين مشايخ الطرق يساعد على قبول نصيحتهم وآرائهم بين جمهور المجتمعات التي توجد بها، هذا إضافة إلى أن تعدد المقرات والزوايا الصوفية التي تدير الطرق من خلالها عملها الاجتماعي يساعد على سرعة التغلغل

بناء على ما سبق، يمكن تحديد أهم أنماط الدور الاجتماعي للطرق الصوفية على النحو التالي:

(*) نمط تكافلي
حيث إن ارتباط أغلب الطرق الصوفية في المنطقة العربية بالطوائف الحرفية المختلفة، مثل العمال والفلاحين والمهمشين، سواء في المدن أو القرى، إضافة إلى تجنيدها العديد من الراغبين في التوبة، ألزمها بالقيام بدور اجتماعي تكافلي، فقد قامت بعض الطرق الصوفية بإنشاء مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، ودور لرعاية الأيتام وصناديق للزكاة؛ من أجل التقريب بين أبناء الطرق الصوفية وغيرهم من السكان، سواء المحبون أو الأصدقاء أو الباحثون عن فرصة عمل، كما تستقبل بعض الساحات والزوايا الصوفية عابري السبيل، وبعضها يفتح مقراته كمكان للإقامة المؤقتة للمرضى المغتربين.

وقد تلاحظ اختلاف مستوى الدور في نمط التكافل الاجتماعي، الذي تقوم به الطرق الصوفية في حالات الدراسة الثلاث (مصر والمغرب والسودان)، إضافة إلى نموذج الطرق العابرة لحدود الدولة؛ حيث تبيّن تراجع الطرق الصوفية المصرية في مستوى الأداء مقارنةً بالطرق السودانية والمغربية، وتنوع التكافل الاجتماعي الذي تقوم به الصوفية السودانية والمغربية.

وكان من أهم أدوارهم في هذا النمط، هو مساندة ودعم الزواج الجماعي في المجتمعات الفقيرة والريفية، والمثال الواضح، على هذا، ما قام به الشيخ عبدالرحيم بن الشيخ محمد وقيع الله «البرعي» أحد أبرز شيوخ الصوفية العاملين في السودان والعالم الإسلامي، الذي أسس والده الزريبة في عام 1900 خلفه البرعي على سجادة الطريقة السمانية؛ حيث ساعد الشيخ في الأعمال الخيرية، وقام بتزويج أكثر من خمسة آلاف شاب وشابة، كما تقوم بعض الطرق الصوفية بالرعاية الاجتماعية ورعاية الأحداث، وإطعام الأيتام والأرامل وتبني اللقطاء.

(*) نمط تنموي
(التعليم- والتثقيف): دور الطرق الصوفية في قطاع التعليم بين أفراد المجتمع، هو دور قديم، لكن تم تحديثه بوسائل متقدمة؛ حيث انتقلت الطرق الصوفية من الكتاتيب إلى نشر المدارس الصوفية، مثل المدارس التي تنشرها حركة الخدمة التركية برئاسة فتح الله كولن؛ حيث وسعت الحركة في الفترة الأخيرة بدول عربية (مصر والجزائر والمغرب وتونس)، وغيرها من تأسيس مدارسها، لتقديم نموذج تعليمي جديد داعم للوسطية ومنفر للعنف، كما ساعدت تبرعات أصحاب الشركات ورجال الأعمال لصناديق الطرق الصوفية وبعض الزوايا في تقديم منح مدرسية لتعليم غير القادرين في مصر والسودان.

وتقوم الطرق المغربية بنفس الدور في منطقة الساحل والغرب الأفريقي، ففي السودان قامت الطريقة السمانية بإنشاء أكثر من 15 معهدًا لتدريس القرآن وعلوم في العديد من المناطق الريفية، وفي المغرب والجزائر تقوم الطرق الصوفية، خاصةً في منطقة الغرب الجزائري ومنطقة القبائل، ومناطق الريف المغربي، بدورٍ علميٍّ يتمثل في تدريس القرآن الكريم، ومختلف العلوم الشرعية وتثقيف الأئمة.

ورغم تراجع الدور العلمي للصوفية في مصر في الوقت الراهن، فإن هناك احتمالات لإحياء الجانب التعليمي من جديد، خاصةً بعد تأسيس الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، لطريقته «الشاذلية العلية»، كما تحرص الطرق الصوفية المصرية على إقامة الموالد باعتبارها ظاهرة اجتماعية وفي الوقت نفسه تمثل مؤتمرات لتدريس شؤون المسلمين محليًّا وعالميًّا، وبذلك تكون أداة لجذب مريدين جدد، وتستقطب بعض الشباب من العنف الذي تروِّج له الجماعات التكفيرية.

«الدبلوماسية الروحية»..

(*) نمط تسوية الصراعات
يعتبر هذا النمط، هو الأكثر ممارسة في مصر والسودان، مقارنة بدول المغرب العربي، ففي مصر شهدت السنوات الأخيرة تحركًا من قِبل مشايخ الطرق الصوفية (النقشبندية والإدريسية، والدندراوية) في مناطق الثأر والصراع القبلي والعائلي، واستطاع مشايخ هذه الطرق وأد الخلافات الثأرية من خلال عقد مجالس الصلح، والتي تشهد تقديم الكفن لصاحب الدم، وإن كان هذا يتم في مرحلته النهائية بالتنسيق مع جهاز الشرطة، وقد ساعد على قيام الطرق الصوفية المصرية بهذا الدور، هو التفاف قيادات تلك المجتمعات من غير المتصوفة مع الطرق الصوفية، سواء ضباط شرطة وقضاة أو إعلاميون، وغيرهم من النخب في تلك المجتمعات، وهذا أعطى دعمًا وثقلًا في إتمام تلك المصالحات من قبل مشايخ الطرق الصوفية.

تعدّ دولة السودان الأعلى بين الدول العربية في تفعيل هذا النمط من العمل الاجتماعي للطرق الصوفية؛ حيث تلعب الطرق الصوفية فيها دورًا كبيرًا في دعم الاستقرار المجتمعي، وفض المنازعات من خلال لجان المصالحات التي أصبحت تلحق بكل طريقة صوفية تقريبًا، وتضم محكمين على درجة عالية من الحكمة، وتتمثل أهم قضايا فض المنازعات التي تحسمها الطرق الصوفية بالمنطقة الأفريقية، في نزاعات الري، والزراعة والرعي، والمواريث والأحوال الشخصية، إضافةً إلى الاختلافات القبلية التي ينشأ بسببها الثأر بين القبائل، وتتمثل أهم أسباب نجاح نمط تسوية الصراعات بتلك المناطق، في تغلغل الصوفية في جذور المجتمع الأفريقي، وانتشارها بين أحشائه الريفية.

(*) نمط مكافحة الأمراض غير التقليدية (الإدمان والمخدرات)
من منطلق أن الصوفية تربية للنفس، وبدافع استجلاب الخير ودرء الشر، وباعتبارها نموذجًا اجتماعيًّا نقيًّا من الشعور بالعداوة والنقص والذنب الفردي أو الجماعي، فإنها تمثل لكثيرين ملجأ للتربية، والتخلص من السلوك الضار، سواء كان إدمانًا أو مخدراتٍ أو سرقةً، فقد سمحت الطرق الصوفية خلال السبعينيات والثمانينات بأفكارها بتجنيد القتلة وقطاع الطرق واللصوص، وأصبحوا من مريديها متكئين على سماحتها المفرطة وأناشيدها وأذكارها التي تعطيهم الأمل في التوبة.

أما الطرق الصوفية السودانية، فقد لعبت دورًا أوسعَ في هذا النمط، فقامت بمحاربة المخدرات والخمور، ودعت مستخدميها إلى الخلوة في المساجد المزودة بحجرات للدراسة والتعبد، ووفقًا لمراقبين سودانيين فإن عددًا كبيرًا من متعاطي المخدرات وشاربي الخمور تراجع عنها، ويعتبر الشيخ عبدالرحيم البرعي شيخ الطريقة السمانية واحدًا من أهم مشايخ الطرق الصوفية الذين مارسوا هذا النمط من العمل الاجتماعي في قرية الزربية التابعة لولاية شمال كردفان والتي تبعد عن الخرطوم بنحو 300 كيلومتر؛ حيث قام بإلقاء المحاضرات، وأعد ندوات ومؤتمرات للتوعية بمخاطر الإدمان والمخدرات، وعلى يده تراجع عدد كبير من أبناء الشعب السوداني تناول تلك المحرمات.

(*) نمط دعم التآخي الوطني والتعايش الاجتماعي (السلام الاجتماعي):
تغلغل الصوفية في المجتمعات، وكذلك صعوبة فصلها عن التكوين القبلي، إضافة إلى تقربها من السلطة في كلِّ المجتمعات التي تنشأ فيها، أدى إلى قيامها بدور فاعل في دعم الاستقرار والتعايش بين الديانات المختلفة في تلك الدولة، في مصر على سبيل المثال نجد الطريقة العزمية المصرية برئاسة الشيخ «علاء الدين أبوالعزائم» كونت رابطة مصرية من مسلمين وأقباط، كما أن معظم الطرق الصوفية تحرص على زيارة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية كل عام ميلادي؛ بهدف بث روح السلام الاجتماعي بين المسلمين والأقباط.

كما تلعب الطرق الصوفية في بلاد المغرب العربي وفي السودان والغرب الأفريقي، دورًا في الحوار والتعايش السلمي بين الأديان.

«الدبلوماسية الروحية»..


ثالثًا- معوقات الدور وكيفية تفعيله
إن قدرة الطرق الصوفية على القيام بأنماط وأشكال الدور الاجتماعي سابقة الذكر، تظل في المستوى المتوسط، مقارنةً بعدد الطرق الصوفية ومريديها المنتشرة في المنطقة العربية، فنجد أدوارًا تُؤَدَّى في مناطق وتغيب في أخرى، وهناك أدوار تتم على مستوى الدولة (نطاق جغرافي ممتد)، وهناك أدوار تظل محدودة مقتصرة على مريدي الطريقة وأفرادها، وعلى الرغم من محاولات بعض الطرق الصوفية من توسيع دورها الاجتماعي، فإن هناك مجموعات من المعوقات قد تحدّ من قيامها بهذا الدور، وتتمثل أهم هذه العوامل في الآتي:

1- ضعف الدعم المادي والمعنوي المقدم للطرق الصوفية من النظم السياسية في الدول العربية، وإن كانت تُسْتَثْنَى حالة دولة المغرب، ويرجع ذلك إلى أن أغلب الطرق الصوفية في دول المنطقة العربية لا تندمج في مؤسسات تتبع الدولة، ولا يحكمها قانون ينظم عملها، وهذا ما يعرضها لاضطرابات مالية وتمويلية، هذا إضافة إلى بطء الدعم المعنوي من قبل بعض الحكومات العربية للصوفية، فرغم رغبة بعض تلك الحكومات في أن تلعب الصوفية دورًا اجتماعيًّا لسد الفراغ الذي تركته تيارات الإسلام السياسي المتشددة، فإنها تتخوف من أن تتحول الصوفية إلى فاعل اجتماعي قوي يصعب السيطرة عليه.

2- تراجع الدعم الغربي للطرق الصوفية في المنطقة العربية؛ حيث يؤدي الدعم الغربي ماليًّا للطرق الصوفية عبر طرق مشروعة وقانونية، إلى تفعيل دورها الاجتماعي، خاصةً فيما يتعلق بنمط التكافل الاجتماعي، فقد تلاحظ تراجع مشروع دعم الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي للطرق الصوفية في العديد من البلاد العربية، خاصةً بعد ثورات 2011، وصعود تيار الإسلام السياسي لسدة الحكم في بعض الدول

3- الفهم الخاطئ لبعض الطرق الصوفية للتصوف، باعتباره مبدأً دينيًّا لا علاقة له بالعمل الخدمي والاجتماعي؛ حيث أدى هذا التصور إلى اقتصار العمل الصوفي في بعض الطرق على ممارسات روحانية متمثلة في الذكر الصوفي والتبرك بالآخرين، وهذا التصور يحتاج إلى تغيير من خلال نشر الصوفية العلمية التي تحيي الثقافة الاجتماعية عند تلك الطرق وتنميها.

4- عدم تنسيق شيوخ الطرق الصوفية فيما بينهم، سواء كان هذا على مستوى الدولة أو خارج حدودها -أي الطرق الإقليمية المتنافسة- على توحد مواقفها تجاه مشكلات المجتمع في أغلب الدول العربية، وإن كانت دائمًا تتحرك خلف السلطة، ومن ثم لا تخلق مساحة لها في اختراق مشكلات المجتمع التي تساعدها على جذب تمويل.

5- عدد كبير من الطرق الصوفية لم تخرج من النطاق الجغرافي الضيق الذي نشأت فيه، فهناك طرق دورها لا يخرج عن حدود القرية والنجع، وأخرى لم يتجاوز حدود الإقليم أو المركز الذي يوجد فيه مقرها الرئيسي، وإن كانت هناك استثناءات؛ حيث توجد ساحات صوفية في قرى وأقاليم مصر والسودان تلعب دور مهمًّا في المصالحات وبناء السلام المجتمعي.

6- الكمون الدائم عند معظم الطرق الصوفية العربية؛ حيث نجدها تظهر في الموالد فقط وفي بعض الأزمات السياسية، وهذا واضح في الحالة المصرية والجزائرية، وإن كانت تستثنى حالات المغرب والسودان ودول الغرب الأفريقي.

7- غياب التنسيق بين الطرق الصوفية العابرة لحدود الدولة، فعلى الرغم من سعي بعض الطرق لتأسيس منظمات عالمية للطرق الصوفية، واتحاد عالمي للطرق الصوفية مقره باريس، فإن حلقة التواصل بين هذه الطرق العالمية مازالت مفقودة، وإن كان تواصلها سيخلق مصادر دعم مادي من الجاليات العربية في أوروبا التي تحرص على تغلغل الفكر والممارسات الصوفية بين أبنائها لمواجهة التيارات المتشددة.

مواجهة التحديات السابقة التي تحد من توسيع وتنوع الدور الاجتماعي لبعض الطرق الصوفية العربية، يتطلب التحرك في مستويات عدّة، يعدّ من أهمها:

ضرورة خروج بعض الطرق الصوفية من الخلوات إلى الجلوات، وضرورة تحولهم من صالحين إلى مصلحين، وانتشارهم في المناطق المهمشة من المجتمعات الإسلامية لقيادة عملية الإصلاح الاجتماعي، ونشر مبادئ التكافل الاجتماعي التي أقرها الإسلام.

ضرورة التواصل العلمي بين الطرق الصوفية عن طريق تبادل ونقل التجارب والأدوار الاجتماعية التي تقوم بها بعض الطرق في المنطقة العربية، بالإضافة إلى استمرارية القدرة الصوفية في دول المنطقة على التشابك، والترابط، وتوحيد الأدوار خلال الفترة المقبلة؛ حيث يُساعد تشكل تيار صوفي قوي وممتد في جميع دول المنطقة، على تشكيل تيار صوفي عربي يتبنى قضاياهم المجتمعية في المنطقة، من خلال التنسيق مع الحكومات

العمل على تعميم النموذج المغربي في العلاقة بين الصوفية والسلطة؛ حيث عمل النظام المغربي على إدماج الصوفية في الحكم، والدعوة إلى العودة إلى الإسلام «الصوفي»، الذي ارتبط بالطرق والزوايا الصوفية، التي طبعت تاريخ المغرب الرسمي والشعبي على حد سواء، ومن ثم تطبيق النموذج المغربي في العلاقة بين النظام والصوفية قد يخلق للدولة حليفًا استراتيجيًّا جديدًا، متمثلًا في الإسلام الصوفي الطرقي، يستطيع أن يخترقَ المجتمع ويخلق دورًا اجتماعيًّا لنفسه في المناطق التي أفرغت من الدور الاجتماعي، الذي كانت تلعبه جماعة الإخوان.

التوسع في إنشاء المراكز والزوايا الصوفية، خاصةً في المناطق الأفريقية دائمة النزاع، حتى تصبح تلك المراكز ملاذات آمنة يلجأ إليها الناس عند حدوث الكوارث والأوبئة، ويمثل النموذج الأمثل في هذا الإطار الذي يجب دراسة ما تقوم به الطريقة التيجانية في جنوب كردفان.

تفعيل دور الطرق الصوفية العابرة لإقليمها والاستفادة منها ماليًّا، باعتبار فروعها في مناطق الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا، تمثل مصادر جادة لجمع التبرعات التي يمكن الاستفادة بها في تفعيل مختلف أنماط الدور الاجتماعي، سواء رعاية أيتام ومكافحة الأوبئة وتسوية الأزمات ودعم السلام في مناطق الصرعات الأفريقية.

دراسة وتعميم النموذج الاقتصادي التي تتبعه الطرق العابرة للإقليم على الطرق الإقليمية والمحلية، حتى تستكفيَ ماليًّا وتصرف على أنشطتها الاجتماعية في المناطق التي توجد فيها، وهذا النموذج الاقتصادي الذي تبنته بعض الطرق الصوفية يقوم على تأسيس شركات مساهمة من مريديها ومحبيها، تستطيع أن تصرف على نفسها دون طلب الهبات والنفحات، وتتحول من مجرد جماعات تقليدية لحركات اجتماعية محلية معدومة الدور إلى حركات متواصلة مع العالم الخارجي متأثرة بالبيئات التي انتقلت اليها ومؤثرة فيها، ومن ثم تلعب دورًا اجتماعيًّا يساعدها على منافسة مؤسسات المجتمع المدني

في النهاية يمكن القول: إنه من الضروري توسيع الدور الاجتماعي للطرق الصوفية العربية، ومواجهة تحدياته خلال الفترة المقبلة، حتى يصبح التصوف عنصرًا أساسيًّا ضمن استراتيجية إعادة هيكلة الحقل الديني في المنطقة العربية، ويكون البديل الآمن لجماعات الإسلام الحركي؛ حيث إن تفعيل الدور المجتمعي للتصوف، سيؤدي إلى إعادة توطين الطرق الصوفية في المجتمعات الفقيرة والريفية، ومن ثم يكون بمثابة استراتيجية ناجحة في تخفيف ظاهرة الإسلام الحركي المتشدد والعنيف.

"