رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

الدور السياسي للطرق الصوفية في المنطقة العربية

الخميس 30/أغسطس/2018 - 04:43 م
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
د. مبارك عبدالله – خبير في النُّظُم المقارنة
طباعة
تمتلك الطُّرُق الصوفية مقومات البديل لتيارات الإسلام الحركي، التي تنتهج العنف والتطرف لتحقيق أهدافها، والتي تُوَظَّف من قبل أجندات إقليمية ودولية لخدمة مشاريع تطرح رؤى أيديولوجية متنافسة لمستقبل المنطقة العربية.

الصوفيين
الصوفيين
وتمارس الطُّرُق الصوفية دورًا سياسيًّا في العديد من النُّظُم العربية، حيث تميزت بمساندتها للنُّظم الحاكمة، ودعم استمراريتها وبقائها، سواء من خلال تبني برامجها وتوجهاتها السياسية أو من خلال عمليات الحشد والتعبئة في الانتخابات بمستوياتها المختلفة، يُضاف إلى ذلك امتلاك الطُّرُق الصوفية لمنظومة قيمية تتسم بالانفتاح على الآخر، وتدعم قيم التعايش المشترك والتسامح، وهو الأمر الذي جعل عددًا من الدارسين يعتبرونها بديلًا لتيارات الإسلام الحركي في المنطقة العربية، التي استغلت توظيف المكون الديني للوثوب إلى السلطة بعد الانتفاضات العربية، وإخفاقها في تسيير شؤون الحكم بما أدى إلى تشرذم قوى المجتمع، ودخولها في حالة من الاستقطاب المجتمعي، أَدَّت إلى تأزم واضح في دور الدولة، وعدم قدرتها على القيام بوظائفها التقليدية في نماذج عربية متعددة لم تتعافَ بعد من تداعيات هذه الانتفاضات.

كذلك، فإن إشكالية التصوف وعلاقته بالسياسة لا تقتصر على المستوى المحلي فقط، بل تتجاوزه إلى المستوى العالمي، بعد أن أصبحت الجماعات الإسلاموية المتشددة والمتطرفة تمثل خطرًا داهمًا وتهديدًا كبيرًا على المجتمعات الغربية، فبدأت هذه المجتمعات تبحث عن نمط للتدين الإسلامي يخلو من العنف، ويسمو بالقيم الروحية، ووجدوا في التصوف ضالتهم، ولكن سيظل إقبال الطُّرُق الصوفية على العمل السياسي هو المقياس الرئيسي لمدى قدرة هذه الطُّرُق على إدراك ثقلها لتصبح بديلًا للجماعات الإرهابية والمتطرفة، التي انتشرت في المنطقة العربية، وأسهمت في اسقاط العديد من دولها، والتي مازالت تعاني من تهديدات مضاعفة لأمنها القومي.

تأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه الدراسة للإجابة على تساؤل محوري، يرتبط بماهية الدور السياسي للطرق الصوفية في المنطقة العربية، وما إذا كان هذا الدور يمتلك مقومات البديل لتيارات الإسلام الحركي، التي وَظَّفَت الدين بطُرق مغايرة لتحقيق أهدافها، وما هي العلاقة بين الفكر الصوفي والسياسة؟ وما هي الأدوار السياسية للحركات الصوفية في المنطقة العربية؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجه هذا الدور؟

لذا، تنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية، يتناول المحور الأول السياسة في الفكر الصوفي، فيما يتناول المحور الثاني الأدوار السياسية للصوفية في المنطقة العربية، أما المحور الثالث والأخير فيحلل التحديات التي تواجه الدور السياسي للصوفية في المنطقة العربية.

أولًا: السياسة في الفكر الصوفي:
تشير أدبيات الفكر الصوفي إلى أنه يقوم على أربع ركائز أساسية، هي «الزهد، المعرفة، المحبة والولاية»، وهي المقومات الأساسية التي تشكل منظومة قيم المتصوفين، ويتم اكتسابها من خلال المسيرة الصوفية التي تستوجب التخلي عن الملذات الدنيوية، وصولًا للاقتراب من طريق السائرين السالكين إلى الله.

في المقابل فإن الممارسة السياسية تستوجب الانخراط في الشأن العام، وإذا كانت السياسة تعني القيام على الأمر بما يصلحه، فإن بعض المتصوفة وجدوا أن الحلَّ في ترك السياسة والانقطاع إلى التصوف؛ حفاظًا على نقائه وصفائه من متغيرات السياسة أو الاتجاه للفصل بين الدين والسياسة، باعتبار أن الدين هو مجال المطلق، في حين أن السياسة هي مجال النسبي الذي ربما يُصيب أو يُخطئ.(1)

استكشاف العلاقة بين الركائز الأربع للفكر الصوفي والسياسة، وما إذا كانت هذه الركائز تستند في جزء من ممارستها على السماح للأتباع والمريدين بالانخراط في الشأن العام، أو أنها تقوم بالأساس على الفصل ما بين مسار التصوف والعمل السياسي، جعل اتجاهات معنية بدراسة الشأن الصوفي ترى أن هذه الركائز، وما تنطوي عليه من علاقة ما بين المريد وشيخه -في الطُّرُق الصوفية باختلافها- تعد بمثابة اكتساب لقيم سياسية، كما تحمل في طياتها ممارسة للسياسة ولكن بشكل غير مباشر.
عمار علي حسن
عمار علي حسن
فـ«الزهد» في الفكر الصوفي، وفقًا للدكتور عمار علي حسن (كاتب وباحث مصري)، في مؤلفه «التنشئة السياسية في الطُّرُق الصوفية»، يعني الانسحاب من الحياة العامة في مواجهة الانخراط السياسي، حيث إنه جاء كنتاج للخلافات السياسية التي نشبت بين الفِرَق الإسلامية من جهة، والتفاوت الاجتماعي الذي حدث بعد انقضاء الخلافة الراشدة، وازدادت حدته في العصر العباسي؛ ما دفع بعض المسلمين إلى الميل للتصوف والعزلة والزهد في شؤون الدنيا، لذلك يعتبر «عمار» أن الزهد يخلق قيمًا سياسية متعارضة من حيث اتجاه المتصوف نحو العُزلة والزهد في ممارسة السياسة باعتبارها ممارسة دنيوية، في الوقت نفسه فإن الزُّهد الذي يمارسه المتصوف من حيث الترفع عن الماديات والمناصب يجعله أكثر قدرة من غيره على مقاومة إغراءات السياسة من خلال ممارسة قيمها بشكل غير مباشر، مثل التمرد والانزواء، والوقوف أمام السلطان الجائر، فهو ليس في حاجة إلى هبات الحاكم وعطاياه.(2)

أما «المعرفة»، وهي الركيزة الثانية في الفكر الصوفي، فتقود إلى تقديس الأشخاص أو الشيوخ، ورتبة المشيخة من أعلى الرتب في الطريقة الصوفية، فقدسية الشيخ لدى مريديه تأتي مما يقوم به تجاههم؛ حيث يسلك بهم طريق الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وسلم)(3)، وبالتالي كان الشيخ العارف بالله أحد دعائم المسار الصوفي، والذى يمرُّ بمراحل حتى يصل لهذه الدرجة، فوفقًا لكتاب «الصدق» لأبي سعيد الخراز (من أعلام التصوف)، الذي حققه الدكتور عبدالحليم محمود -رحمه الله-، والذي يرصد فيه المقامات الصوفية؛ حيث إن أول الطريق إلى الله التوبة، ثم ينتقل من مقام الصالحين، ثم مقام المريدين، ثم مقام المطيعين، ثم مقام المحبين، ثم مقام المشتاقين، ثم مقام الأولياء، ثم مقام المقربين(4)، ومن ثم فإن هذا المسار يجعل للشيخ على المريد سُلطة توجيه تجعله يخضع له، ويستسلم لأوامره، بل ويصطبغ بتوجهه السياسي، وموقفه من القضايا المجتمعية المثارة، وهو الأمر الذي ظَهَر بجلاء إبان الانتفاضات العربية التي جعلت مشايخ الطُّرُق الصوفية يتجهون نحو العمل السياسي، وتوجيه أتباعهم ومريديهم على نفس خطهم.

وتعدُّ «المحبة» الركيزة الثالثة في الصوفية، وتعمل بدورها على إعلاء قيمة التسامح بين المريدين وبين الآخر، ولعل وجود قيمة المحبة هي التي ساعدت الطُّرُق الصوفية على الانتشار والتغلغل داخل المجتمعات العربية، بل ووصولها إلى العالمية وانتشارها في المجتمعات الأوروبية، في ظلِّ وجود جاليات عربية حملت مشاعل الصوفية إلى هذه المجتمعات، التي عانت من أفكار الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي اخترقتها، ونفذت عملياتها الإرهابية في العديد من عواصمها، التي ظنَّ أهلها بأنهم في مأمن من غدر هذه الجماعات التي استغلت مناخ الحرية الغربي، بل واتجاهها إلى تجنيد الشباب في عدد من المجتمعات الأوروبية.

أما الركيزة الرابعة والأخيرة، فهي «الولاية»، التي تقوم على حقِّ الوليِّ الصوفيِّ في الوصاية على الأتباع والمريدين، والتي تدعم قيم الطاعة والخضوع له؛ استنادًا لفكرة الكرامة والأسطورة عن الشيخ الصوفي.

وقد أظهرت كتابات الأئمة المتصوفين، أن الصوفية لا تعني البُعد عن شؤون الدنيا ورفض الانخراط في ممارسة العمل السياسي والزهد فيها، بل هي في جوهرها قمة الاهتمام بالشأن العام، فالشيخ عبدالحليم محمود -والذي وصِفَ بإمام المتصوفين- قاد معارك عديدة في شأن استقلالية الأزهر، كما كان له دور بارز في أن يتوسع الأزهر الشريف في رسالته العالمية لحفظ القرآن، فضلًا عن دراساته التي تُرْجِمَت إلى لغات متعددة يشرح فيها وسطية الإسلام واعتداله، والرد على الغُلاة والمتطرفين والمستشرقين، وهي الآراء التي وَجَدَت صداها في الدول الغربية، ونظمت له محاضرات في دولها، كما زخرت كتاباته بأن التصوف لا يقوم على الانسحاب من الحياة بل هو العبودية الحقة الخالصة لله، وأنه جهاد في الحياة، كما أنه جهاد في ساحة الحرب، وجهاد رموز التصوف على مرِّ التاريخ مثل: شقيق البلخي، وحاتم الأصم، وأبوالحسن الشاذلي، والأمير عبدالقادر الجزائري، وكانت ألقاب بعضهم دليلًا على سعيهم في الدنيا بالعمل والضرب في الأرض لا التواكل الذي يدعيه البعض على الصوفية، مثل: القصار، والخراز، والوراق، والحلاج، والزجاجي، والفراء.
 عبدالحليم محمود
عبدالحليم محمود
واعتبر الدكتور عبدالحليم محمود أن التصوفَ قوةٌ؛ ذلك لأن نفوس الصوفية هينة عندهم في سبيل الله، يبذلونها عن رضاء لإعلاء كلمة الله، فهم الذين جشموا أنفسهم المشاق لنشر الإسلام بين ربوع أفريقيا التي لم تفتحها الجيوش الإسلامية، وقد كان لهم الفضل الأكبر في نشر الإسلام بإندونيسيا، وغيرها من الأقطار الإسلامية، وكانوا ينشرونه بالقدوة الحسنة، والخُلق الكريم أكثر ما ينشرونه بالدعاية التي قد لا تُجدي.(5)

ومنذ نشأت الصوفية وهي منخرطة في العمل السياسي على مرِّ التاريخ، ولكن بشكل غير مباشر، فالصوفية لا تمتلك مشروعًا سياسيًّا، ولا تسعى للوصول إلى الحكم، ولكنها على تَوَافُق دائم مع جميع الأنظمة، كما أن تصادمها الدائم مع ما يُسمى بجماعات الإسلام الحركي، التي تحارب أنظمة الحكم، جعلها الأقرب من هذه الأنظمة، والاتجاه نحو مساندتها ودعمها، لذا نجحت الطُّرُق الصوفية في المنطقة العربية في إثبات حضورها بقوة على الساحتين الدينية والسياسية خلال الفترة الأخيرة؛ نظرًا لانتشارها وتزايد أتباعها، وتكوينهم تجمعات مغلقة تُشبه مجتمعات «الجيتو».

ثالثًا: الدور السياسي للصوفية:
تنوعت الأدوار السياسية التي مارستها الطُّرُق الصوفية في المنطقة العربية، والتي يمكن تناولها في العناصر التالية:

1- تأسيس أحزاب سياسية: 
منذ اندلاع الانتفاضات العربية، عام 2011، سعت الطُّرُق الصوفية في عدد من الدول العربية إلى تعزيز مشاركتها السياسية، وذلك من خلال تأسيس عدد من الأحزاب السياسية؛ بهدف الوصول إلى البرلمانات التي بدأت في التشكل، وهو الأمر الذي جسدته الحالة المصرية من خلال تأسيس بعض الطُّرُق لأحزاب سياسية تمثل الأذرع السياسية لها، مثل أحزاب: «التحرير المصري، نهضة مصر، والنصر الصوفي».

ففي سبتمبر من عام 2011م، وافقت لجنة الأحزاب السياسية على تأسيس حزب «التحرير المصري»، وهو أول حزب صوفي في مصر برئاسة «إبراهيم زهران»، وإلى جانب «زهران» تولى عدد من الرموز الصوفية مناصب قيادية بالحزب، مثل: الأمين العام عصام محيي الدين، والطاهر الهاشمي (نقيب الأشراف بمحافظة البحيرة) وأمين مشيخة الطريقة الهاشمية، بالإضافة إلى محمد علاء الدين أبوالعزائم، شيخ الطريقة العزمية وكيل مؤسسي الحزب، أما حزب «النصر» فقد تم إنشاؤه في أكتوبر 2011، ويضم أطيافًا عدة من الطُّرُق الصوفية.

ولم تكتف هذه الأحزاب بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية، ترشحًا وانتخابًا، بل كان لها مواقفها المؤيدة لثورة 30 يونيو 2013، فضلًا عن مواقفها الداعمة للدولة المصرية في مكافحة الإرهاب، ومحاربة الجماعات المتطرفة، التي سعت لتوظيف الدين لخدمة أجندات خارجية بالأساس، كما قام عدد من القيادات الشبابية الصوفية بتأسيس «ائتلاف الصوفيين المصريين»، وقد انخرط في هذا الائتلاف نحو 10 آلاف صوفي بهدف المشاركة الصوفية في استحقاقات ما بعد ثورة 25 يناير 2011.(6)

وتاريخيًّا، لم يكن الأمر قاصرًا في العلاقة بين الطُّرُق الصوفية والنظام السياسي في مصر على مجرد استفادة النظام من دعم الطُّرُق الصوفية، بل إن الطُّرُق قد حققت الكثير من المصالح لمشايخها من خلال هذه العلاقة، فقد تولى شيخ الطريقة الجنيدية منصبًا مهمًا في تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي، وأصبح عضوًا في مجلس الأمة لثلاث دورات متتالية، وحصل «كامل القاياتي»، شيخ الطريقة القاياتية الخلوتية، على عضوية في مجلس الأمة عن دائرة العدوة، وتولى «الشيخ محمد المسلمي» منصب سكرتير مساعد لجنة الاتحاد الاشتراكي عن محافظة الشرقية، و«الشيخ خير الله فضل عطية» منصب سكرتير عام الاتحاد الاشتراكي في مرسى مطروح(7).
عبدالعزيز بوتفليقة
عبدالعزيز بوتفليقة
وفي الجزائر، انضمت العديد من الشخصيات الصوفية إلى الأحزاب السياسية، منذ وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم عام 1999، لاسيما أن الزوايا الصوفية لها مكانتها المحورية داخل المجتمع الجزائري، باعتبارها -وفق العديد من الدارسين- ركائز أساسية في الحفاظ على الهوية الإسلامية للجزائر، كما تجلت هذه الأهمية في تكرار زيارات الرئيس بوتفليقة للزوايا الصوفية خلال جولاته بالمحافظات، وحديثه مع القائمين عليها.

من ناحية أخرى تلعب الزوايا دورًا رئيسيًّا في الحشد والتعبئة للانتخابات، باعتبارها من أهم القوى السياسية والاجتماعية في الجزائر، ولها تأثير يفوق تأثير الأحزاب السياسية؛ لأنها قادرة على تغيير نتائج الانتخابات، خاصة في المناطق الريفية التي يوجد بها أتباع ومريدون لهذه الطرق.(8)

2- مساندة النُّظُم الحاكمة: 
يُشَكِّل دعم ومساندة النُّظُم الحاكمة أحد الخصائص التي ارتبطت بمسيرة الحركة الصوفية في المنطقة العربية، ففي الجزائر رغم أن الزوايا الصوفية ترفض الانخراط بشكل مباشر في الحياة السياسية، إلا أنها تقرر دائمًا موالاة الحكومة القائمة، وتطلب من الشعب دعمها، والتصويت لمرشح حزب السلطة القائمة، ومن أجل هذا تتحالف الزوايا في الجزائر كقوة سياسية مع السلطة القائمة، التي تُعْطَى في كلِّ مرة امتيازات جديدة لها.

يضاف إلى ذلك، أن الزوايا الصوفية في الجزائر ساهمت في إمداد الحكومات المتعاقبة بعدد معتبر من وزراء الشؤون الدينية، كما أن هذه الزوايا الصوفية لديها ممتلكات وقفية تُقَدَّر بمليارات دولارات، بل وبعض الزوايا تمتلك عقارات وأوقاف في دول عربية وأفريقية (9). 

وفي المغرب، اتجهت الدولة نحو إعادة تأهيل الحقل الديني لتعزيز مساندته للنظام الملكي، وقامت فكرة إعادة التأهيل على ركيزتين أساسيتين، الأولى: العودة إلى ما يُسمى في المغرب بـ«الإسلام الشعبي»، أي إسلام الزوايا الذي يقوم على التصوف باعتباره تراثًا دينيًّا وثقافيًّا مغربيًّا محضًا يمثل الشخصية الدينية المغربية، وثانيًا: استعمال هذا الإسلام الشعبي في التصدي للمدِّ المتنامي الذي يمثله أنصار الإسلام المتشدد، فقد كان يُنظر إلى التصوف باعتباره نقيضًا للغلو في الدين الذي تدعو له المذاهب الراديكالية والمتشددة.(10)
علاء أبوالعزائم
علاء أبوالعزائم
3- العمل كجماعات مصالح: 
تتشكل الطُّرُق الصوفية من فروع متعددة منتشرة في المنطقة العربية، وهو الأمر الذي جعلها أقرب إلى جماعات المصالح التي لديها أهدافها، وتسعى لتحقيقها عبر وسائل واستراتيجيات معينة، فعلى سبيل المثال عندما وصلت تيارات الإسلام الحركي إلى سُدة الحكم في عدد من الدول العربية، استنفرت الطُّرُق الصوفية أعضاءها للدفاع عن مكتسباتها، والحفاظ على مكانتها داخل المجتمعات العربية، لاسيما أن بعض المنتسبين لتيارات الإسلام الحركي تعتبر الممارسات الصوفية نوعًا من البدع التي يجب محاربتها، بل إن بعض التيارات المتطرفة وصلت إلى حدِّ تكفير المتصوفين، وإنكار ممارساتهم، وهو ما جعل أجندة الطُّرُق الصوفية تنحى منحى جماعات المصالح، التي تتخذ ردَّ فعل معارض في حال المساس بها أو بمصالحها، وهو الأمر الذي أشار إليه شيخ الطريقة العزمية «علاء أبوالعزائم» عند سؤاله حول دواعي الاتجاه نحو العمل السياسي عقب ثورة 25 يناير، بالقول: إنهم يرون أن «مساعي جماعة الإخوان والجماعات السلفية للانخراط في العمل السياسي الرسمي تهدد التسامح الديني»، الأمر الذي يُلزم الصوفيين بأن ينحوا المنحى نفسه

وعبر «أبوالعزائم» عن تخوف الصوفيين من إلغاء مشيخة الطُّرُق الصوفية في حال تَقَلَّدَ السلفيون أو الإخوان زمام الحكم، ومن ثم فإنه ينبغي أن يكون هناك حزب للصوفيين تحسبًا لخطوة كهذه(11)، لذلك فقد جاء السلوك السياسي والانتخابي للتيار الرئيسي الصوفي في مصر –الأحزاب والطرق– حليفًا قويًّا لكلٍّ من السلطات الانتقالية والليبراليين، ومتماهيًا مع المؤسسة الدينية الرسمية، خشية من الموقف السلبي لسياسات تيارات الإسلام الحركي تجاه الصوفية.

4- تعزيز التوجه الليبرالي: 
تستند الطُّرُق الصوفية في ممارساتها على تعزيز القيم الليبرالية، ومنها قيم التسامح، والإخاء، والإنسانية، والتعايش المشترك، وهو الأمر الذي جعلها تدفع الاتهامات عن الدين الإسلامي بأنه دين إرهاب وعنف، فالطرق الصوفية بمشاربها وألوانها المختلفة هي تعبير عن مسار روحي داخل الإسلام، فهم يتحركون على الأرضية الإسلامية، ولهم صلة وثيقة بالتدين الشعبي، وروح الشريعة التي تسري بين الناس، أي أن الصوفية في التحليل النهائي هي تعبير عن تيار داخل الحالة الإسلامية، من خلال تقديمها نكهة ليبرالية في سلعتها الدينية.

ومن الملاحظ أن التيارات السياسية التي دعمتها الطُّرُق الصوفية ليبرالية النزعة، وخير مثال على هذا انضمام بعض أعضاء الطُّرُق الصوفية المصرية لحزب المصريين الأحرار. وتتسم ليبرالية الطُّرُق الصوفية بالخروج عن القيود الشرعية المتعارف عليها، حيث إن القيمة العليا لأغلب تلك الطُّرُق هي التسامح.

ويُقصد بالتسامح، التعالي على كلِّ الخلافات الدينية بين التيارات المختلفة، حيث نجد أن بعض الطُّرُق الصوفية بها مريدين من الشيعة والسنة في نفس حلقة الذكر؛ ما فتح مجالًا للاتهامات بين التيارات السلفية التي تُنكر التصوف إجمالًا، وتتهم المتصوفة بالتشيع؛ حيث يزور الصوفية مقامات الأولياء وآل البيت، فتُجَر الصراعات العقائدية إلى المنافسة السياسية بين هذه التيارات.

5- التشبيك الإقليمي والدولي: 
اتجهت الطُّرُق الصوفية نحو التشبيك الإقليمي والدولي من خلال السعي لوضع نشاطها في أُطر تنظيمية؛ للمساعدة في الانتشار الإقليمي، وممارسة أدوار سياسية تضع الطُّرُق كفاعل مؤثر في مسار التغيرات التي تحدث، ومنها على سبيل المثال تدشين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية، الذي عَقَد العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية الداعمة للتشبيك بين أتباع الحركة الصوفية، في ظلِّ وجود عدد من الطُّرُق العابرة للإقليم مثل (الطريقة البرهانية الدسوقية)؛ حيث انتقل مريدوها من مصر، وليبيا، والجزائر، والمغرب، واليمن، وتونس، وسوريا، والأردن، والسودان إلى دول أوروبية وغربية، وأصبح لتلك الطريقة مريدون وأتباع في السويد، والنرويج، والدنمارك، وألمانيا، وهولندا، ولوكسمبورج، وسويسرا، وإيطاليا، وروسيا، وكندا، والولايات المتحدة.

كما استطاع أيضًا مشايخ الطريقة المحمدية الفوزوية الكركرية، التي أسسها الشيخ محمد فوزي بالمغرب، الانتقال والانتشار بين الجاليات العربية في فرنسا، وإندونيسيا، وإسبانيا، واستطاع تلاميذ الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي الانتقال بطريقتهم من مصر وسوريا إلى معظم دول قارة آسيا، خصوصًا منطقة آسيا الوسطى، ويلقى هذا التوسع والانتشار دعمًا من الدول الغربية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض دول الاتحاد الأوروبي؛ بهدف الحدِّ من انتشار تيارات السلفية الجهادية، باعتبار أن التصوف يدعم قيم التعايش والتسامح.(12)
الشيخ محمود شلتوت
الشيخ محمود شلتوت
رابعًا: التحديات التي تواجه الدور السياسي للصوفية:
تتنوع التحديات التي تواجه الدور السياسي للطرق الصوفية، وهو ما يمكن إبرازه في العناصر التالية:

1- ازدواجية العمل الصوفي: 
على الرغم من أن الطُّرُق الصوفية أفرزت، في عصور ماضية، شخصيات اكتسبت محبة واحترام الجماهير، ونجحت في تكوين شعبية كبيرة لها، إلا أنه يمكن التفرقة بين نمطين من الطُّرُق الصوفية، أحدهما يواكب الحداثة وينخرط في العمل العام، ويدفع رموزه إلى قمة الهرم السياسي، كما هو الحال في تجارب مثل ماليزيا وتركيا، والآخر تماهى في الفلكلور واقتصر وجوده على المظاهر الاحتفالية والالتصاق بالثوب التقليدي، بل أعلى من قيمة الخرافات، وابتعد عن إنتاج أي ممارسات سياسية إيجابية، إلا ما تستفيد منه السلطة في تكريس شرعيتها، وهو ما يحدث في دول الشمال المغربي.

2- التشابك وصعوبة الفصل بين مكونات الخريطة الصوفية:
يصعب الفصل بين مكونات الخريطة الصوفية في المنطقة العربية؛ حيث إن أكثر من 50% من هذه الطُّرُق المنتشرة في دول المنطقة تربطها أصول ومعتقدات ومشايخ واحدة، وهذا التشابه الكبير في شكل الحركات الصوفية في الدول العربية جعلها تتقارب حتى في مواقفها السياسية، وهو ما تجلى بوضوح خلال فترة الانتفاضات العربية، سواء في مصر، أو في ليبيا، أو في اليمن، أو في تونس، أو في سوريا؛ حيث التزم أغلبها الصمت في بداية اندلاع الانتفاضات، بل أيد بعضها الأنظمة الحاكمة، في حين اقتصر موقف القليل منها في تأييده للثورات على إصدار بيانات فردية لا تعبر عن موقف واحد لصوفية الدولة، ففي مصر أصدرت الطريقة العزمية عدة بيانات تأييدًا لثورة 25 يناير، وفي سوريا أصدرت الطريقتان (الشاذلية والرفاعية) عدة بيانات تأييدًا للثورة السورية.(13)

3- ضعف التنظيم المؤسسي: 
يُشَكِّل ضعف التنظيم المؤسسي للطرق الصوفية في المنطقة العربية أحد أبرز الأزمات التي تواجه تشكيل تيار صوفي عربي قوي، ويتخذ هذا الضَّعْفُ ملمحين رئيسيين، أولهما، على المستوى الداخلي للطرق الصوفية فإن الطُّرُق الصوفية تفتقد إلى وجود كيانات صوفية تُلْزِم أعضاءها بتسديد اشتراكات معينة، وهو ما يجعل الرابطة بين الأتباع والمريدين مع الحركة رابطة روحية أكثر منها التزام بكيفية نشر مبادئ الطريقة، التي تحتاج إلى جهود من القيادات الصوفية ومريديهم.

يضاف إلى ذلك، أزمة التتابع القيادي التي تعاني منها غالبية الطُّرُق الصوفية، والتي ترتبط بالانقسامات والانشقاقات في بعض الطُّرُق الكبيرة، وهذا كان يحدث نتيجة الاختلاف على تولي منصب شيخ الطريقة، وظهور شخص من بين المريدين يحاول أن يصنع لنفسه صورة تقارب شخصية شيخ الطريقة، وبالتالي ينشق بمجموعة مصغرة تقوم على الكثير من مبادئ وشعائر الطريقة الكبيرة التي انشق عنها.

أما المستوى الثاني لهذا الضعف، فإنه يرتبط بغياب التنسيق بين الطُّرُق الصوفية على المستوى العربي من الناحية المؤسسية رغم وجود قواسم مشتركة تجمع ما بين هذه الطرق، وهو الأمر الذي يعمِّق من أزمة التيار الصوفي العربي، وعدم قدرته على تبني قضايا المنطقة، والمساهمة في تقديم حلول لها، لاسيما تلك المرتبطة بعلاقة التيارات الدينية وأزمتها مع دول المنطقة العربية، وهو ما يتطلب التشبيك، والترابط، وتوحيد الأدوار للمتصوفين العرب.

4- الاستقطاب والاستعلاء: 
ثمة مسألة لها بعد نفسي لدى بعض الطُّرُق الصوفية في تعاطيها مع الحركات الإسلامية الأخرى، وهي أنها تطرح نفسها على مريديها أنها البديل الأفضل لتمثيل الإسلام في الواقع، بيد أن صعود مشروع إسلامي له توجه سياسي يُسَبِّبُ حرجًا قد يراه البعض هزيمة لمشروعه، وهي رؤية تعود إلى مصطلحات تربوية لدى بعض المتصوفة تُوَلِّد الشعور باحتكار الفضيلة الدينية وازدراء الآخر، حتى وإن كان يعمل لخدمة المشروع ذاته، إلا أنه له معين آخر، فالتسامي بالإيمان الذي يتولد من خلال الانتظام في النسق الديني يغذي شعور الاستعلاء إذا لم تواكبه قيم التسامح والتواضع والحب، ويغذي الاغتراب الاجتماعي لدى الأفراد المنتمين لتنظيمات دينية.(14)

5- التنافس العقائدي: 
مع اتجاه الطُّرُق الصوفية في المنطقة العربية إلى الاهتمام بالقضايا السياسية، وابتعاد بعضها عن الهدف الأساسي التربوي، فأصبح الانتقاد العقائدي يحمل في طياته مظاهر المنافسة السياسية بين التيارات الدينية، وهو ما تجلى في كتابات الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر في الأربعينيات عندما أَلَّفَ كتابًا ينقض فيه ممارسات الطُّرُق الصوفية بشكل عام من التوسل بآل البيت، وزيارة القبور والأضرحة، والاحتفال بالمناسبات الدينية المختلفة، وهي الأفعال التي تتماثل مع ممارسات الشيعة.(15) 

◄الخلاصة:
يمكن القول أن الطُّرُق الصوفية بما تمارسه من أدوار سياسية في المنطقة العربية، وبرغم التحديات التي تواجهها، إلا أنها تمتلك مقومات البديل لتيارات الإسلام الحركي، التي تنتهج من العنف والتطرف سبيلًا لتحقيق أهدافها، والتي تُوَظَّف من قبل أجندات إقليمية ودولية لخدمة مشاريع تطرح رؤى أيديولوجية متنافسة لمستقبل المنطقة العربية، وهو الأمر الذي يتطلب من القائمين على الحركة الصوفية في المنطقة العربية ضرورة تعزيز الأُطُر المؤسسية سواء داخل الطُّرُق على المستوى المحلي أو على مستوى التيارات الصوفية في المنطقة العربية، بما يمهد الطريق لخلق تيار صوفي عربي قادر على مواجهة أزمة التيارات الدينية، وعلاقتها بالدولة العربية.

الهوامش
(1) ياسمين كامل منصور، مستقبل الصوفية السياسية في مصر، الحوار المتمدن 3751، 762012،http:www.ahewar.orgdebatshow.art.asp?aid=310974
(2) د.عمار علي حسن: التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر: ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار ديني تقليدي. القاهرة، دار العين للنشر، 2009.
(3) ياسمين كامل منصور، مستقبل الصوفية السياسية في مصر، مرجع سابق. 
(4) محمد الغريب، الأمام الأكبر عبدالحليم محمود... المنقذ من الضلال، 852015، http:www.albawabhnews.com1278949
(5) المرجع السابق.
(6) خلود خالد، الطُّرُق الصوفية في مصر: دراسة حالة الطريقة العزمية، الملف المصري، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 36، أغسطس 2017. 
(7) أبوالفضل الإسناوي، معضلة الدور السياسي للتيار الصوفي بعد ربيع الثورات العربية، 2122013، http:www.albawabhnews.com17622
(8) نواف رضوان، الطُّرُق الصوفية في الجزائر... دوران بين الدين والسياسة 212017، https:www.arab48.com%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A
(9) المرجع السابق.
(10) الصوفية.. دين الدولة الجديد في المغرب، 2072010، https:bit.ly2o7fd4Z
(11) ياسمين كامل منصور، مستقبل الصوفية السياسية في مصر، مرجع سابق. 
(12) أبوالفضل الإسناوي، الطُّرُق العابرة لإقليم: كيفية تفعيل الدور الصوفي في حماية الأمن القومي العربي، 7112013 http:www.siyassa.org.egNews3347.aspx
(13) أبوالفضل الإسناوي، معضلة الدور السياسي للتيار الصوفي بعد ربيع الثورات العربية، مرجع سابق. 
(14) حسن محمد شافعي، التجربة الصوفية ومعضلة الاشتباك السياسي، 9 9 2016، https:bit.ly2MtWz5G
(15) ياسمين كامل منصور، مستقبل الصوفية السياسية في مصر، مرجع سابق.
"