رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«نظرية الذراعين» واستراتيجية التحرك لدى «داعش» وإخوته

الأربعاء 29/أغسطس/2018 - 12:58 م
داعش
داعش
ماهر فرغلي
طباعة

أصدر عبدالله محمد، المُنظر المصري بسوريا، كتيبًا، اسمه «المذكرة الاستراتيجية»، تحدث فيه عن نظرية الذراعين، وكانت كاشفة عن حالة التنظيمات، على الأقل خلال العشرة أعوام المقبلة.


قصد عبدالله محمد من مذكرته الاستراتيجية، التي أصدرتها مؤسسة المأسدة الإعلامية.. «صوت شبكة شموخ الإسلام»، البحث عن أفضل وأكمل الاستراتيجيات للدخول في مرحلة إقامة إمارة للقاعدة، واستثمار الظروف الطارئة الحالية.


اختار من مذكرة عبدالله محمد ما أطلق عليه «نظرية الذراعين»، والمقصود الخطط اللازمة لإقامة إمارة باليمن والشام.


يقول عبدالله محمد، فى مذكرته المهمة جدًّا، إننى تلقيت عدة رسائل في الآونة الأخيرة، يسأل أصحابها عن أهم الجبهات التي يمكن العمل من خلالها في ظل الأوضاع الجديدة، وأحب أن أطمئنهم إلى أن ما جرى بعد الثورات العربية لم يقلص التيار الجهادي، بل ثبته وأعطاه قفزة ماراثونية لم تكن لتخطر على قلب بشر، والثورات العربية في محصلتها النهائية ما هي إلا كيوم «بُعاث»، الذي قتلت فيه صناديد الأوس والخزرج، واضطربت فيه موازين القوى في المدينة، ليفتح الله بعد ذلك أمام أي قوة فتية تصلح للقيادة وتستطيع ملء الفراغ.


تحدث مفكر القاعدة عن المبادئ والشروط اللازمة لنجاح الفكرة، وقال: «بما أننا ناقشنا مسألة المناخ المناسب لولادة مثل هذا المشروع، فلم يعد علينا إلا البدء في وضع الشروط اللازمة لذلك، وتحديد ملامح الاستراتيجية التي يمكن العمل من خلالها في هذه المرحلة، وأولها؛ هي مسألة الحشد الفكري والعاطفي التي يجب أن تسبق الخطوات التنفيذية للمشروع».


أكد محمد أن الحشد الفكري مهم، ضاربًا المثل بالأكراد، الذين انتزعوا من العالم الاعتراف بهم، رغم أنهم يعيشون في عدة دول، لها تاريخ طويل مع قمع الحركات الانفصالية الكردية.


في المذكرة، حدد عبدالله محمد شروط الموقع المناسب لإقامة الإمارة، ومنها ألا يكون في منطقة ميتة حيوي وسياسي كبعض الأقاليم في السودان والصومال وموريتانيا وصعيد مصر، وغيرها من المناطق التي لا تحظى بعوامل تجعل منها محط اهتمام للشارع الإسلامي، وأن يكون ضمن -أو بالقرب من- مناطق التأثير الديني، كما يضم تضاريس تساعد على العمل العسكري الدفاعي، كالموانع الطبيعية مثل الجبال والغابات والمستنقعات والأحراش وغيرها، من الموانع التي تُعيق حركة الجيوش النظامية، أو تحيد بعض الأسلحة المتفوقة كالطيران والمدرعات.


تحدث عبدالله عن اليمن، وأن به صفات جغرافية تساعد التنظيم، قائلًا: «أعتقد أن المرحلة القادمة سيكون فيها متسع أكبر للعمليات في المناطق المفتوحة، إلا أنه من الضروري أن تكون هناك قاعدة محمية بفعل العوامل الطبيعية؛ كي لا تتعرض القوات لإبادة جماعية إن تعرضت لحملات جوية واسعة أو عمليات تطويق، فضلًا عن وجود الأمن الغذائي، أي أن يضم مناطق زراعية، أو وبحيرات طبيعية، تشكل له قاعدة للاكتفاء الذاتي في الماء والغذاء، وأهمية ذلك تكمن في أن المناطق ذات الاكتفاء الذاتي في الماء والغذاء هي الأكثر قدرةً على الصمود في وجه أي حصار أو عقوبات اقتصادية من أي نوع».


كما ذكر أن الطبيعة السكانية المساعدة، والخصائص البشرية للمنطقة، من ناحية التدين والشجاعة والصبر على المشاق، وقابلية التحرك، تتوافر أكثر ما تكون في منطقتين من العالم العربي، هما (اليمن والشام)، فكلاهما يقعان ضمن المجال الحيوي لقلب العالم الإسلامي، ونستطيع من خلالهما تحريك عموم المسلمين، وأما القدس فهي ضمن منطقة الشام التي تضم سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، إضافة إلى سيناء.

عن استراتيجية التحرك في نظرية الذراعين، ذكر عبدالله محمد، أن المقصود هو أن القاعدة ستسيطر على منطقتين؛ إحداهما باليمن، والأخرى بالشام (لاحظوا كلمة «الظواهري» الأخيرة التي داع فيها النصرة لإقامة إمارة)، ونجاح منطقة الشام يعتمد على الضغط الذي تحققه منطقة اليمن ضد قوات العدو، والعكس صحيح، عن طريق شبكة الإشغال العسكرية، وشبكة التثبيت، وشبكة التغطية، وهذه تدخل فيها بقية الجبهات بشكل جزئى، لأن تشتيت جهود أي تحالف عسكري يحتاج إلى مواقع تتبادل الضغط والتغطية فيما بينها، وهذا أنسب ما يكون في الشام واليمن؛ لأن كلًا منهما يقع في محيط بشري يستطيع الإفادة منه، فاليمن سوف يستفيد من الطاقات الجهادية الموجودة في منطقة الخليج العربي والصومال والسودان للترابط البري والبحري فيما بينها والشام سوف يستفيد من أذرع الإمداد والتموين الآتية من العراق وتركيا ومصر وشمال جزيرة العرب.. فهذه ديناميكية لا ينقصها إلا الفوضى العارمة كي تبدأ بالعمل.


يكمل بقوله: لكي أقرب الصورة أكثر أقول إننا في حربنا ضد الحملة الصهيوصليبية قد فتحنا العديد من الجبهات في باكستان وأفغانستان ووزيرستان والعراق واليمن والصومال والمغرب الإسلامي، ونشرنا أذرع عسكرية حرة في منطقة الشام وأوربا، وبدأنا نجني أولى ثمرات الحرب، والتي مازالت مستمرة منذ عشر سنين بالضعف الاقتصادي المنذر بالانهيار الكبير للنظام المالي الأمريكي والاقتصاديات التابعة له، وذلك جراء حرب الاستنزاف التي اختارتها القيادة كنمط للقتال منذ التوجيه الاستراتيجي الأهم للشيخ أسامة بن لادن.


أنهى عبدالله محمد ما أطلق عليه مرحلة المصاولة، وقال إنها أوشكت على النهاية، وبمجرد الإعلان المفاجئ عن السحب الفوري للقوات الأمريكية من أفغانستان سنجد أنفسنا أمام وضع جديد يتطلب مجموعة تكتيكات جديدة للاستفادة من نتائج الحرب، ولا يعني ذلك أن نعود إلى ما كنا فيه من ملاذات آمنة في أفغانستان وغيرها؛ لأنها تقع على الهامش، وخارج مناطق الحيوية والتأثير، فالاستثمار الجيد لمرحلة المصاولة يكون كما يكون في أي حرب تبدأ من مجموعة جبهات تستنزف العدو وتنهكه حتى يصل إلى نقطة (الانكسار)، فنقوم عندها باختيار الجبهة المناسبة لنا.


حدد عبدالله محمد الخطوات عن طريق: التأمين الدعائي، والتأمين الذاتي، والردع، أما استراتيجية التحرك العسكري فقسمها لثلاث مراحل؛ وهي (البناء - القتال – التمكين)، وهي مراحل تعتمد على السرية في كل شيء، وترفع شعار «البناء من خلال المعركة»؛ بحيث يتركز الشغل الشاغل للمجاهدين في تدريب وإعداد الكوادر العسكرية وبناء شبكات الرصد، وتشييد البنية التحتية، والتأمين الاستراتيجي، وهي الإجراءات المقترحة للعمل على شل قدرات العدو العملية على شن الحرب، وحرمانه من المميزات التي كانت تساعده في الدخول إلى المنطقة.


استثمار السيولة

عن استثمار السيولة، الذي تحدث عنه عبدالله محمد، فببساطة استفادت السلفية الجهادية، والقاعدة، أو «داعش» وكياناتها المتنوعة في مصر، من الواقع عقب ثورات الربيع العربي، واستثمرت بعض العوامل في كيفية اختراق المجتمعات الشبابية على مختلف شرائحها وطبقاتها.

عقب سقوط حكم الجماعة بمصر، آمن قطاع كبير من شباب التنظيم بما يُسمى «التأسيس الرابع للجماعة»، وفق ما كتبه الشاب الإخواني محمد عباس من إسطنبول، وهو الذي يعني إبعاد القيادات عن إدارة الجماعة، وعدم الارتباط بشخص المرشد، وعدم الإيمان بما يسمونه وفق أدبياتهم، «الخديعات الثلاث»، وهي الديمقراطية، والتوافق، وخدمة الشعب، والإيمان بالجهاد، والصراع على التحكم وليس الحكم، وأن السياسة لتحكيم شرع الله وليست لخدمة الناس، ومن هذا التفكير انضمت عناصر إخوانية إلى الحركات المسلحة خارجيًّا وداخليًّا، والحديث السابق هو عن مصر.


السيولة التي خلقتها جماعة الإخوان داخل التنظيم في السنوات التي أعقبت 25 يناير، للاستفادة من كل التنظيمات الموجودة، وعمل اصطفاف منها أمام من أطلقت عليهم العلمانيون، أوجدت (حازمون) وتنظيمات أخرى مشابهة، مثل أنصار الشريعة، أو طلاب الشريعة، وهي التنظيمات التي استطاعت فيما بعد التغلغل داخل المجتمعات الشبابية، واستثمرت حماستهم، إلى حمل السلاح، ومواجهة الدولة، وفي هذه المرحلة ظهر هذا التطور المنهجي الذى لم يمنع الاندماج بين كل الكيانات، وتبادل الأدوار.


حاولت في المقابل، «داعش» الاستفادة من تلك الحالة أيضًا، ونجحت إلى حد ما في ضم كل من يريد حمل السلاح، واجتذبت شباب الجماعات المنهارة، وأبناء العناصر المقبوض عليها، الذين ارتبطوا أيديولوجيًّا ونفسيًّا بالانتقام، أو من القطاعات الشبابية المختلفة.


زيادة على الانتقام والثأر، هناك العوامل الأخرى، مثل الإحباط، أو انعدام الأمل في المستقبل، أو التحرك الجماعي في قطيع الجماعات، أو التنظيمات الشبابية، مثل الأولتراس، الذي احتوى الآلاف من الشباب الذين يشعرون بالإحباط، ويفقدون الثقة في الكبار.

كتب القيادي السلفي، عبدالمنعم الشحات، مقالًا على الموقع الرسمي للدعوة السلفية (أنا السلفي) عن ثقافة المرحلة، تساءل فيه عن الدعوة السلفية وكيف تستفيد بهذا الواقع، وقال: كيف نستثمر العوامل الإيجابية التي ظهرت في مجتمع عانى من ويلات الكبت والقهر لعقود من الزمن؟ وما خلفته المرحلة التي أطلت برأسها علينا؟ نحتاج الى عقد ورش عمل وصالونات ثقافية حول الوسائل التى نستطيع أن نحتوي بها الظاهرة الثورية، وكيفية اختراق المجتمعات الشبابية على مختلف شرائحها وطبقاتها. 


إن استغراق الجماعات الدعوية فى السياسة، وتقصيرها في ملف الدعوة والتربية، أحدث شرخًا كبيرًا في المجتمع، تلمسنا جميعًا آثاره ونتائجه، فلابد أن نعود مرة أخرى وبأقصى سرعة إلى الاهتمام بهذه المحاور التي لن يهتم بها غيرنا، ولابد أن يعود إلينا اللسان الدعوي وطريقة الحوار التربوية، لأن لغة السياسة أفقدتنا -ولا شك- مساحة من القبول المبدئي في أوساط الشباب، وأصبح بعضهم ينظر إلينا بعين الخصم السياسي، أو المنافس الحزبي، بعد أن كان ينظر إلينا بعين التوقير.

ما سبق يعني أن الدعوة السلفية، كتنظيم مماثل للإخوان، أو التنظيمات المسلحة، أدركت أنه يمكن أن يستفاد من الحماسة الشبابية، كما يمكن أن يخترقها، وأن يحتوي هذه الظاهرة الثورية الشبابية، من أجل التمدد على حساب التنظيمات الأخرى، التي نجحت في ذلك عن طريق السيولة، كما عن طريق ترميم الهياكل التنظيمية من الداخل.

"