رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

الإخوان واستدعاء «العنف المؤجل»

الأحد 19/أغسطس/2018 - 11:37 ص
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

إن مواقف الإخوان خلال الأربعين عاماً الماضية بشأن إدانة العنف، والقبول بمدنية الدولة، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، لم يكن إلا خطاباً مرحلياً، فرضته ظروف إعادة بناء التنظيم، فلما وقع الصدام الحتمي بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين تنظيم الإخوان من جهة أخرى، كشفت الجماعة عن وجهها الحقيقى، وظهرت الأفكار التى تربى عليها أفراد الإخوان لسنوات طويلة فى محاضن التنظيم.

تدّبر مناهج الإخوان، يؤكد أن العنف وسيلة معتمدة لدى الجماعة، يتربى أعضاء التنظيم على انتظار لحظة مواتية لاستخدامها، بل إن الخطاب السائد داخل الأسر الإخوانية يرسخ للأفكار العنفية، باعتبار أن دولة الإسلام المنتظرة لن تقوم إلا بعد معركة دامية بين الحق والباطل، وهو ما اشتهر بين دارسى الإخوان بمفهوم «العنف المؤجل»، أى العنف حينما يأتى وقته، وتقدر عليه الجماعة، ولا يكون له تبعات ولا حساب.

وكان المرشد المؤسس حسن البنا أول من أشار إلى اهتمام الإخوان بالقوة، فقال فى رسالة المؤتمر الخامس: «إن أول مراتب القوة هى قوة الإيمان والعقيدة ثم يلى ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوافر لها هذه المعانى جميعا«.

ولا يخطر ببال أحد أن البنا يتحدث عن السلاح فى يد الدولة، بل هو يصرح فى جلاء أن جماعته ستستخدم القوة متى استعدت لذلك فيقول: «إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدى غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا، وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها«.

ولم يكتف البنا بالكلام العام عن القوة، بل حدد مفهومه لإعداد الجماعة عسكريا فقال فى نفس الرسالة: «فى الوقت الذى يكون فيه منكم ــ معشر الإخوان المسلمين ــ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة، وجسميا بالتدريب.. فى هذا التوقيت طالبونى بأن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإنى فاعل إن شاء الله.. ألِّفوا الكتائب، وكوِّنوا الفرق، وأقبلوا على الدروس، وسارعوا إلى التدريب«.

وقد اختار البنا رقم 300 كتيبة، لأنه كان ينظم الإخوان فى كتائب عدد كل منها 40 عضوا، فيكون إجمالى الكتائب 12 ألفا، إعمالا للحديث النبوى الذى رواه أبو داود «ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة».. فالبنا، وبنص كلامه، لم يغز العالم، لأن النظام الخاص الذى أنشأه لم يبلغ عدده 12 ألفا من أقوياء الإيمان والتدريب.

أما منير الغضبان، فتحدث عن استخدام الحركة الإسلامية للقوة بمنتهى الوضوح، ودون مواربة، وفى مواضع عديدة من كتابه «المنهج الحركى للسيرة النبوية»، مؤكدا أن مشاركة الإخوان فى الحياة السياسية يرجع إلى عدم قدرتها على هزيمة الجاهلية بالقوة، فيقول فى صفحة 87: «وقد تكون الحركة الإسلامية غير قادرة على إنهاء الجاهلية من جذورها، بل تقتضى الظروف السياسية والاجتماعية والدولية أن يكون الوصول للحكم من خلال مؤسسات دستورية عن طريق الحرية والانتخابات، ولا تملك القوة العسكرية للمسلمين أكثر من حماية هذه الحرية«.

وعن العمليات الإرهابية ضد الأنظمة الكافرة يقول الغضبان: «إن الحركة الإسلامية حين تعلن بعض فصائلها الحرب ضد الطواغيت تغدو مرهوبة الجانب، يخشاها العدو، ويسارع الخصوم إلى التحالف معها.. وهذا خط يحسن أن تتربى عليه الحركة الإسلامية وهى تواجه أعداءها، أن تكون الضربة موجعة، والعملية مزلزلة، حتى يحل الإرهاب فى القلوب، أو يسقط النظام الكافر«.

وتحت عنوان «عمليات الاغتيال السياسى وأثرها فى بث الرعب فى صفوق العدو» يقول الغضبان فى صفحة 347، «إن من يستحق القتل فى حربه المسعورة على الإسلام، وليس هو مجال شبهة فى هذا العداء، وأقدم شاب على قتله ــ دون إذن القيادة ــ فهو نصر للإسلام بظهر الغيب، فزعماء الطاغوت اليوم الذين أشعلوا الحرب على المسلمين.. هؤلاء يتقرب إلى الله بدمائهم.

ولعل من لا يعرف طبيعة الإخوان المرحلية، يتعجب حين يجد الغضبان يشيد فى كتابه بقتلة الرئيس الراحل أنور السادات، الذى أخرج الإخوان من السجون، وفتح لهم مجال العمل العام، حيث يقول المؤلف فى نفس الصفحة: «ما فعله شباب الإسلام فى الحاكم الذى تحدى المسلمين فى الأرض فصالح عدوهم (اليهود) فى يوم عيدهم، حين قتلوا هذا الطاغية إنما غسلوا عار المسلمين جميعا فى أرض الكنانة، ونصروا الله تعالى ورسوله بالغيب«.

أما عن أنسب وأفضل من ينفذ عملية الاغتيال فيقول الغضبان فى صفحة 350: «إن أقدر الناس على تنفيذ عملية الاغتيال أبعدهم عن الشك فيه، ومن يمت بقرابة أو صلة رحم، أو صداقة من هذا المجرم«.

ويبيح الغضبان للحركة الإسلامية كل وسائل الخداع حتى تنجح فى تنفيذ عملية الاغتيال المطلوبة فيقول: «إن اتخاذ مظاهر الكفر، وإعلان الكفر، والنيل من الإسلام والمسلمين لتحقيق مثل هذه المهمة أمر لا حرج فيه«.

ويرى الغضبان أن الحركة الإسلامية مطالبة بإتقان عمليات الاغتيال، وباختيار أهدافها بعناية، فيقول فى صفحة 353: «لقد حقق الاغتيال هدفه حين أحكمت خطته، ومهمتنا اليوم أن نتقن هذا الفن، ونحكمه... ولابد أن تكون عمليات الاغتيال هادفة، محققة لعنصر بث الرعب فى صفوف المجرمين«.

وفى الجزء الثانى من كتابه يضيف الغضبان: وكل ما من شأنه أن يقصم ظهر العدو ويفل مقاومته هو من حق الثائرين سيان كان أهدافا مدنية أو عسكرية.. ولن يتراجع الطغاة عن طغيانهم ما لم يصابوا بأرواحهم وحياتهم وأموالهم وأمنهم«.

وجدير بنا أن نذكر أن كتاب «المنهج الحركى للسيرة النبوية» ظل مقررا على أسر الإخوان فى مستوى المنتظم لأكثر من 20 سنة، وكل القيادات الإخوانية العليا والوسيطة، وجميع الأعضاء العاملين بالجماعة الآن درسوا هذا الكتاب فقرة فقرة، وسطرا سطرا، وتعاملوا معه ليس فقط باعتباره منهجا معتمدا من التنظيم، ولكن باعتبار أن أفكاره ونتائجه كلها مستقاة من السيرة النبوية، كما يجدر بنا أن نذكر أن المؤلف هو أحد أهم قيادات الإخوان المسلمين، بل إنه تولى بالفعل منصب المراقب العام للجماعة فى سوريا لمدة ستة أشهر عام 1985.[1]

ما بعد رابعة

لم يخطر على بال أحد أن يكون محمد كمال الدين أستاذ الطب في أسيوط، وأحد أعضاء مكتب الإرشاد، هو من يؤسس للتحول نحو العمل المسلح في التنظيم .

ودشن كمال وجبهته معادلات جديدة  ( امتلاك القوة = الثورة في الشارع + القوة المسلحة)  كما وضع ذاك الجناح خطة لــ "إرباك والانهاك الافشال" ثم  "السيطرة على المفاصل = السقوط" [3]

وغيرت تلك القيادات عدد من شعارات الجماعة الشهير من أمثلة سلميتنا أقوى من الرصاص إلى " سلميتنا أقوى بالرصاص" باعتبار أن السلمية ليست ثابتا من ثوابت الإخوان والتنظيم والاسلام.

 وأعاد كتاب فقه المقاومة الشعبية الذي وضعه "جبهة كمال" إحياء مقولات " قتال الطائفة وأحكام المعاونين"  كما تحدثت عن ما أسمته لحظة الحسم وهي ما تعني  امتلاك مؤسسات الدولة بحجة أن  دفع الصائل " بديهية من بديهيات الإسلام لا يدافع عنها إلا إنسان انتكست فطرته"  [4]

وتغللت تلك الجبهة  في صفوف الجماعة للقيام بعمليات تجنيد داخلية لصالحها وإدخال مفاهيم كانت بعيدة عن التنظيم  واعتبار أن النظام القائم هم مجموعة من (البغاة، الخوارج، الصائلون، المحاربون،) وكل من شارك في أسموه "الانقلاب" كل له حكمه أما قتلا أو تعذيرًا.

شرخ العنف الإخواني يتسع

في 3 إصدارات متتالية، كشفت جماعة الإخوان عن نفسها، وعن الذى حاولت أن تخبئه لسنوات طويلة، وهو العنف، والقتال، والأعمال المسلحة، وسفك الدماء.

كشف القيادى مجدى شلش، في حوار مسجل بالصوت والصورة، ما اعتبره أسرارًا لثورة 25 يناير، وكيفية تشكيل اللجان النوعية، وكيف تطورت الإخوان، وقررت حمل السلاح فى مواجهة الجيش، والأدلة التى استندوا إليها فى الأعمال القتالية.

قال "شلش" فى اعترافاته المثيرة، إن الجماعة كانت تستهدف السيطرة على مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أنهم أصلوا شرعيًا لما وصفه العمل الثورى الذى يعنى انتهاج أعمال العنف، قائلًا "الهيئة الشرعية لإخوان أصدرت تأصيلاً شرعيًا للتعامل مع كل من دعم 30 يونيو، وأن الإخوان يقفون وراء محاولات اغتيال عدد من الشخصيات العامة التى أيدت ثورة 30 يونيو، مؤكدًا أن غالبية شباب الإخوان يؤمنون بانتهاج العنف ولديهم إمكانيات لذلك، وأنهم قاموا بإجراء استفتاء في المحافظات، فوجدوا أن تسعين بالمائة يؤيدون أعمال الجماعة الثورية.

فى نفس السياق، أصدر ما يسمى (هيئة علماء الثورة)، وهى جهة تابعة للإخوان، بيانًا أنقله بنصه قالت فيه، إنه إذا تجاهل الظالمون المناشدات المتكررة من العقلاء بضرورة رد الأمر إلى نصابه والكف عن القتل والاعتقال وانتهاك الحرمات ومصادرة الحريات، فإن الحركة الاسلامية غير مسئولة عن التصرفات الفردية التي تنتج عن هذا الظلم والاستبداد، ولئن أخذ بعض الناس أنفسهم بعزيمة التحمل والمصابرة، فإن إلزام الجميع – لا سيما من غير أبناء الحركة الاسلامية - بذلك أمر مستحيل، وحينما شرع الاسلام للمظلوم المعتدَى عليه رد اعتداء الصائل أو المحارب أو الباغي، لم يطلب منه أن يتوقف عند قضية كفره أو إيمانه ، فالحقوق تستوفي من المسلم والكافر ، ولا يعني جواز قتل الصائل والمحارب والباغي أنهم صاروا كفارًا، وليس بالضرورة التلازم بين جواز قتلهم وكفرهم ، فربما يستوجب العقوبة والقتل مسلم بجناية ارتكبها كما هو الحال في الحدود والتعزيرات.

حددت ما يسمى هيئة علماء الثورة، الرموز السياسية والنخب القضائية والإعلامية، كهدف للجان النوعية المسلحة للجماعة، وادعت أن ذلك يحافظ على ثوابت الجماعة، من عقيدة وخلق وعبادة ومعاملة، وأن العمليات المسلحة تخدم الحراك الثوري، وأنها توظيف طاقات علماء الإخوان والقريبين منهم، وتجمعهم فى كيان واحد.

البيان الثالث هو لـ(لواء الثورة) الذى ادعى مسؤوليته عن اغتيال العميد عادل رجائى، حيث أصدر على صفحته بالفيس، بيانًا قال فيه إنه، سيواصل أعماله القتالية، وأن أى أحد مناصر للنظام الحالى المصرى، سيصبح هدفًا لهم.

لاحظوا أن الإخوان القديمة، التى كانت تتحدث عن التغيير الإصلاحى، التى كانت دائمة النقد لمن يريدون التغيير الفوقى، وممارسي العنف في التسعينات، تتحدث الآن، بنفس مفردات الجهاديين، وهى: دفع الصائل، وتغيير المنكر، وكفر الحاكم، والانتقام، واللجان النوعية، وقتال الطائفة.

هل يستطيع أحد الآن من قيادات الإخوان، أن يوضح لنا الفروق الآن، بين الإخوان، وجماعة الجهاد، أو بين الإخوان وجماعة بيت المقدس؟.. غنها نفس الاستراتيجيات والأفكار.

أما عما يسمى علماء الثورة، فهم مجهولون بالطبع، ولا يجوز أن يطلق أحد على نفسه عالمًا اعتباطًا وعشوائيًا بهذا الشكل، وإننى أتساءل، من الذى أعطاهم الحق أن يتحدثوا باسم الثورة، وأن ينصبوا أنفسهم علماء عليها؟!

لقد انزلقت الجماعة إلى مستنقع السلفية الجهادية، ووصلت حدود دعمها اللوجستي والاجتماعية، لهذه المجموعات مبلغاً عظيماً جداً،  واستفادت من وجود جيوب صغيرة من الإسلاميين المتطرفين الساخطين، وشكلتهم في استراتيجية للأعمال القتالية، وتصورت أن زعزعة استقرار البلاد لأطول فترة ممكنة قد يحوّل ميزان القوى لصالحها، إلا أنه لا يمكن أن تفصل جماعة عن تاريخها، كما لا يمكن ان تتحول فجأة من الأسفل إلى الفوق، فسيحصل الشرخ، وهذا ما جرى بالضبط.. الشرخ الإخوانى عظيم الآن، والجماعة لن تستطيع أن تنسف ما حصل بسهولة، كما لن تستطيع أن تعود سيرتها الأولى، لأن الجماعة في داخلها عنف مؤجل تم استدعاؤه.



[1] مقال بعنوان «الجندية والبيعة وقداسة المرشد» في مناهج الإخوان (1-3) لهيثم أبو زيد

رابط :

http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=12022014&id=2fbc8a62-b139-4fc3-874f-6712e112c858

 

[2] حوار مع القيادي في الإخوان ، مجدي شلش، على قناة "مكملين" رابط:

https://www.youtube.com/watch?v=ffxvHduo064

 

[3] المصدر السابق

[4] المصدر السابق

"