رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

باكستان الرمادية.. حاضنة الإرهاب وضحيته في ظلِّ علاقة أمريكية متذبذبة

الثلاثاء 14/أغسطس/2018 - 10:40 م
المرجع
حامد المسلمي
طباعة
«علاقات أمريكية- باكستانية متوترة، غيوم سياسية تلوح في سماء المصالح المشتركة وتهدد المواءمات الخفية بين البلدين، تذبذب وارتعاش وغموض في العلاقة الثنائية بين إسلام أباد وواشنطن؛ ما دفع الصين تدخل على خط المصالح، وتعزز علاقتها وتحالفها مع باكستان، ورفضت بكين الاتهامات الأمريكية لباكستان حول تقاعس الأخيرة عن مواجهة الإرهاب، في تصدٍ صيني -يرتقي لمرتبة التحدي- لمحاولة إدراج باكستان على القائمة الرمادية للدول المتورطة بتمويل الإرهاب».
ترامب
ترامب
انطلاقًا من مفهوم الأمن الجماعي الذي أقرته الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وأن الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يواجه العالم أجمع، ويتوجب على كل الدول التعاون لمواجهة التنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى القضاء على مظاهر الحضارة والمدنية في العالم، والعودة بنا إلى عصور غابرة مظلمة، تأتي جمهورية باكستان الإسلامية في مقدمة الدول التي تشكل جدلية بين الباحثين والسياسيين في مسألة الإرهاب، فيدور الجدل بين رأيين؛ أحدهما يقول إنها أكثر الدول التي دفعت ثمن الإرهاب، وتقوم بمواجهته على الأصعدة كافة، وهذا الرأي يتفق مع تصريح وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، هذا رأي، أما الآخر فيفترض أن باكستان تُشكل الملاذ الآمن للإرهابيين الهاربين من الحرب والمطاردة في أفغانستان، وهذا الرأي يتفق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذاته.

وفي هذا الإطار تبحث إشكالية الدراسة إلى أي مدى تنتهج باكستان آليات فاعلة وحقيقية لمكافحة الإرهاب؟ وإلى أي مدى تصنع مواءمة سياسية مع الجماعات الإرهابية سواء بالاحتضان أو عدم المواجهة؟

وفي هذا السياق سوف تحاول الدراسة بحث هذه الإشكالية عبر محورين:

المحور الأول: التحديات الأمنية في باكستان
دفعت باكستان وغيرها من الدول فاتورة العداء الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، ومحاولات الهيمنة عليها من القوى الخارجية، بدأ الأمر بالتدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979، والذي استتبعه دعم أمريكي وعربي وإسلامي للحركات المناهضة والمتمردة هناك، وذلك عبر استخدام باكستان كنقطة تدريب وانطلاق لمن أطلق عليهم آنذاك –المجاهدون- ضد القوات الحكومية والسوفييتية طوال 10 سنوات انتهت بالانسحاب السوفييتي واندلاع الحرب الأهلية في أفغانستان حتى استطاعت حركة طالبان فرض سيطرتها على الأرض وهيمنتها على الحكم في عام 1996، كما أدى إلى ظهور تنظيم القاعدة في أفغانستان فيما بعد وغيره من التنظيمات الإرهابية.

كما أن الحدود المتاخمة بين البلدين وتداخل القبائل على الشريط الحدودي بينهما؛ أدى إلى انتقال التوترات من الداخل الأفغاني إلى باكستان، فضلًا عن عصابات التهريب والمخدرات، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني يشكلون رصيدًا استراتيجيًّا للجماعات الإرهابية والمتطرفة يمكن تجنيدهم تحت وطأة الظروف غير الطبيعية والإنسانية.
 طالبان
طالبان
أولًا- خريطة التنظيمات الإرهابية في باكستان
تأثرت باكستان بالتشدد منذ نشأتها كدولة قامت على طائفة دينية ورفضت الاستقلال في دولة موحدة مع الهند، وقد تأثرت في هذا بكتابات أبوالأعلى المودودي الذي كفّر الديمقراطية والقومية والدولة الهندية، وأدت هذه النزعة للتشدد إلى خلق بيئة حاضنة للتطرف والجماعات الدينية، كما أسهمت علاقاتها بدول الجوار «الهند، وأفغانستان، وإيران» في نشأة التنظيمات الإرهابية في باكستان.

وتتنوع أيديولوجيات الحركات الإرهابية والمتطرفة في باكستان بين مرجعيات «سُنية، وشيعية، وقبيلة وإثنية»، وفق البيان الصادر عن وزارة الداخلية الباكستانية بتاريخ 6 يناير 2018- والذي تضمن 72 منظمة إرهابية- سوف نتناول أهم الحركات المؤثرة في باكستان سواء في داخل الأراضي الباكستانية أو خارجها، وفق التقسيم الموضوعي الآتي؛

1- جماعات ترتبط بالداخل الباكستاني.
أ‌- حركات ترتبط بالداخل الباكستاني، ذات مرجعية سنية، وتهدف لتطبيق الشريعة الإسلامية بالقوة.
1) حركة طالبان باكستان، تأسست عام 2007، وتضم حوالي 50 ألف شخص أغلبهم من الباكستانيين (البشتون)، وبعض العرب والأفغان والشيشان والأوزبك وغيرهم، وتستهدف قوات الأمن الباكستانية وقوات التحالف الدولية في أفغانستان، وتنشط في المناطق القبلية الواقعة شمال غرب باكستان، والمتاخمة للحدود الأفغانية.
2) حركة طالبان الإسلامية بباكستان، تكونت عام 2011 من أعضاء منشقين من حركة طالبان باكستان برئاسة فضل سعيد حقاني، وتنشط ضد قوات التحالف الدولي والشيعة.
3) سباه صحابة الباكستاني، تأسست عام 1985، وترى الشيعة غير مسلمين، وتستهدف قوات التحالف بقيادة أمريكا، وتنشط في الإقليم الأوسط الشرقي.
4) عسكر جنجوي؛ تكونت كجماعة منشقة عن جماعة سباه صحابة الباكستانية عام 1996، لأنهم أكثر تطرفًا وتستهدف الشيعة بالأساس، وتنشط في كل الأراضي الباكستانية.
5) الجيش الإسلامي المتحد، وينشط في كراتشي.
6) حركة نفاذ الشريعة المحمدية؛ تأسست عام 1994، تنشط في وادي سوات شمال غرب باكستان وإقليم ملاكاند ومناطق القبائل الحدودية الباكستانية الأفغانية.
7) حركة طالبان سوات- باجاور- موهماند، تشكلت من اندماج بعض عناصر طالبان باكستان وحركة نفاذ الشريعة المحمدية، وتستهدف الدولة الباكستانية، ولا تؤمن بمفاهيم الدولة، والديمقراطية، والأحزاب السياسية الإسلامية، وتنشط في وادي سوات وباجاور وموهماند.
8) جماعة طارق جيدار، ارتبطت بحركة طالبان باكستان، ومعقلها الرئيسي مدينة بيشاور، وحاليًا تنشط من الداخل الأفغاني في المنطقة الحدودية بينهما.
9) تنظيم «تعمير الأمة الآن»، نشأ في مارس 2000 على يد الدكتور سلطان بشير الدين المدير العام السابق لهيئة الطاقة الذرية الباكستانية، والذي استقال من عمله بسبب آرائه الأصولية المتشددة، وذلك لانتشار شائعة تقول إن بلاده ستوقع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وقبض عليه عام 2001، ويرتبط هذا التنظيم بالقاعدة، وينشط في باكستان وأفغانستان.
10) عسكر الإسلام، تأسست عام 2004، وينشط في مقاطعة خيبر بالإقليم الشمالي الشرقي بباكستان.
11) تنظيم الإسلام، تأسست عام 1957م مع انقلاب محمد ضياء الحق عام 1977 وتربطه علاقات جيدة بالجماعات الإسلامية، وكانت لآرائه عن المرأة والبنوك آثار سلبية على الاقتصاد، فتركت المرأة وظائفها بالحكومة، وانتشر النقاب والتطرف، وما ينذر بخطر الجماعة قيام علي رحمان- أحد المواظبين على حضور دروس التنظيم- بالاشتراك في اغتيال سفورا غوث، وكذلك ارتبط الإرهابي سعد عزيز بهذا التنظيم.
ب‌- حركات ترتبط بالداخل الباكستاني غير دينية
1) حركة نديم كوماندو، تأسست من المهاجرين الباكستانيين من الهند إبان الاستقلال (ذات مرجعية يسارية تقدمية) تنشط في كراتشي وحيدر آباد.
2) لجنة آمان الشعب، تأسست عام 2008، وكانت ترتبط بحزب الشعب الباكستاني، ثم انشقت عنه، وبدأت نشاطها الإرهابي على خلفية مقتل والد زعيم اللجنة عبدالرحمن بلوش (الملقب بعبدالرحمن دقاق)، وهي حركة راديكالية تسعى للعنف والإرهاب وتنشط في الإقليم الجنوبي.
2- جماعات ترتبط بالداخل الأفغاني
أ‌- حركة طالبان أفغانستان، بدأت القتال ضد القوات السوفييتية منذ 1979، وتشكلت في أول التسعينيات بقيادة الملا عمر، وتمكنت من السيطرة على السلطة في أفغانستان 1996، حتى أسقطتها قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا عام 2001، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، وحاليًّا تنشط في أفغانستان وفي منطقة القبائل الحدودية.
ب‌- تنظيم القاعدة العالمي، بدأت كمجموعات تقاتل ضد التدخل السوفييتي في أفغانستان بدعم أمريكي وإسلامي، وبعد الخروج السوفييتي، تحولت القوات إلى تنظيم عام 1998 على يد أسامة بن لادن تحت مسمى الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والنصارى، وعرِفَ إعلاميًّا باسم «تنظيم القاعدة»، وبايع التنظيم حركة طالبان باعتبارها خلافة إسلامية، ويستهدف المصالح الأمريكية، ونفذ التنظيم أحداث 11 سبتمبر 2001، وبعد الحرب على الإرهاب هرب التنظيم لمنطقة القبائل الحدودية، ومازال يشكل خطرًا على العالم.
ت‌- شبكة حقاني، تأسست مع الغزو السوفييتي عام 1979 على يد جلال الدين حقاني، والزعيم الحالي نجله سراج حقاني، وتستهدف السيطرة على أفغانستان وطرد قوات التحالف، وتنتشر في منطقة القبائل الحدودية.
ث‌- لواء 313، يتبع تنظيم القاعدة، وتأسس عام 2008، ونفذ بعض الهجمات ضد باكستان.
ج‌- جمعية الرباط، تأسست مع الغزو السوفييتي عام 1979، وارتبطت بالجهاد الأفغاني ضد السوفييت، وأصبحت تهدف لإعادة الروابط بين باكستان وبنجلاديش، وتنشط في باكستان وبنجلاديش وأفغانستان.
ح‌- عسكر جنجوي أفغانستان، وتنشط في منطقة القبائل الحدودية.
خ‌- داعش أفغانستان «ولاية خرسان»، تكونت عام 2011 من عناصر منشقة من حركة طالبان أفغانستان والفارين من الحرب على الإرهاب في العراق وسوريا، وفقدان معاقل التنظيم بالموصل والرقة.
د‌- مجموعة الحاج نامدر، ترتبط بتنظيم القاعدة وطالبان، وتنشط في منطقة القبائل الباكستانية.
ذ‌- روشان للصرافة بباكستان، مؤسسها أحمد شاه نورزاي، متورطة في تمويل «طالبان أفغانستان» وتنشط في إقليم بلوشستان بباكستان، وفي قندهار وهالمند بأفغانستان.
ر‌- راحات لتد (Rahat Ltd)، مثل الجماعة السابقة ترتبط بتمويل طالبان.
3- جماعات مرتبطة بالإثنيات (والقبائل) بين باكستان وأفغانستان
أ‌- تنشط العديد من الحركات الانفصالية، وتسعى لإقامة دولة البلوش في باكستان وأفغانستان، وتتداخل في أنشطاتها مع بعض الحركات الإرهابية الأخرى، وهي؛ جيش التحرير البلوشستاني، جبهة تحرير بلوشستان، الجبهة المتحدة لتحرير بلوشستان، تنظيم البلوش للدفاع عن المسلمين، المنظمة الطلابية للزود عن البلوش، وجيش بلوشستان، والجيش الوطني لتحرير بلوشستان، والحزب الجمهوري للذود عن بلوشستان، وجيش بلوشستان المتحد، والجيش الواجا لتحرير بلوشستان، وجيش جمهورية بلوشستان، والجبهة الشعبية للمقاومة المسلحة، وعسكر بلوشتان، بالإضافة لحركات قومية أخرى مثل حركة تحرير سيندا.
ب‌- حركة نفاذ وآمان بلوشستان، تأسست عام 2012 بواسطة شفيق مينجال (الملا شفيق)، تناهض الأفكار القومية لبلوشستان، وتستهدف المنظمات الساعية لإقامة دولة للبلوش، كما نفذت بعض العمليات ضد قوات الناتو، وتعتمد على الخطف والابتزاز كمصادر تمويل رئيسية، وتنشط في خوزدار وبلوشستان، وتسيطر على الطريق الدولي بين سوراب ولاسبيلا.
4- جماعات ترتبط بالصراع الهندي الباكستاني (ذات مرجعية سنية)، وتستهدف المصالح الهندية لتحرير إقليم كشمير.
أ‌- عسكر طيبة (جماعة الدعوة)، تأسست عام 2000 مقرها الرئيسي في إقليم البانجاب، وينظر لها العديد من الأكاديميين بأنها تابعة لجهاز الأمن الباكستاني، وتنسب له هجمات بومباي 2008.
ب‌- جيش محمد، (جمعية الرحمات)، تأسس عام 2000، مثل جماعة عسكر طيبة، ويتخذ من إقليم البانجاب مقرًّا رئيسيًّا.
ت‌- حزب المجاهدين، تأسس عام 1989، ويعتبر بمثابة الجناح العسكري لجماعة الإسلام في باكستان.
ث‌- حركة الجهاد الإسلامية، تأسست عام 1980، تستهدف القوات السوفييتية، وحاليًّا تهدف لتحرير جامو وكشمير من الهند.
ج‌- جماعة الأنصار (حركة المجاهدين)، تأسست عام 2001.
5- جماعات تستهدف المصالح الأمريكية والهندية، (جماعات ذات مرجعية سنية).
أ‌- جيش عمر؛ ينشط بالقرب من إقليم كشمير والحدود الأفغانية.
ب‌- حركة المجاهدين العالمية؛ ترتبط بتنظيم القاعدة، وتنشط في باكستان وكشمير.
ت‌- جمعية الرشيد، مؤسسة تنموية في الأساس، وتأسست عام 1996، ارتبطت بتمويل الإرهاب، وتتبنى أيديولوجية ضد التغريب. 
ث‌- جمعية الإخطار، انشقت عن جيش محمد، معادية للشيعة، وترتبط أنشطتها بالقاعدة وحركة المجاهدين وعسكر طيبة وغيرهم، وتنشط في أفغانستان وباكستان والعراق.
ج‌- مؤسسة فلاح الإنسانية بباكستان، تأسست عام 1990، وارتبطت بجماعة الدعوة، وتأسس ذراعها العسكرية عام 2008، وتنشط في باكستان، وسريلانكا، وأندونيسيا، والمالديف.
ح‌- مدرسة جانج؛ تأسست للجهاد ضد السوفييت، وتعتبرها أمريكا مركز إعداد الإرهاب، وتنشط في منطقة بيشاور، وترتبط بالقاعدة وحركة طالبان، وعسكر طيبة.
6- جماعات ترتبط بإيران (ذات مرجعية شيعية)
أ‌- تحريك الجعفرية بباكستان، حركة أتباع الفقة الجعفري؛ تأسست عام 1979 مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وتنشط في مدينة فيصل آباد بوسط باكستان.
ب‌- سباه محمد باكستان؛ تأسست عام 1983 كجماعة عسكرية بهدف مواجهة حركة سباه صحابة الباكستانية، وتنشط في مقاطعتي لاهور والبنجاب.
ت‌- الجماعة الإمامية بجيلجيت؛ وتنشط في إقليم جيلجيت بالتيستان.
ث‌- لجنة العمل للمطالب الشيعية، تأسست هذه اللجنة للمطالبة بحقوق الشيعة في المجتمع الباكستاني، وتنشط في إقليم جيلجيت بالتيستان.
7- حركات أخرى 
أ‌- حزب تحرير باكستان (جماعة سنية)، تأسست عام 1952، وتريد إقامة الخلافة في العالم الإسلامي، وتنتشر في 40 دولة.
ويجدر بنا الإشارة إلى أن هناك بعض الحركات المدرجة في القائمة الباكستانية للتنظيمات الإرهابية ولم يتوفر للباحث بيانات عنها أكثر من اسمها فقط.
الاشتباكات الدولتين
الاشتباكات الدولتين الباكستانية والهندية
ثانيًا- التحديات الإقليمية
أدت التطورات التاريخية في آسيا الوسطى إلى العديد من التحديات والمخاطر التي تواجه باكستان وتهدد استقلالها ووحدة أراضيها منذ ولادتها، وبالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية؛ ما زاد من تعقيد الحالة.

وأثرت المفاهيم الأمنية الباكستانية بين «الهند وأفغانستان وإيران» على علاقتها بهم، فضلًا عن الضغوط العالمية النابعة من البيئة الدولية ذاتها تحدي متجدد ومستمر يواجه دول آسيا الوسطى والدول النامية بشكل عام.

وتتجدد اتهامات الدول الثلاث للحكومة الباكستانية بدعم وتوفير الملاذ الآمن للحركات الإرهابية، وغض الطرف عن أنشطتها الإرهابية، وعدم محاربتها بجدية، وتسعى الدراسة لتفصيلها.

1- الهند
خاضت الدولتان الباكستانية والهندية ثلاثة حروب منذ انفصالهما إلى دولتين واستقلالهما عام 1947، وأدى ذلك إلى سباق التسلح بين الدولتين، ولاشك أن النزاع حول إقليم كشمير يعتبر السبب الرئيسي لاستمرار النزاع بينهما، حيث تتجدد الاشتباكات بينهما في كشمير بشكل شبه مستمر منذ الاستقلال وحتى الآن، بالإضافة إلى قضايا أخرى كتوزيع الموارد المائية المشتركة بين الدولتين.

ومع قدرة الهند على التفوق النوعي وامتلاكها للسلاح النووي، بالشكل الذي شكل ضغطًا سياسيًّا وأمنيًّا على باكستان حتى استطاعت باكستان أمتلاك السلاح النووي الرادع ليُحدث التوازن النوعي بين الدولتين مرة أخرى.

وعقب الطفرة الاقتصادية الهندية، والتي أدت إلى زيادة ميزانية الدفاع والتسليح، وأصبح من الصعب على باكستان منافستها حاليًّا أو تجاهل احتياجاتها الدفاعية والعسكرية، لتشكل ضغوطًا سياسية وأمنية واقتصادية عليها؛ ما دفع العديد من المحللين بالربط بين بعض الجماعات الإرهابية المنتشرة في كشمير -بالجزء الواقع تحت السيادة الباكستانية- أو بالقرب منها، وبين الحكومة الباكستانية، سواء بأن الحكومة تدعمهم بشكل مباشر أو تغض الطرف عنهم، أو لجوئها للتهديد النووي في حالة أي تصعيد محتمل مع الهند.

2- أفغانستان
تتشابك العلاقة بين أفغانستان وباكستان من حيث التداخل السكاني والقبلي الحدودي، بالإضافة للتضامن الديني (السني)، ومنذ التدخل السوفييتي في أفغانستان، أصبحت تُشكل المعضلة الثانية لباكستان، وبعد الانسحاب السوفييتي تبقت مشكلة المتطرفين الذين شكلوا تنظيمات أصولية هددت المنطقة والعالم بأكمله، ومع الحرب الأمريكية وقوات التحالف على الإرهاب، لجأ الإرهابيون إلى منطقة القبائل الحدودية الباكستانية الأفغانية ولاذوا بتضاريسها الوعرة.

بالإضافة لأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني يقيمون في منطقة القبائل الحدودية، ويرتبط بعضهم بعلاقات مع الحركات الإرهابية، ووفروا لهم الدعم والحماية في المخيمات.

3- إيران
مع قيام الحكم الديني في إيران «ولاية الفقية» عقب نجاح الثورة الإسلامية هناك عام 1979، وتبني النظام الإيراني بشكل واضح ومعلن مبدأ تصدير الثورة الإسلامية عبر نشر التشيع السياسي والديني في كل الدول الإسلامية، ويجدر بنا الأخذ في الاعتبار مجموعة محددات لفهم تشابك العلاقات بين البلدين منها:

أ‌- تُعد الكتلة الشيعية في باكستان هي الأكبر في العالم بعد الكتلة الموجودة في إيران، وتشكل ما يقرب من 20% من السكان.

ب‌- مع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (1980-1988)، بدأ العنف ضد الأقليات الشيعية يتصاعد نسبيًّا وبشكل طردي وذلك مع محاولات تصدير النظام الإيراني للثورة الإيرانية الإسلامية، وخلق أذرع شيعية لها في الدول الإسلامية، وتدين بالولاء للمرجع الشيعي في إيران.

ت‌- انتشار العديد من الحركات المسلحة الإرهابية الشيعية والسنية، والتي تستهدف كل منهما الآخر، ويقوض من سلطة الدولة.

ث‌- التحالف الاستراتيجي بين السعودية وباكستان، والدعم والمعونات الاقتصادية السعودية لخلق توازن عسكري مع إيران بعلاقاتها بباكستان، وذلك نتيجة للخلافات السياسية والمذهبية بين السعودية وإيران.

ج‌- سعي باكستان للاستفادة من مصادر الطاقة الإيرانية.

فعلى الرغم من بعض التوترات بين البلدين والتي قد تصل للتهديدات العسكرية في بعض الأحيان، يتضح أن باكستان تسعى إلى إحداث التوازن المستمر في علاقتها بإيران بما يحقق الاستقرار الداخلي، وبما لا يخل بعلاقاتها القوية مع السعودية.
العلاقات الباكستانية
العلاقات الباكستانية الأمريكية
ثالثًا- التوازنات الداخلية والدولية
نظرًا للبيئة الداخلية والإقليمية والدولية، فإن الحكومة الباكستانية تحاول إحداث توازنات بين سياسات محاربة الإرهاب والمواءمات الدولية وبين التحديات الإقليمية والداخلية، والتي تتمثل في «الثقافة الشعبية التي تحتضن الأفكار الإرهابية».

1- التوازنات الداخلية
عملت باكستان لسنوات عبر خطاب إعلامي بالتعاون مع أمريكا والعديد من الدول العربية والإسلامية على التجنيد السياسي الديني للشباب وحثهم على «الجهاد» ضد القوات السوفييتية في أفغانستان، كما أدى التفاعل بين الباكستانيين و«المجاهدين على اختلافهم جنسياتهم» طوال الحرب إلى خلق حالة من التضامن مع هؤلاء المتطرفين ما خلق جيلًا جديدًا من المتطرفين الباكستانيين وبيئة حاضنة للأفكار المتطرفة والإرهابية في العالم الإسلامي، والذي صُدر إعلاميًّا «بالصحوة الإسلامية».

ففي دراسة ميدانية أجراها ثلاثة باحثين باكستانيين بعنوان «صورة الحرب على الإرهاب في عقول الشعب الباكستاني» واعتمدت الدراسة على اختيار عينة عشوائية بطريقة علمية، وتوجيه عدد من الأسئلة لبيان رؤية الشعب للإرهاب، من بينها:

- أي طريقة للحكومة تدعمها في الحرب على الإرهاب؟ وجاءت الإجابات بنسبة 34% يفضلون العمليات العسكرية، و41.3% يفضلون إجراء محادثات مع طالبان، بينما يرى 19.3% التعاون مع أمريكا.

- في رأيك من هم طالبان وغيرهم من المسلحين؟، وجاءت الإجابات بنسبة 46.7% تراهم أعداء باكستان، ويرى 26% بأنهم خطر على الحياة، بينما يرى 22.7% بأنهم باكستانيون.

- في رأيك من المسؤول عن الإرهاب في باكستان؟، وجاءت بنسبة 19.3% ترى طالبان هم المسؤولون، فيما يرى 36% الحكومة مسؤولة عن الإرهاب، بينما يرى 43.3% أياد أجنبية مسؤولة عن الإرهاب.

- ما سبب الإرهاب في البلاد؟، يرى 34.7% بأنه «انتقام طالبان»، فيما يرى 43.9% «التعاون مع أمريكا» سببًا للإرهاب، بينما يرى 16.7% بأنه بفعل المتطرفين.

- كيف ترى الحرب على الإرهاب؟، وجاءت الإجابات بنسبة 44.6% تراها حرب باكستان ولازمة لبقائها، ويرى 55.4% بأنها حرب أمريكية مفروضة على باكستان.

- كيف ترى أمريكا؟ وجاءت الإجابات بنسبة 72.7% يرونها عدو، بينما يرى 8% فقط بأن أمريكا صديق لباكستان، والنسبة الباقية «لا أعلم».

- كيف ترى العلاقات الباكستانية الأمريكية في الحرب؟، يرى 27% ضرروة التعاون مع أمريكا، ويرى 39.7% بأن هذه العلاقة مسؤولة عن الإرهاب في باكستان، بينما يرى 33.3% بأنه على باكستان ألا تعتمد على أمريكا في حربها على الإرهاب.

- هل ترى عناصر طالبان العسكرية أعداء لباكستان؟ وجاءت الإجابات بنسبة 39.5% نعم، بينما قال 26.8% لا، فيما قال 33.8% لا أعرف.

بالإضافة إلى عدد من الأسئلة الأخرى والتي تُشير بوضوح إلى أن هناك بيئة حاضنة للأفكار الإرهابية في باكستان، والتي تجبر الدولة الباكستانية على انتهاج سياسات وموائمات مع الثقافة الشعبية والتي لا تساعد الحكومة في حربها على الإرهاب.

2- الضغوط الأمريكية
على مدى عقود كانت العلاقات الأمريكية- الباكستانية علاقات تحالف استراتيجية، وشكل التعاون العسكري والأمني بين البلدين حجر الزاوية في تلك العلاقات، وتتمتع باكستان بموقع خاص كشريك غير عضو في حلف شمالي الأطلسي، إلا أن علاقاتهما شهدت تراجعًا لافتًا في السنوات الأخيرة، مع تزايد الشكوك وأزمة الثقة المتبادلة بينهما؛ لاسيما من جانب الولايات المتحدة التي باتت تمارس ضغوطًا متزايدة على باكستان لدفعها للعب دور أكثر فاعلية في الحرب على الإرهاب.

ففي أغسطس 2017 اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باكستان قائلًا: «لقد دفعنا لباكستان مليارات ومليارات الدولارات ولكنهم في الوقت نفسه يؤون أشد الإرهابيين الذين نقاتلهم»، بينما شهد يوم 4 ديسمبر 2017 زيارة لوزير الدفاع الأمريكي لباكستان؛ ما عمل على تهدئة الأجواء بين البلدين، تبع ذلك ما صرحت به وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» في 8 ديسمبر 2017 بأن «باكستان هي الأكثر تضحية بجنودها في مكافحة الإرهاب، بما عمل على تهدئة الأجواء بين البلدين»، ثم عادت العلاقات للتوتر بعد اتهام الرئيس الأمريكي مرة أخرى لباكستان قائلًا «الولايات المتحدة ارتكبت حماقة كبيرة بمنحها 33 مليار دولار لباكستان خلال أكثر من 15 سنة مضت، ولم تمنحنا (إسلام آباد) بالمقابل سوى الأكاذيب والخداع، وظنوا أن قادتنا سفهاء»؛ ما أدى إلى استدعاء الخارجية الباكستانية للسفير الأمريكي وإبلاغه باحتجاج باكستان الرسمي على تصريحات ترامب، تبع ذلك تصريحات من الخارجية الباكستانية بأن أمريكا لم تكن تدفع هذه الأموال كمساعدات خيرية.

وأكد وزير الخارجية الباكستاني أن المفاوضات السلمية تمثل الحل الوحيد للأوضاع في أفغانستان، وتطور الأمر إلى اتهامات أمريكية لباكستان بتمويل الإرهاب ومارست ضغوطًا لإدراج باكستان مرة أخرى على قائمة الدول الراعية للإرهاب في فبراير 2018.

وبرز هذا التضارب في الآراء داخل الإدارة الأمريكية فيما يخص بعض القضايا وبخاصة باكستان، عقب وصول ترامب للسلطة، الذي يتبنى سياسة أكثر حزمًا تجاه قضايا الإرهاب، وهي الطريقة التي تختلف عن سياسات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ومازالت تتباين الرؤى بين مؤسسة الرئاسة وبعض المؤسسات الآخرى في أمريكا كالخارجية والبانتجون، وهو ما دفع ترامب إلى تعيين وزيرًا أخر للخارجية، وربما يتوسع في إقصاء التيار المعارض لسياساته.
باكستان
باكستان
المحور الثاني: الاستراتيجية الباكستانية في مواجهة الإرهاب
قدمت باكستان ومازالت تقدم الكثير في الحرب على الإرهاب، وفقًا للدراسة التي نشرها المركز القومي للدراسات الدفاعية بطوكيو بأن باكستان هي الأكثر ضررًا بشريًّا وماديًّا، وكلف انخراط باكستان في الحرب على الإرهاب أكثر من 6700 قتيل، و15000 مصاب من أفراد القوات المسلحة، بالإضافة لأكثر من 37.000 من الضحايا مدنيين، وأضرارًا مادية بلغت حوالي 78 مليار دولار.

ووفق مؤشر الإرهاب العالمي والصادر عن معهد الاقتصاد والسلام لعام 2017، فإن باكستان تقع في المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر تأثرًا بالإرهاب عام 2016، بالإضافة إلى التدهور الاقتصادي وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في معظم القطاعات الخدمية، والتي تتطلب استقرارًا لتنفيذها، وتنتهج باكستان عدة استراتيجيات لمواجهة الإرهاب أهمها

أولًا- الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب
مع إعلان الحرب على الإرهاب منذ 2001 انضمت باكستان للتحالف الدولي «بقيادة أمريكا»، وقدمت جهودًا عسكرية ولوجيستية للتحالف، وفي المقابل تلقت دعمًا ماديًّا وعسكريًّا أمريكيًّا قُدر بثلاثة وثلاثين مليار دولار منذ 2001 حسب تصريح ترامب.

وبدأ التوتر بين البلدين منذ 2004، حيث نفذت أمريكا العديد من الهجمات ضد التنظيمات الإرهابية في الأراضي الباكستانية باستخدام طائرات بدون طيار، والتي سقط فيها العديد من المدنيين، وفي مايو 2011 زاد التوتر عقب مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن قرب إسلام آباد، وطلبت أمريكا من باكستان تسليم قائمة من المسؤولين المشتبه فيهم بأنهم كانوا على علم بوجود بن لادن بها، وفي نفس الشهر نفذت أمريكا ضربة أخرى داخل الأراضي الباكستانية قُتل فيها 24 جنديًا باكستانيًّا، وعلى أثرها أدانت باكستان التدخل الأمريكي وطالبت أمريكا بإخلاء «قاعدة شامسي الجوية»، وقررت إغلاق جميع المعابر الحدودية والتي تستخدم لنقل ما يقرب من نصف احتياجات قوات التحالف (130 ألف جندي أمريكي وتابعين للناتو).

ثم أُدْرِجَتْ باكستان من 2012 إلى 2015 على القائمة الرمادية للدول التي لا تفرض قيودًا كافية على تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وعقب مجيء ترامب تبنى استراتيجية أخرى تجاه التحالف مع باكستان في مكافحة الإرهاب وعمل على تعليق المساعدات؛ ما دفع رئيس الوزراء الباكستاني شاهد خاقان عباسي بأنه أعلن صراحة باللجوء إلى الصين وروسيا من أجل دعم بلاده عسكريًّا للحفاظ على أمنها القومي في حالة استمرار التعنت الأمريكي.

ثانيًا- الاستراتيجية الباكستانية في مكافحة الإرهاب
في 2009 عملت باكستان على تطوير آلياتها لمكافحة الإرهاب، فقامت بإنشاء «الهيئة الوطنية الباكستانية لمكافحة الإرهاب NACTA» بمثابة جهاز أعلى تابع لوزارة الداخلية يقوم بالتنسيق العسكري الأمني بين كل الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب، برئاسة وزير الداخلية وتضم في عضويتها، رؤساء المقاطعات، رؤساء جلجيت بالتستان، وزير القانون والعدالة، وزير المالية، وزير الدفاع، رئيس وزراء آزاد جامو وكشمير، عضو واحد من مجلس الشيوخ، عضو واحد من البرلمان، سكرتير وزير الداخلية والمديرين العموم بقطاعات الداخلية، المفتشين العموم بالمقاطعات والمحافظات.

واتخذت الهيئة مسارات عدة لمكافحة الإرهاب، منها؛ التعديلات القانونية والتشريعية والقضائية، والتنسيق المعلوماتي والمخابراتي والتخطيط للعمليات العسكرية والأمنية، ومراقبة المنظمات المشتبه بها في تمويل الإرهاب، والتي تعمل تحت ستار تنموي أو إسلامي.

كما تبنت خطاب ينبذ التطرف والإرهاب، ومحاولة حل مشكلة الأقليات والإثنيات، بالإضافة لحل مشكلاتها الإقليمية، وأيضًا أنشأت مركز أبحاث ودراسات عليمة معني بدراسة ظاهرة الإرهاب ووضع استراتيجيات وآليات للمواجهة، وتوفر الهيئة قاعدة بيانات كاملة على الانترنت عن المنظمات المحظورة.

في 15 يونيو 2014 انطلقت عملية الزبير (Zarb-e-Azb)، وتستهدف القضاء على التنظيمات المسلحة المنتشرة في الداخل الباكستاني والأفغاني وهي عملية مستمرة إلى الآن (مايو 2018)، فحسب تقارير الأمن الباكستانية أدت العملية لتراجع الإرهاب في 2016 بنسبة 45-50%، كما تراجع معدل ضحايا الإرهاب من المدنيين بنسبة 40% عام 2014، وإلى 65% عام 2015، 74% عام 2016، وتراجع ترتيبها من ثاني أكثر الدول المتضررة من الإرهاب في 2014 إلى الترتيب الخامس في عام 2017.

ثالثًا- آليات بديلة إقليمية لمواجهة الإرهاب
1- التعاون الصيني والباكستاني والأفغاني:
الصين حليف استراتيجي لباكستان وتعتبر الداعم الأكبر لها ضد الهند، وذلك نظرًا للتنافس التاريخي السياسي والدبلوماسي على النفوذ في منطقة جنوب شرق آسيا بين الهند والصين، وترتبط الدولتان بعلاقات في مختلف المجالات، وعلى الصعيد الأمني والعسكري شاركت الصين في بناء مفاعلات نووية لباكستان، كما تعد باكستان المستورد الأكبر لمعدات الدفاع التي تصنعها الصين.

ونتيجة لتوتر العلاقات الأمريكية الباكستانية، حاولت الصين تعزيز تحالفها مع باكستان، ورفضت الاتهامات الأمريكية لباكستان حول تقاعسها عن مواجهة الإرهاب، وتصدت لمحاولة إدراجها على القائمة الرمادية للدول المتورطة بتمويل الإرهاب، وفي ديسمبر 2017 أقُيِمَ مؤتمر جمع الصين وباكستان وأفغانستان لتدشين استراتيجية ثلاثية لمكافحة الإرهاب في المنطقة، وذلك لبسط نفوذها على آسيا الصغرى بما يخدم مشروعها الاقتصادي الكبير «طريق الحرير».

وفي مؤتمر الحزب الشيوعي الأخير (نوفمبر 2017) أعلنت الصين اعتزامها إقامة عدد من القواعد العسكرية، وأشارت تقارير إعلامية صينية بأن بيكين تتفاوض مع كابول على إقامة قاعدة عسكرية في أفغانستان، وأيضًا أشارت تقارير إعلامية أخرى إلى اعتزام الصين إنشاء قاعدة عسكرية في باكستان، وفي 27 فبراير 2018 أعلنت الصين دعمها للجهود التي تبذلها باكستان في محاربة الإرهاب، وطلبت من المجتمع الدولي عدم انتقاد باكستان بشكل مجحف، وأوضحت بأن بيكين ستواصل التعاون مع إسلام آباد كشريك استراتيجي في كافة الظروف، وخاصة فيما يتعلق بجهود مكافحة الإرهاب.

3- التعاون الباكستاني الروسي
على الرغم من التوترات التاريخية بين روسيا وباكستان، شهدت العلاقات بينهما تحسنًا ملحوظًا منذ 2014، حيث قامت روسيا برفع حظر تصدير الأسلحة إلى باكستان، وفي 2015 وافقت موسكو على بيع أربع طائرات هيلوكبتر من طراز (إم آي 35 إم) لباكستان، وفي 2016 جرت مناورات بين الجيشين الروسي والباكستاني في التضاريس الجبلية، وبدأت الدولتين في تبادل الزيارات الرسمية لتعزيز التعاون، وجاء هذا التقارب رغم العلاقات الاستراتيجية التي تجمع بين روسيا والهند، والذي عبر عنه ما ذكره فلاديميير بوتين في 2010 «أن روسيا لا تقوم بتعاون عسكري مع باكستان لأنها تأخذ في عين الاعتبار بواعث قلق الشركاء الهنود»، فجاء هذا التقارب ردًّا على التقارب الهندي الأمريكي الأخير.

خاتمة
إن الوضع الباكستاني متفرد سواء من حيث مواجهة الإرهاب أو احتضان بعض الجماعات الإرهابية بدعمها المباشر أو غض الطرف عنها، وقد خلصت الدراسة إلى:

نظرًا للبيئة الداخلية والإقليمية بالنسبة لباكستان، حيث يُشكل الشعب حاضنة ثقافية للأفكار المتطرفة، كما يُشكل التداخل القبلي والسكاني في المناطق الحدودية تحدٍ أخر، فضلًا عن الخلافات التاريخية والعقائدية بين الهند وإيران فإن باكستان تحاول أن تصنع موائمات بين الضغوط الدولية وتحديات البيئة الداخلية والإقليمية لتنتهج طريق لمكافحة الإرهاب يوازن بين الضغوط والتحديات.

فتقوم باكستان بمواجهة الحركات الإرهابية التي تُشكل خطرًا كبيرًا على أمن باكستان القومي، وخاصة الحركات الانفصالية القومية البلوشية أو حركة طالبان باكستان، بينما تغض الطرف عن بعض الحركات الأخرى التي يُشكل وجودها مخزون استراتيجي لباكستان مثل حركة طالبان أفغانستان، والتي تُشكل جزء من الحل في أفغانستان حسب وجهة النظر الباكستانية.

كما أن «طالبان أفغانستان» ستقف حجر عثرة في طريق التعاون الأفغاني الهندي، وكذلك تغض باكستان الطرف عن العديد من الحركات المتطرفة في كشمير والتي تناوئ الهند، والتي تُشكل خطرًا حقيقيًّا على الهند في حالة اندلاع أي حرب بين الطرفين.

وبناء على هذا توصي الدراسة بأن يكون التحرك الباكستاني على كل المحاور، وذلك بتبني خطاب داخلي ينبذ الأفكار الإرهابية، وذلك لتفتيت الظهير الشعبي لهذه الأفكار والحركات، كما ينبغي العمل على تسوية مشكلات الحركات المتمردة والانفصالية، لأن مثل هذه المواجهات الفكرية والأمنية هي القاعدة الأساسية التي ستبني عليها باكستان علاقاتها الأمنية وبخاصة مع جارتيها أفغانستان وإيران.

وينبغي أيضًا العمل على إقناع حركة طالبان بقبول التسوية السياسية مع الحكومة الأفغانية القائمة وفق حل يرضي جميع الأطراف.

وكذلك يمكن البناء على محاولات تطبيع العلاقات السابقة مع الهند في 2004، وأن تستغل الغضب الهندي ضد داعش التي قتلت 39 مواطنًا هنديًّا في العراق، وأن تنظيم داعش ينتشر حاليًّا في أفغانستان وباكستان وشرق آسيا، فيمكن أن يعملا معًا في مواجهة هذا التنظيم الذي يعادي البلدين.

فليس أمام باكستان في حربها على الإرهاب إلا الاعتماد على نفسها بشكل أساسي، ولا ترتبط بالقوى الكبرى والتي يسعى كل منهما في الهيمنة السياسية على هذه المنطقة، وإلا فيمكن للأوضاع أن تنفجر داخليًّا وخروجها عن السيطرة.
هوامش

- سيد أطهر علي، قراءة في الوضع الأمني في باكستان (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، سلسلة محاضرات الإمارات، العدد 150، ابريل 2011) ص ص 3-4.

*أبو الأعلى المودودي: (1903-1979) مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان إبان الاستقلال، وشكلت كتاباته وآراؤه الدينية البنية الفكرية للتنظيمات الإرهابية لممارسة العنف ضد المجتمع والحكومات.

- اعتمد الباحث على مجموعة من المصادر عن الحركات الإرهابية وبياناتها أهمها.
National Counter Terrorism Authority NACTO Pakistan، Proscribed Organizations، (Islamabad: Ministry of |Interior).
https:nacta.gov.pkproscribed-organizations
South Asia Terrorism Portal (SATP)، Terrorist and Extrimist Group of Pakistan، (New Delhi: Institute for Conflict Management ICM).
http:www.satp.orgsatporgtpcountriespakistanterroristoutfitsgroup_list.htm
U.S. Department of State، Foreign Terrorist Organizations.
https:www.state.govjctrlsotherdes123085.htm
Database of People with Extremist Linkages (DOPEL).
http:www.dopel.orgorganizations.htm
-Pervais Iqbal Cheema، “Security Threats Confronting Pakistan” in Security Outlook of the Asia Pacific Countries and its Implications for the Defense Sector، (Tokyo: National Institute for Defense Studies، No. 9، Oct. 2013) P. 128.
- د. أحمد قنديل، "دبلوماسية التهدئة: كيف تواجه باكستان عزلتها من دول الجوار"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة (أبو ظبي: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 31 مايو 2017).

* الحروب الباكستانية الهندية: الأولى 1947-1948 على خلفية الانفصال والنزاع حول إقليم كشمير، والثانية عام 1964-1965 على خلفية توترات هندوسية- إسلامية، والثالثة عام 1971 أدت لانفصال دولة بنجلاديش عن باكستان.

-Pervais Iqbal Cheema، Op.Cit.، Pp. 128-129.

- سيد أطهر علي، م.س.ذ.، ص 7.

- نفسه.

- Pervais Iqbal Cheema، Op.Cit.، Pp. 129-130.

- سيد أطهر علي، م.س.ذ.، ص ص5-6.

- عبدالجليل زيد المرهون، «من يدفع باكستان نحو الهاوية؟»، مركز الجزيرة (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 17 يناير 2013)

- Ghulan Safder، Abdulwaid Khan، Atif Ashraf، “Image of War on Terrorism into the Minds of Pakistani People” The Government: Research Journal of Political Science (Sindh: University of Sindh، Annual Book No. 6، 2017) Pp. 81-93.

- النيل للأخبار، العلاقات الأمريكية الباكستانية: شراكة صعبة وشكوك متبادلة، 4 يناير 2018.
http:cutt.usXnDTO

- بي بي سي عربي، ترامب يتهم باكستان بخداع الولايات المتحدة في أول تغريدة له هذا العام، 2 يناير 2018.
http:www.bbc.comarabicworld-42537785

- روسيا اليوم، البنتاجون: باكستان الأكثر تضحية بجنودها في مكافحة الإرهاب، 8 ديسمبر 2017.
http:cutt.usqejST

- روسيا اليوم، باكستان ترد على ترامب: الأموال الأمريكية لم تكن عملا خيريًّا،1 يناير 2018.
http:cutt.us6gjdj

- الحياة، باكستان تستدعي السفير الأمريكي بعد تغريدة ترامب، 1 يناير 2018.
http:cutt.usy6dAn

- Pervais Iqbal Cheema، Op.Cit.، P. 135 .

- Institute for Economics and Peace، Global Terrorism Index 2017، P. 26.

- Murtaza Haider، Amer Anwar، “Impact of Terrorism on FDI flows to Pakistan” Munich Personal REPEE Archive (Munoch: Munich Personal REPEE Archive، University of Library، 4 July 2014) Pp. 23-24.

- مركز الجزيرة للدراسات، العلاقات الباكستانية الأمريكية: تحالف يفتقد للثقة، 3 يناير 2018.
http:cutt.usufAOX

- محمد عمر، «العلاقات الباكستانية الأمريكية من التحالف إلى التفكك»، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية (الجيزة: مؤسسة التقدم للصحافة والإعلام والإعلان (البديل)، 13 ديسمبر 2017).

- National Counter Terrorism Authority NACTO Pakistan، Pakistan.
https:nacta.gov.pk 

- The Nation، Operation Zarb-e-Azb: Two Years of Success.
https:nation.com.pk06-Sep-2016operation-zarb-e-azb-two-years-of-success

- Institute for Economics and Peace، Op.Cit.، P. 26.

- مركز روابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، روسيا والصين وباكستان: محور ثلاثي جديد على وشك التشكل، 19 أغسطس 2015.
http:rawabetcenter.comarchives11231

- النهار، لقاء ثلاثي في بكين: الصين وأفغانستان وباكستان تتفق على مواجهة الإرهاب، 26 ديسمبر 2017.
http:cutt.usdburz

- الأخبار، القاعدة الصينية الثالثة خارج البلاد في أفغانستان، 3 فبراير 2018.
https:www.al-akhbar.comInternational244213

-الفجر، الصين تعتزم تشييد قاعدة عسكرية في باكستان، 7 يناير 2018.
http:www.elfagr.com2913846

- وكالة الأنباء الصينية (بالعربية)، الصين تدعم جهود مكافحة الإرهاب في باكستان، 27 فبراير 2018.
http:arabic.news.cn2018-0227c_137003878.htm

- ديمتري فرولوفسكي، «تقارب روسي باكستاني»، الاتحاد (أبوظبي: مؤسسة الإمارات اليوم، 16 مايو 2016)
http:www.alittihad.aedetails.php?id=20245&y=2016&article=full
"