رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

دولة الميليشيات القادمة في العراق.. فَتِّش عن المستفيد

الخميس 02/أغسطس/2018 - 11:10 ص
المرجع
د : فريد خان / الخبير الاستراتيجي في الشؤون العر
طباعة
تترقب أوساط عربية وغربية إمكانية تغيير في العراق عنوانه: «الابتعاد قليلًا عن إيران»، لكن «الحقيقة الأساسية هي أن العراق يمرُّ بمرحلة تغيير شديدة التعقيد، تحول بموجبه لولاية كاملة الارتباط بإيران سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا»، فكارثة العراق اليوم ليست ضعف موارده المالية بل كثرة مصائبه، فهو بلد تنتشر فيه الميليشيات وينهشه الفساد، الحكومة ضعيفة، والطائفية صريحة، والإرهاب لم يُقضَ عليه، وإن هزم في الموصل وغيرها، والتدخلات الأجنبية العلنية -خاصة الإيرانية- تزداد.
دولة الميليشيات القادمة
خطورة الوجود الإيراني في العراق، تتجاوز مسميات التدخل والنفوذ والتآمر، لكونه انتقل بشكل عملي ومنسق، إلى صيغة تصل إلى فرض حالة استعمارية استيطانية معروفة، وهو ما تم التعرف عليه في المصطلحات السياسية «الكولونيالية» من تعبير «كولون»، أي «الاستيطان»، الذي يُفرض في ظلِّ حالة استعمار وفرض قوة أجنبية ونفوذ، تتمكن منها دولة من السيطرة على بلاد معينة.

تجري في العراق اليوم عملية تشكيل الميليشيات المسلّحة بسرعة تُثير قلق قادة التيار المدني في البلاد، وأوساط حكومية وبرلمانية عراقية، في الوقت الذي تحظى فيه بتأييد من الأحزاب الراديكالية الموالية لإيران.

حالة مشابهة لما كان يجري من تشكيل الأحزاب والكتل السياسية في العراق، عقب الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003، حين كانت الولايات المتحدة تُموّل أي حزب وحركة سياسية تتشكّل حديثًا، مهما كان توجّه الحزب دينيًّا أو علمانيًّا، شرط أن يكون مؤمنًا بما تسميه واشنطن «التجربة الديمقراطية»، حتى وصلت إلى 711 حزبًا وحركة سياسية.

ولعل أخطر تطور شهده العراق منذ الغزو الأمريكي حتى اليوم، هو القرار الذي اتخذه البرلمان العراقي، باعتبار قوات الحشد الشعبي، قوة عسكرية رسمية، مثله مثل الجيش الرسمي.

لكن الغريب أن قادة «الحشد الشعبي»، الذي يفترض أنه تكون من متطوعين لبّوا نداء الواجب الوطني، وتطوعوا للدفاع عن بلدهم ضد الجماعات الإرهابية، في منتصف 2014، يرفضون العودة إلى الأوضاع الطبيعية، التي سادت قبل ذلك التاريخ، والتي يفترض أنهم حاربوا من أجل إعادتها، فهم اليوم يصرون على البقاء مسلحين، رغم انتفاء الحاجة لسلاحهم، بل يريدون أن يلعبوا دورًا سياسيًّا أيضًا! وهذا ما تحقق بالفعل.

ففي ثمانينيات القرن الماضي، بدأ في العراق ولأول مرة، كيان هجين عُرف بالميليشيات، بعدما نفذت جماعة مسلّحة، تُطلق على نفسها «فيلق بدر»، أولى العمليات «الإرهابية» في العراق، بواسطة سيارات مفخخة وعبوات ناسفة، ضربت بغداد مع الأيام الأولى للحرب العراقية الإيرانية.

عملية كانت بمثابة إعلان هذه الجماعة عراقية الجنسية، ولاءها الكامل لإيران، وخدمتها لمصالحها على حساب وطنهم، واعتقل أغلب قادتها، وحُكِم عليهم بالإعدام، فيما فر الباقون إلى إيران، وشاركوا مع جيشها في هجماته على العراق، ونفذوا عمليات إعدام لجنود عراقيين، ويُعد هادي العامري وأبومهدي المهندس، آخر قادتها على قيد الحياة اليوم، ومازالوا يعلنون ولاءهم لإيران.

بعد الغزو الأمريكي، تأسست ميليشيات «المهدي» منتصف 2003، تلتها ميليشيا «العصائب» التي انشقت عنها، لتتوالى بعدها عملية تأسيس الميليشيات، وترتفع إلى سبعة تشكيلات، استمر نشاطها في الشقين السياسي والأمني بشكل واسع، وتورّطت في عمليات اغتيال وتفجير واسعة في البلاد، فضلًا عن جرائم التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي، ومصادرة ممتلكات طوائف وألوان دينية عراقية مختلفة، كالمسيحيين والصابئة والعرب السنّة.

ومع سيطرة «داعش» على مساحات واسعة من العراق، وتهديده العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية، أطلق علي السيستاني «فتوى الجهاد»، منتصف يونيو، بعد خمسة أيام من سقوط الموصل، بموجب هذه الفتوى تَشكَّل ما سمي «الحشد الشعبي»، وهو في الحقيقة غطاء ديني للميليشيات القائمة ذات الولاءات الخارجية.
دولة الميليشيات القادمة
ومنذ تصويت البرلمان العراقي، على قانون الحشد الشعبي، دخل العراق رسميًّا في دولة الميليشيات، التي تلغي سلطة القانون، وتذهب إلى سلطة الطائفة، وتفردها في الحكم، فشرعنة فصائل الحشد الشعبي، الذي جل متطوعيه من ميليشيات طائفية، أسستها وسلحتها ومولتها إيران، وتأتمر بأوامرها الآن، كما يصرح ويعلن قادتها بأنفسهم، وهنا أجزم أن الحشد الشعبي بوجوده (الميليشاوي) ثم دخوله في العملية السياسية وترشح قياداته في الانتخابات القادمة، هو المسمار الأخير في نعش العملية السياسية برمتها، ونسف كامل للتسوية ومساعي المصالحة بين أبناء العراق.

وجودها القانوني وسيطرتها على مفاصل الدولة عسكريًّا، بدأت المرحلة الجديدة، وهي أن «تشارك في الانتخابات، وتحصل على معظم الأصوات، وتدخل إلى البرلمان، وهو أشبه بانقلاب الميليشيا المسلحة للسيطرة على السلطة التشريعية».

ومع وجود تلك القوى المسلحة في البرلمان، فالعراق «برلمانيًّا»، سيكون قوة إيرانية جديدة في المنطقة، مع وجود رئيس وزراء لا يمتلك القدرة التشريعية، كما أن القوة العسكرية للميليشيات ستُمثل تهديدًا للمنطقة، وتعمل كأداة إيرانية على توجيه البرلمان، نحو سياسات عدائية للعرب. 

بقاء ميليشيا الحشد الشعبي هو انطلاق لعصر طائفي جديد، مهد له وأسسه واستقتل من أجله نوري المالكي، الذي يُدير الدولة العميقة، من خلف الستار، لاسيما وقد اعترف بأنه هو من أسس الحشد الشعبي في العراق، تمهيدًا لإعلانه حرسًا ثوريًّا، على غرار الحرس الثوري الإيراني، والذي سيرتبط دينيًّا وعسكريًّا، بالولي الفقيه المرشد الإيراني علي خامنئي، وهذا ليس سرًّا، وإنما يتباهى به جميع قادة الحشد الشعبي، و«المالكي» نفسه. 

العراق اليوم بعد حكومة «المالكي» وصولًا إلى رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي هو دولة شرعنت وجود ميليشيات حقيقية وقانونية، يهمش فيها الجيش العراقي، لا بل هي إهانة وطعنة واضحة للجيش وقادته، وهذا ما أعلنه هادي العامري، قائد فيلق بدر بنفسه عندما قال: إن الحشد الشعبي أصبح أقوى من الجيش، وصدق في هذا تمامًا؛ لأن تسليح الحشد الشعبي والميليشيات بكل فصائلها، بأحدث الاسلحة والدبابات والصواريخ والأجهزة الإيرانية، هو ما جعل الحشد أقوى من الجيش وأهم منه.
دولة الميليشيات القادمة
وتحت مسمى «الحشد»، نشطت الميليشيات، التي كانت قد تحولت «رسميًّا» إلى أحزاب أو منظمات سياسية، وأعادت تشكيل نفسها عسكريًّا، وأخذت تعمل علنًا، وتضع لافتاتها وصور قادتها وقتلاها، في شوارع العاصمة وبقية المدن، وبعضها يرفع صور الزعيم الإيراني علي خامنئي، بلا خجل من إعلان تبعيته لدولة أجنبية.

وبعدما أصبح «الحشد» مؤسسة رسمية، وصدر له قانون، أصبح عمل هذه الميليشيات علنيًّا، إذ أخذت تسيِّر الدوريات رافعة لافتة «رئاسة الوزراء»، وإلى جانبها أحيانًا صورة «خامنئي»، وبلغ عدد الميليشيات التي شكلت باسم «الحشد» و«من أجل محاربة داعش»، 50 ميليشيا، وفق دراسة لكلية الحرب الأمريكية، صدرت في يونيو 2015، لكن العدد اليوم تجاوز هذا الرقم، لأن معظم الجماعات السياسية، استغلت حجة خطر «داعش» لتشكل ميليشيات مسلحة. 

لكن عندما يكون المنطق أعرج تظهر الحقائق على السطح:
الأول: منطق رسمي مكشوف، تعلنه الحكومة ويصرح به المسؤولون في السلطة، وعلى رأسهم حيدر العبادي، في كل مناسبة في الداخل والخارج، يقول: «إن الحشد الشعبي هو قوة عسكرية رسمية مؤسسة بقانون وهو جزء من القوات المسلحة العراقية، يلتزم بالتعليمات والتوجيهات وبقرارات القائد العام للقوات المسلحة الذي هو حيدر العبادي».

الثاني: منطق الحشد الشعبي ذاته، يقول: «إن أغلب فصائله المسلحة من بين عدد من الفصائل، لم تشكله الحكومة العراقية، إنما شكلته إيران بأمر من الولي الفقيه المرشد الأعلى «علي خامنئي».. وجل هذه الميليشيات لا تلتزم بتعليمات ولا بتوجيهات الحكومة، إنما تتحرك في ضوء الأوامر التي تتلقاها مباشرة عبر الجنرال قاسم سليماني من «خامنئي»، وحركتها ترتبط بمقتضيات واقع السياسة الإيرانية.

إن المرحلة الحرجة الحالية في العراق، تشير إلى تنفيذ مخطط استيطاني إيراني، يوظف المذهبية السياسية، وعناصر الطائفية غطاءً للتضليل ومستعملًا ميليشياته للترهيب، وفرض إجراء تطهير قومي وطائفي ديموغرافي، لصالح القومية الفارسية ودولتها الإيرانية، فالميليشيات العراقية بثوبها القانوني المشبوه، وبأجندتها نحو الهيمنة على السلطة التشريعية لخدمة الأجندات الإيرانية تؤكد يومًا بعد يوم أن العراق سائر إلى إنشاء دولة للميليشيات بغطاء قانوني.

ولعل ما يسعى إليه الجنرال الإيراني «سليماني» والذي صرح به، بأن كل المساعي هي استنساخ تجربة حزب الله اللبناني في العراق، وهي التجربة السياسية، وكذا تجربة الحرس الثوري في إيران، وهي تحصين عسكري «ميليشياوي» لنظام الحكم المحاصصي الطائفي.

بعد هذا كله، فهل الحل في حل الميليشيات وحدها؟ أم في حل الدولة الدينية التي لا تفصل بين السياسة والدين؟ وحل الأحزاب الدينية التي تفتقر إلى الشرعية الدستورية؟ لنظرتها التمييزية إلى مكونات الشعب العراقي وعدم التزامها بالديمقراطية، وانتهاكاتها الخطيرة لحقوق الإنسان، وجرها البلاد إلى أتون الحرب الأهلية، وقد تقول هذه الأحزاب إنها منتخبة وتمثل الشعب العراقي، لكن ما لا تريد أن تقوله هو أن الفتاوى الدينية، ربطت بين التصويت لهذه القائمة أو تلك، ودخول الجنة.
"