رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

العلنية والسرية في التجنيد لدى الإخوان

الأربعاء 25/يوليه/2018 - 11:08 ص
 الإخوان
الإخوان
ماهر فرغلي
طباعة
تمتلك جماعة الإخوان منهجًا عامًّا في التجنيد أنتجته من خلال خبراتها في العمل الدعوي والتربوي على الساحة المصرية، منذ نشأتها في النصف الأول من القرن العشرين، ولم يكن ذلك المنهج منتوجًا خالصًا لها من دون التجارب الدينية والسياسية والاجتماعية السابقة على نشأتها، بل استفادت بلا شك من الخبرات الصوفية الطرقية، ومشاريع الجماعات والتنظيمات والأفراد الدينيين وغيرهم.
 مصطفى مشهور، المرشد
مصطفى مشهور، المرشد الخامس للجماعة
ظلَّ هذا المنهج ثابتًا لدى الإخوان، تخضعه الجماعة لبعض التعديلات والمواءمات ليناسب كل مرحلة تمرُّ بها الجماعة أو لتغير بيئتها التي تنتقل إليها لتمد فرعًا جديدًا لها هنا وهناك.

ورغم أن ممارسات ذلك المنهج ظلت «علنية»، وكتب بعض ملامحها قيادات من العيار الثقيل من أمثال مصطفى مشهور، المرشد الخامس للجماعة، إلا أن الجماعة ذاتها اعتمدت -أساسًا- على تكملة «سرية» لهذا المنهج العلني، تكملة بمثابة البند الرئيسي غير مكتوب، وبات «غير المكتوب» هذا أشبه بالمنافستو العرفي والسري الذي تتوارثه الأجيال في الجماعة فيشكل وجدانهم، ويمارسونه آليًّا وتلقائيًّا لجذب عناصر جدد تحمل راية الجماعة، وتزيد به سوادها، محتسبين كل عنصر جديد يلتحق بركبهم في ميزان حسناتهم إضافة إلى أن كل عمل يقوم به هذا الفرد طيلة حياته يصب في ذلك الميزان.

وأهم ما تكشفه مناهج الإخوان، كيفية صناعة العضوية، ووسائل تأهيل من ترغب الجماعة في ضمه الى صفوفها، وترسيخ الشروط المطلوبة لهذه العضوية، عبر محاضن تربوية، تصهر الأفراد بأفكار الجماعة ورؤاها، وإخراجهم في حالة من الاستعداد التام للسمع والطاعة، وتنفيذ تكاليف التنظيم دون تردد، والثقة في قيادة الجماعة مهما كان ما يصدر عنها، حتى لو كان غريبًا أو مناقضًا لبديهيات العقل.

وتقوم المناهج التربوية للإخوان على عدد من الكتب، من أهمها «في ظلال القرآن» و«معالم في الطريق» لسيد قطب، و«الرسائل» لحسن البنا، و«المنهج الحركي للسيرة النبوية» للإخواني السوري محمد منير الغضبان، و«المدخل إلى جماعة الإخوان» للقيادي السوري سعيد حوى، وكتب اللبناني فتحي يكن، والعراقي محمد أحمد الراشد، كما وضع قسم التربية كتابًا مهمًا من جزأين بعنوان «طرق التدريس»، ووضع على غلافه اسمًا وهميًّا، هو «ماجد بن يحيى العويسان».

بعض هذه الكتب مقرر للدراسة داخل الأسر الإخوانية، وبعضها غير مقرر بصفة رسمية لكن القيادات تحث أفراد الصف على قراءته ونشره بين الأعضاء، كما أن بعض هذه الكتب كان يُدَرَّس لنحو ربع قرن، ثم أوقف قسم التربية تدريسه ليستبدل به كتبًا أخرى تحوي الأفكار ذاتها، وتؤصل كل هذه الكتب للأفكار الرئيسية لجماعة الإخوان، والتي يمكن أن نردها إلى أربعة أركان: التنظيم، والسرية، والمرحلية، والقوة.

وأول ما يلفت الانتباه في مسألة التجنيد والاستقطاب داخل جماعة الإخوان، هو الطريقة ذاتها التي تستند بالأساس إلى البعد الديني، فإما أن يتم التجنيد عبر اللعب على أوتار الغريزة الإيمانية الدينية، واستثارة الحس الديني لدى قطاعات واسعة من الشعب المصري، وإما أن يتم من خلال استغلال شبكة العلاقات الاجتماعية والعائلية لتوسيع دائرة المتعاطفين، ومن ثم الراغبين في الانخراط في الجماعة لاحقًا.
 جماعة الإخوان
جماعة الإخوان
ومن ثم فإن آليات التجنيد داخل جماعة الإخوان المسلمين تنهض على مبدأين رئيسيين:

أولهما: "سوسيولوجيا الذاكرة الدينية"
وهي مبدأ أَسَّسَ له عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواش (1877-1945) وأصّلَه في كتابه «الأطر الاجتماعية للذاكرة» حيث ينطلق هذا المبدأ من مقولة كلاسيكية تفترض حاجة المجتمعات إلى إعادة إحياء منظومة من الشعائر والمعتقدات التي تأتي من الماضي، والتي لا تزال تتمتع بحيوية داخل البنية الفكرية لمجتمع ما، وذلك على غرار الحال في المجتمعات الإسلامية التي مازالت تنظر للعهد الإسلامي الأول نظرة مثالية، وقد يكون بالفعل كذلك، بيد أن المعضلة هي في محاولة البعض إعادة «تمثل» هذا العهد بكلِّ عناصره، دون القدرة على تجديد أدواته في فهم متغيرات الواقع الراهن.

وتلك النظرية -أو المبدأ- هي ما وفرت وقودًا هائلا لكل حركات الإحياء الديني التي شهدها العالم الإسلامي طوال تاريخه، وكما يقول هالبواش فإن الذاكرة الدينية مرجعيتها في حقبة تاريخية قديمة، لكنها تسعى جاهدة إلى الابتعاد عن هذا الزمن التاريخي، مستخدمة في ذلك كل الوسائل من أجل بناء هذه الذاكرة، وتحويلها إلى حقيقة أزلية مطلقة.

ويلعب الإيمان الديني دوره في استدعاء وإعادة شحن الذاكرة في نمط محدد يسمح بتأمين استمرارية الرسالة الدينية، وذلك من خلال تعاقب الأجيال المؤمنة، التي تمثلها الجماعات الدينية التي تسعى لكسب الساحة وتوسيع دائرة المتعاطفين معها.

بيد أن الغالبية يهيمن عليها قدر من الذاكرة التاريخية الدينية، يحن لظلالها ويضعها كهدف يسعى لتحقيقه، بما يجسد الأمل الحقيقي الذي يجب أن يعيش لأجله المرء، ويضحي لأجله بالنفس والمال والولد.

المبدأ الثاني: سوسيولوجيا الأمل
وهي مقولة تبدو أقرب لمقولات المتصوفين الزاهدين، وكان أول من لفت الأنظار إليها هو المفكر الفرنسي «هنري ديروش» (1914-1994)، وحاول من خلالها التركيز على مدى ارتباط الجماعات الدينية (الإحيائية) على الرغبة في تجاوز الحاضر بكلِّ مشاكله ومآسيه، والنظر إلى المستقبل نظرة أكثر تفاؤلًا.

وقد انبثقت هذه المقولة من تجربة الإصلاح الديني التي عرفتها أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر، فيما عُرف بالحركة البروتستانتية.

وتتجسد هذه الحركة المقولة بشكل واضح في طريقة وأداء جماعة الإخوان المسلمين التي تقوم على إعطاء المنتمين إليها والمولعين برسالتها الأمل والرغبة في استعادة الماضي التليد، وتؤكد الجماعة أن تحقق هذا الأمل لن يأتي إلا من خلال العمل في إطار جماعي يحقق مصلحة الأمة.
العلنية والسرية في
في هذا السياق يمكن أن نورد بعض الملاحظات:
- من الناحية العمرية ليس هناك سن محددة لتجنيد أعضاء جدد داخل الجماعة، وإن كانت نسبة التجنيد تظل أعلى في مراحل الصغر أو ما يُطلق عليه البعض مرحلة (البراعم)، وكثيرًا ما يكون المسجد أولى الخطوات باتجاه التجنيد داخل الجماعة. 

- ترتفع نسبة التجنيد في المحافظات، وتحديدًا في القرى والأرياف عنها في المدن الكبيرة والحضر، ولا غرو في أن الكتلة الحقيقية للجماعة موجودة في المحافظات، خصوصًا في الوجه البحري عنها في القاهرة.

- يظل العامل الديني يمثل محددًا أساسيًّا في انضمام الأفراد للجماعة، وإن كانت ثمة عوامل أخرى اقتصادية واجتماعية مثلت حوافز إضافية للانضمام، على غرار ما ذكره لي بعضهم بالرغبة في الاستفادة من الغطاء الاقتصادي والاجتماعي الذي توفره الجماعة.

- مرت طرق التجنيد وفنونه لدى جماعة الإخوان المسلمين بثلاث مراحل، اتسمت بعدد من الخصائص العامة المشتركة، وتمايزت تبعًا لطبيعة كل مرحلة وظرفيتها الزمانية، فهناك المرحلة التي بدأت منذ نشأة الجماعة على يد مؤسسها حسن البنا في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين، وانتهت بإعلان تحول الجماعة للعمل السياسي عام 1938 وتأسيسها للنظام الخاص، ومرحلة ثانية منذ ذلك التاريخ حتى النكبة الأولى للجماعة عام 1954، وامتدت المرحلة الثالثة من العام 1954 حتى بداية ما أُطلق عليه تأسيس الجماعة الثاني منتصف سبعينيات القرن الماضي، واستمرت المرحلة الرابعة من ذلك التاريخ حتى وصول الجماعة للسلطة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وما تبع ذلك من تحولات في آلية التجنيد وشروطه لم يستمر سوى للعام 2013 بعد نكبة الجماعة الثانية بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، أما المرحلة الخامسة فهي من ذلك التاريخ الأخير حتى وقت الانتهاء من الدراسة، وهو ما شهد تحولاً خطيرًا في أدبيات وآليات التجنيد داخل الجماعة اقترب بشدة داخل إحدى أجنحة الجماعة من مناهج التجنيد داخل الجماعات الجهادية.

- تختلف أساليب التجنيد من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، فهناك أساليب تجنيد خاصة بالطلاب، خصوصا في المرحلة الجامعية، وهناك أساليب تجنيد خاصة بإخوان الريف والقرى، وثالثة خاصة بتجنيد إخوان المدن والحضر. 

- تنحدر الغالبية العظمى لقواعد الإخوان المسلمين من الطبقة الوسطى، ورغم وجود الإخوان وانتشارهم في شتى أنحاء البلاد يقل وجودهم التنظيمي في الطبقات الفقيرة، ويهتم المسئولون عن التجنيد بتجنب التوسع في ضم عناصر من الطبقات الفقيرة إلا لحساب ميزات استثنائية تتمتع بها هذه العناصر دون أن تكون هذه قاعدة معلنة، ويعد الانضمام للجماعة إحدى آليات الصعود الاجتماعي في الطبقات الدنيا، إذ تتيح الجماعة لأعضائها فرصة للتحقق والصعود الاجتماعي من خلال شبكة اجتماعية كبرى، وتساعد هذه الشبكة على تأمين الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي للأعضاء، والمساعدة للمتعاطفين والمؤيدين والأنصار. 

أما عن آليات التجنيد، فتظل الدعوة الفردية أهم الأدوات الناجعة في استقطاب وتجنيد أعضاء جدد في الجماعة، بل تكاد تكون الممول الحقيقي للعنصر البشري داخل الجماعة، وتنقسم الدعوة إلى ثلاث دوائر رئيسية هي:
- دائرة الدعوة الفردية (2-3) أفراد 
- دائرة الربط العام (10-15) فردًا
- دائرة الانتشار (30-40) فردًا

الاطلاع على المناهج التربوية للإخوان كفيل بكشف جزء كبير ومهم من أهداف الجماعة، ووسائلها، وأساليب تعاملها مع المجتمع، والسلطة، وأجهزة الدولة، والقوى السياسية، وقادة الفكر والرأي، والمنشقين عنها، والجماعات الدينية الأخرى، وأيضًا وسائلها العلنية في التجنيد.
"