رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

إيطاليا المنيعة.. الإرهاب يفشل في اختراق بلاد المافيا

الإثنين 23/يوليه/2018 - 10:55 م
المرجع
نرمين محمد توفيق
طباعة

يمكن أن يُعزى نجاح النظام الإيطالي في مكافحة الإرهاب إلى تاريخ إيطاليا الطويل في مواجهة الإرهاب الداخلي والجريمة المنظمة، فعلى مدار عقود اضطرت إيطاليا إلى مواجهة أشكال من الإرهاب المحلي، كما واجهت المتطرفين «اليمينيين، واليساريين» في الفترة الممتدة منذ أواخر الستينيات وحتى الثمانينيات، الفترة التي أُطلق عليها «سنوات الرصاص».


تعرضت بعض الدول الأوروبية المحصنة أمنيًّا إلى عدد من الهجمات الإرهابية القوية بشكل جعل العالم يتعجب من كيف استطاع الإرهابيون اختراق تلك الدول، وعلى رأس الدول التي تعرضت لهذه العمليات جاءت فرنسا وألمانيا وبلجيكا، بل وبريطانيا، والتي تُعدُّ أكثر الدول الأوروبية تأمينًا، ونجح «داعش» في اختراق هذه الدول عن طريق ما يُعرف بهجمات الذئاب المنفردة، معتمدًا على عملائه داخل أوروبا عن طريق القيام بعمليات الدهس من خلال قيادة سيارة، والدفع بها وسط الحشود بأقصى سرعة وقوة ممكنة، لإيقاع أكبر عدد من القتلى والمصابين، أو إطلاق النار بشكل عشوائي، بل إن أتباعه نجحوا في زرع القنابل والدخول مفخخين إلى أماكن مهمة، مثل الهجوم على مسرح باتاكلان الفرنسي، والذي تواكب مع هجوم على استاد رياضي أثناء مباراة بين المنتخبين الفرنسي والألماني، بحضور الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند.


إيطاليا المنيعة..

بيد أن هذا المشهد يختلف كلية بخصوص إيطاليا التي استطاعت تأمين نفسها جيدًا من هذه الهجمات، في مفارقة غريبة، حيث إنها تُعدُّ من أكثر الدول التي يتوجه إليها المهاجرون من قارة أفريقيا والمنطقة العربية، وكذلك اللاجئون، ويستطيع عملاء «داعش» الدخول إليها بسهولة عبر البحر، خاصة مع موقعها الجغرافي القريب من شواطئ دول البحر المتوسط والقريب من المغرب وتونس وليبيا التي تُعدُّ شواطئها ممرًا للمهاجرين.


وعليه تسعى هذه الدراسة إلى التعرف على الأسباب التي ساعدت إيطاليا على حماية نفسها من تلك الهجمات.. كالتالي:


أولًا: تأثير موقع إيطاليا في حركة التدفق

تقع إيطاليا من الناحية الجغرافية، في منطقة قريبة من مناطق الصراع الدائرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي دولة ممر؛ حيث تُعدُّ من أكثر الدول استقبالًا للمهاجرين، سواء الشرعيين أو غير الشرعيين، الذين جاؤوا من مناطق الصراع التي عاشوا فيها على هوامش مجتمعاتهم قاصدين أوروبا، وهذا جعل منها بيئة مناسبة لتعبئة المتطرفين وتصديرهم إلى دول جوارها.


وفي ذات الوقت تُعدُّ إيطاليا بلدًا استراتيجيًّا لوجستيًّا يسمح بمرور جنود «داعش» إلى أوروبا، خاصة مع انفتاح حدودها مع بقية دول أوروبا، ولهذا السبب يستبعد الإرهابيون القيام بأعمال إرهابية في إيطاليا، حتى يُمكنهم أن يعملوا في هدوء.


ويرى Giampiero Venturi مسؤولُ التحليل الجيوسياسي لموقع Difesa Online أن العامل الجوهري في أن إيطاليا لم تُضرب بهجمات قوية حتى الآن، لأنه في حالة تعرضها لمثل هذه الهجمات فسوف ترفع من مستوى المراقبة الشديدة، وسيثور الرأي العام، بما يدفع المؤسسات إلى إعادة النظر في آلية مراقبة تدفق المهاجرين والتضييق عليهم، وهذا بالطبع ليس من مصلحة الإرهابيين، ولهذا فإن أي تغير من هذا النوع سيُصَعِّب من تدفقهم إلى أوروبا ومن حركتهم بين دولها، ومِن ثَم فالإرهابيون أنفسهم يريدون الحفاظ على وجودهم في إيطاليا، وأن تستمر نقطة العبور، ما يزيد من حرصهم على عدم القيام بأي عملية إرهابية تجعلهم في مرمى استهداف القوات الأمنية الإيطالية أو التضييق على حركتهم بها.

 

ثانيًا: التشريعات الصارمة في إيطاليا الخاصة بمكافحة الإرهاب

بدأت إيطاليا مبكرًا إجراءات مكافحة الإرهاب، وذلك بعد أحداث 2001؛ حيث استجابت إيطاليا على الفور للتهديد الإرهابي تماشيًا مع القرارات ذات الصلة التي اتخذتها الأمم المتحدة ومختلف الأدوات القانونية التي أقرها الاتحاد الأوروبي.. واتضح ذلك من خلال:

أ‌-     إنشاء لجنة الأمن المالي في وزارة الاقتصاد والمالية، والتي يترأسها المدير العام للخزانة بموجب القانون رقم 431 لسنة 2001، وهي تتشكل من 11 عضوًا، وتضم ممثلين عن وزارات الداخلية والاقتصاد والمالية والعدل والخارجية والبنك المركزي الإيطالي واللجنة الوطنية للشركات وسوق الأسهم والجمعية الإيطالية للمصارف، والمكتب الإيطالي للتحويلات، والشرطة وقوات الدرك (كارابينييري)، والشرطة المالية والإدارة الوطنية لمكافحة المافيا.


 ومهمة هذه اللجنة هي منع المنظمات الإرهابية من استخدام النظام المالي الإيطالي، عن طريق تنسيق جهود إيطاليا لوقف تمويل الإرهاب، ولها صلاحية تجميد أرصدة الأفراد أو المجموعات المرتبطة بالمنظمات الإرهابية، وتقوم كذلك بمراقبة تنفيذ لوائح الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، وبالإشراف على تطبيق العقوبات التي أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والموافقة على اقتراحات إدراج الأفراد أو الكيانات في لائحة لجنة العقوبات ضد التنظيمات الإرهابية، وقد بلغت قيمة الأصول التي قامت السلطات الإدارية الإيطالية بتجميدها، حتى ديسمبر 2006، ما يقرب من 500 ألف يورو، وإضافة إلى ذلك فقد تمت مصادرة أصول وممتلكات تبلغ قيمتها نحو 4 ملايين يورو بناءً على طلب من السلطات القضائية.


ب‌- استحداث فئة جنائية جديدة في قانون العقوبات متعلقة بالتآمر، أو تشكيل جماعة لأغراض تتعلق بالإرهاب الدولي وفق المادة 270 مكرر من قانون العقوبات، واتخاذ إجراءات وتدابير عاجلة للوقاية من الجرائم المرتكبة، لتحقيق أهداف الإرهاب الدولي ومكافحتها بموجب المادة رقم 438 لسنة 2001.


ج-   إدخال قواعد جديدة في شأن بيانات الاتصالات الهاتفية والمعلوماتية في عام 2005، تضمن طرد الأجانب من البلاد لأسباب تتعلق بالوقاية من الإرهاب؛ حيث أصبح لدى إيطاليا ما يُعرف بـ«الخدمة السرية»، والتي سمحت بمراقبة خطوط الهاتف تحت ما يُسمى «منع الهجمات الإرهابية»، ونصت هذه القواعد على معاقبة من يثبت أنه قام بتشجيع أو إنشاء أو تنظيم أو إدارة أو تمويل جماعات إرهابية تعتزم ارتكاب أنشطة العنف لأغراض إرهابية، كما تضمنت تجريمًا لظاهرة الإرهاب الدولي تجاه أي جماعات تعمل في إيطاليا تُشجع على العنف ضد دولة أجنبية أو منظمة دولية.


د- تطبيق سياسة إبعاد أي شخص له علاقة بالإرهابيين، ففي عام 2015 اتخذت إيطاليا إجراءات احترازية كثيرة لتبعد عن أراضيها شبح الإرهاب الذي يُخيِّم على أوروبا، وعكس ذلك ترحيل السلطات الإيطالية 10 أشخاص أغلبهم مغاربة، وقبلهم 13 آخرين في عام 2014، كما قامت إيطاليا بإغلاق عدد من المساجد بها؛ بحجة أنها غير مرخصة، ما دعا أعضاء الجالية المسلمة بها إلى الاحتجاج على هذا الأمر، وأعلنوا أنهم سيقيمون صلاة جماعية في شوارع إيطاليا، بل وفي كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان، احتجاجًا على انتهاك حقوق المسلمين في حالة استمرت إيطاليا في إغلاق المساجد.

وكان وزير الداخلية الإيطالي الأسبق أنجلينو ألفانو قد صرح بأن الحكومة تعتزم حظر المساجد غير المرخصة، وذلك في إطار جهودها لمكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أنه يوجد في إيطاليا بعض المساجد وأكثر من 800 مركز للديانة الإسلامية، وأنهم سيغلقون المراكز غير المرخصة وغير النظامية، ليس بهدف منع ممارسة الشعائر الدينية، بل لكي تُمارس الشعائر الدينية في أماكن نظامية وفقًا لتصريحه.

ز- إنشاء لجنة التحليل الاستراتيجي لمكافحة الإرهاب، التي تقوم بدراسة قوائم من المشتبه بهم وتقدمها بصفة دورية إلى أجهزة الشرطة والاستخبارات الإيطالية، وفي اجتماعات لجنة مكافحة الإرهاب يجري تحليل مستوى خطورة هؤلاء بالوصول إلى نتيجة ربما تؤدي إلى طردهم من البلاد، ونقلت صحيفة «لاستامبا» الإيطالية أن هناك كثيرًا من المرشحين للطرد، ومن بين هؤلاء بعض «الدعاة المتنقلين بين المساجد»، وكذلك من يقومون بعمليات «غسيل المخ» ووظيفتهم تجنيد المقاتلين لإرسالهم إلى ساحات الحرب، خاصة في سوريا، وهم يتحركون في دول غربية عدة وليس إيطاليا وحدها. 

ه- تُعدُّ إيطاليا من الدول الأوروبية التي تضع قوانين صارمة فيما يتعلق بمنح الجنسية الإيطالية للمهاجرين بها، لذا حاز القليل منهم عليها، وأسهم هذا الأمر في خفض الهجمات الإرهابية عليها.

هذه الإجراءات جعلت الإرهاب يتضاءل في إيطاليا، مقارنة بالزيادة التي شهدتها دول أخرى في أوروبا، غير أن هذا لا يُقلل خوف المسؤولين بها من احتمال تعرض إيطاليا لهجمات إرهابية، خصوصًا أن هناك تقريرًا صدر عن وزارة الداخلية الإيطالية في ديسمبر 2017، أشار إلى أن (129) شخصًا غادروا إيطاليا، للانضمام إلى مجموعات متشددة مختلفة في سوريا والعراق ومناطق شرق أوسطية أخرى، لاسيما تنظيم «داعش»، ويُخشى من عودتهم للبلاد مرة أخرى.

ثالثًا: التجربة الأمنية الطويلة في محاربة المافيا

يُمكن أن يُعزى نجاح النظام الإيطالي في مكافحة الإرهاب إلى تاريخ إيطاليا الطويل في مواجهة الإرهاب الداخلي، والجريمة المنظمة، فعلى مدار عقود، اضطرت إيطاليا لمواجهة أشكال من الإرهاب المحلي، كما واجهت المتطرفين «اليمينيين، واليساريين»، في الفترة الممتدة منذ أواخر الستينيات وحتى الثمانينيات، الفترة التي أُطلق عليها «سنوات الرصاص».


كما واجهت إيطاليا تهديدات عرقية في إقليم جنوب (تيرول) الناطق باللغة الألمانية في الستينيات من القرن الماضي، إلى جانب التهديدات الفوضوية، التي نشطت في بداية القرن الحالي؛ حيث اعتبرت الكتائب الحمراء Brigade Roses، أخطر مجموعة متطرفة في تاريخ إيطاليا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية، فضلًا عن كونها أبرز التنظيمات الإرهابية على مستوى القارة الأوروبية ككل.


أما فيما يخص الجريمة المنظمة، فإن إيطاليا لها تاريخ طويل ومكثف في النضال ضد المنظمات الإجرامية، مثل جماعة المافيا «كوزا نوسترا» Cosa Nostra في صقلية التي تُعدُّ من أخطر العصابات على مستوى العالم، ومنظمة الجريمة «ندرانجيتا» Ndrangheta في كالابريا، ونتيجة هذه التجارب، استطاعت السلطات الإيطالية تطوير مهاراتها في مواجهة التهديدات.


على الجانب الآخر، وجود المافيا بإيطاليا حتى الآن قد يعكس التنسيق بينهم وبين الإرهابيين، فـ«المافيا» بحاجة إلى المهاجرين كمصدر للربح، كما أن عدم وجود هجمات إرهابية يُفيد مراكز الإيواء التي تربح من تدفق المهاجرين، وعليه فإن «المافيا» ليست بحاجة إلى خلق أي مشكلات من نوع التفجيرات الإرهابية، ما يدفعها إلى توظيف الإرهابيين حسب مصلحتهم، ومن ثم التأثير عليهم في عدم القيام بأي عمليات إرهابية داخل إيطاليا.


رابعًا: وجود الفاتيكان في إيطاليا يزيد من الإجراءات الأمنية لعدم اختراقه

وجود الفاتيكان رمز المسيحية الكاثوليكية الغربية في العالم داخل إيطاليا حَتَّم عليها تشديد إجراءاتها الأمنية لحمايته، ومن المعروف أن الفاتيكان تُعدُّ أصغر دولة في العالم، وتقع في قلب العاصمة الإيطالية روما؛ حيث تحيط بها إيطاليا من جميع جوانبها، هذه المكانة جعلت روما والفاتيكان رمزًا روحيًّا رئيسيًّا للحضارة الغربية، وعليه فإن أي استهداف من «داعش» لها سيعتبره المسيحيون حول العالم استهدافًا لهم جميعًا، وقد هدد «داعش» بالفعل باستهداف الفاتيكان أكثر من مرة، ففي ديسمبر 2017 هدد التنظيم، بشن هجمات على دولة الفاتيكان مع الاحتفال بأعياد الميلاد، ونَشَرَ التنظيم ملصقًا، يُظهر اثنين من عناصره يحملان السلاح، وينظران نحو كنيسة القديس بطرس في دولة الفاتيكان، بجانب رأس سانتا كلوز، في تهديد مباشر، وكتب عناصر التنظيم على الملصق: «الخبر ما ترون ما لا تسمعون، في أعيادكم قريبًا»، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يُهدد فيها تنظيم «داعش» بشن هجمات في الفاتيكان ودول أوروبا وأمريكا خلال عطلة عيد الميلاد، ففي 15 نوفمبر 2017، هدد التنظيم بتنفيذ هجمات إرهابية كبرى بدولة الفاتيكان في عيد الميلاد، ونشر ملصقًا يصور الهجوم؛ حيث يَظْهر شخصٌ ملثمٌ داخل سيارة يتربص بـ«الفاتيكان»، وعنونها بـ«Christmas Blood»، كما هدد التنظيم في شهر أغسطس 2017، بقتل بابا الفاتيكان، فرنسيس الأول، ونشر مقطع فيديو، تم تصويره في الفلبين، يُظهر أنصار التنظيم وهم يمزقون صورة البابا فرنسيس والبابا بنديكت السادس عشر، ويكسرون الصليب، ويُدمرون تماثيل المسيح والسيدة العذراء.


وقد أبدى البابا فرانسيس تخوفه من تلك التهديدات المتكررة قائلًا: «إن الجماعات الإرهابية، مثل «داعش»، يُمكن أن تكون مختبئة بين آلاف اللاجئين المتدفقين إلى أوروبا»، لافتًا إلى أن روما قد تكون هدفًا محتملًا.. وأنّ هناك خطرًا من التسلل، لم يقل أحد بأن روما ستكون محصنة من هذا التهديد، ولكن يمكنك أخذ الاحتياطات.


خامسًا: تاريخ الفاشية في إيطاليا وصعود اليمين المتطرف

تُشير الاستطلاعات إلى أن إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية التي ترتفع فيها نسبة الإسلاموفوبيا، وفقًا للاستطلاع الذي أجراه مركز «Pew» الأمريكي لعام 2016، وما ترتبط بها من نظرة سلبية إلى المهاجرين من المسلمين، وفي التضييق عليهم كذلك، إضافة إلى أن بعض مظاهر الفاشية لاتزال منتشرة في البلاد، فرغم أن الدستور يمنع منعًا باتًّا استعمال أي إشارة أو رمز إلى النظام الفاشي، فإن وزير الداخلية الإيطالي الحالي ماتيو سالفيني، والذي كان زعيم «رابطة الشمال» يرفع شعار «الإيطاليون أولًا»، والرابطة هي حزب يميني متطرف فاز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في إيطاليا، ويُعارض حرية ممارسة المسلمين لشعائرهم الدينية، وقد دفع سلطات شمال إيطاليا في فبراير 2015 إلى إقرار منع بناء المساجد في الإقليم، ولم يُثِر القرار أي ضجة في الطبقة السياسية، واكتفى وزير الخارجية آنذاك، باولو جنتيلوني، بالدعوة إلى عدم ربط الإرهاب بالإسلام.


هذه التخوفات أدت بالتبعية إلى وقوع حوادث عنصرية، منها على سبيل المثال، عندما قام رجل إيطالي يُدعى لوكا تريني، في فبراير 2018 بإطلاق النار من سيارته في مدينة ماشيراتا في منطقة ماركي على مهاجرين عدة، وعَلَّق على جريمته بقوله: إنه أراد الانتقام للفتاة الإيطالية التي قتلت عن 18 عامًا، ويُشتبه أن مهاجرًا من نيجيريا هو من قتلها.


هذه الجرائم العنصرية تعكس أن العقلية الإيطالية مهيأة لتشديد الحصار على المهاجرين واللاجئين، وبالتبعية على الإرهابيين، ما ساعدهم على حماية أمنهم من الضربات الإرهابية على الرغم من بشاعة وجه العنصرية، والذي يكون هو آخر ذريعة يلجأ إليها الإرهابيون لتبرير جرائمهم عندما تحدث.

إيطاليا المنيعة..
ختاما:

رغم هذه الإجراءات الأمنية المشددة التي تتخذها القوات الإيطالية فإن هناك تخوفات لدى السلطات الإيطالية من إمكانية اختراق «داعش» لدولتهم، خصوصا بعد هزائم التنظيم في سوريا والعراق وسهولة الانتقال إلى أوروبا عبر البحر مع غيرهم من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وهذا ما جسدته تصريحات وزير الداخلية الإيطالية السابق ماركو مينتي، التي قال فيها: «إن المقاتلين الأجانب في تنظيم «داعش» الإرهابي الفارين من سوريا والعراق يمكن أن يجدوا في شمال إفريقيا ركيزة انطلاق لشن هجمات إرهابية على أوروبا، وأنه بعد الهزيمة العسكرية التي مُنِيَ بها تنظيم «داعش»، فمن الممكن لمقاتليه الأجانب الفارين من سوريا والعراق أن يجدوا ملاذًا آمنًا في شمال أفريقيا، وأن يحولوا هذه المنطقة لركيزة انطلاق لشن هجمات إرهابية على أوروبا وإيطاليا، وأن قضية المقاتلين الأجانب ضخمة، فالبعض منهم قد مات والبعض الآخر يعود إلى أرضه الأصلية بطريقة غير منظمة، ونحن أمام عودة لهؤلاء من خلال الطرق المفتوحة، أي تلك التي تتبعها تدفقات الهجرة عبر إفريقيا والبلقان«، وشدد مينتي على أن »هناك احتمالًا كبيرًا بعبور آلاف المقاتلين من خلال هذه النقطة في طريق عودتهم إلى بلادهم«.


هذه التصريحات تعكس قلق إيطاليا المستمر من أنها قد تكون هدفًا لهذه العمليات، وليست ممرًا للإرهابيين فقط، وهذا ما دفعهم إلى تشديد الإجراءات الأمنية لديهم، بل والتنسيق الأمني المشترك مع دول أخرى لمكافحة الإرهاب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي حركت السربين 56 و57 من سلاح الجو الأمريكى من نقاط تمركزهما في قاعدة لاكينهيلث الملكية الجوية في بريطانيا ليتخذا من قاعدة أفيانو الجوية الإيطالية القريبة من أفريقيا والشرق الأوسط موضع ارتكاز جديدًا، ويشكل السربان معًا قوة عمليات مشتركة ذات طابع خاص، وقد تشكلا في العام 2009 كتشكيل جوي مستقل في الجيش الأمريكي يدعم الأنشطة العسكرية الأمريكية، ويعطي تحريك السربين مؤشرًا على عزم الإدارة الأمريكية تعزيز عمليات الإغاثة والإنقاذ والتدخل السريع في مسارح عمليات كل من أوروبا وأفريقيا، وتقديم الدعم الاستراتيجي والقتالي اللازم للقوات الأمريكية، ووحدات مكافحة الإرهاب في أوروبا وأفريقيا، ومعاونة القوات الحليفة للقوات الأمريكية فيهما.


ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه التكتيكات الإيطالية لم يرافقها نهج وقائي قوي، خلافًا للدول الأوروبية، إذ لم تقم إيطاليا بتطوير برنامج أو استراتيجية منهجية، لمكافحة التطرف، ومن ثم هناك ضرورة لاستكمال أدوات مكافحة الإرهاب، من أجل تعزيز قدرة الاستجابة للتهديدات الإرهابية، من خلال التركيز على مكافحة التطرف، وتفعيل التعاون الأمني الأوروبي المشترك في مكافحة الإرهاب، وأن يضع المسؤولون في إيطاليا نصب أعينهم أن بلادهم ليست بعيدة عن مرمى العمليات الإرهابية.


غير أن الأكثر تضررًا من هذه الإجراءات الأمنية هم المهاجرون واللاجئون المسالمون، والذين لا علاقة لهم بالإرهابيين، خاصة مع فوز تحالف اليمين المتطرف بالانتخابات التشريعية الإيطالية الأخيرة، والتي أُجريت في شهر مارس 2018، ما سيجعلهم أول المستهدفين في حال وقوع أي عملية إرهابية داخل إيطاليا، سواء عن طريق الملاحقات الأمنية أو الإبعاد، أو سحب الجنسية، وستزيد ضدهم جرائم العنصرية في دولة مهيأة لذلك، وقد تشهد إيطاليا في الفترة المقبلة مزيدًا من القوانين الأكثر تشددًا في مكافحة الإرهاب، بعد موافقة البرلمان الإيطالي يوم السابع من شهر يونيو 2018 على تشكيل الحكومة الجديدة، المكونة من أعضاء «حزب الرابطة» الشعبوي، وحركة الـ«5 نجوم»، والمناهضين للهجرة، وغير الإيطاليين بشكل عام.

"