رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

الصوفية في الغرب.. جذور تاريخية بصبغة شرقية

الأربعاء 04/يوليه/2018 - 03:31 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

على مدار سنوات عمره الـ77 وقبل أن توافيه المنية في مايو 2018، سَطَّر جون هينيلز، أستاذ ومحاضر الدراسات الدينية بجامعة «Derby» البريطانية، العديد من المؤلفات والمطبوعات التي ترصد الاختلافات والتوافقات بين الأديان وشرائعها المختلفة، بالإضافة إلى ممارسات وطقوس مريدي كل طائفة.

 

ومن أبرز كتبه التي ناقشت عوالم الصوفية ورحابها الواسع، كتاب «الصوفية في الغرب» أو «Sufism in the west» والذي شاركه كتابته أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة «إيرفورت» بألمانيا، الباكستاني جمال مالك، حيث يقدم الكتاب في فصوله التسعة بعض الأطروحات والدراسات التي أسهم بها العديد من الباحثين الغربيين حول تاريخ وماهية الحركات الصوفية في الغرب، فيما يجيب عن بعض التساؤلات الخاصة بالطرق الأكثر تأثيرًا في عموم المسلمين الموجودين في النظم الغربية ذات الطبيعة الليبرالية المنفتحة.

 

وعن الفئات الأكثر تأثرًا بالمد الصوفي في أوروبا والولايات المتحدة، ترى المطبوعة الإنجليزية أن غالبيتهم ينتمون لأبناء المهاجرين المسلمين الذين تأثروا بـ«الرومانسية المثالية للروحانيات الشرقية» وأعلامها أمثال جلال الدين الرومي (1207- 1273) وهو المتصوف الأشهر صاحب الطريقة المولوية (وهي طريقة صوفية تتبع العقيدة السنية، وتشتهر بالرقص الدائري على أنغام موسيقى الناي عن طريق التفاف المريدين بشكل دائري حول شيخهم وهم يرددون أذكار تحض على الزهد والسمو).


غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

رواد الصوفية بالغرب

وعن مفهوم التيار الصوفي في عيون الباحثين الغربيين للدراسات الإسلامية يشير الكتاب في إحدى صفحاته التي تقارب على 224 صفحة، إلى أن التصوف هو «البعد الغامض للإسلام»، فيما يشير المصطلح إلى مجموعة متنوعة من الأنماط الروحانية التي تهدف إلى الإخلاص العميق لله الواحد القهار.

 

ويؤرخ الكتاب لأبرز الحركات المعممة العالمية، التي أسهمت في إثراء تيار التصوف في الغرب، ومنها حركة «الصوفية الدولية» والتي تُعرف إنجليزيًا بـ«the Sufi Order International» والتي يرجع الفضل في بلورتها إلى «عنايات خان» أو «Pir Vilayat Inayat Khan» الذي جلب مسار الصوفية من الهند إلى الغرب في 1910، بالاضافة إلى ابنه من بعده «Pir Zia Inayat Khan»، والتي تشير كتب التراث إلى تمركزهم على الأغلب في بريطانيا.

ومن الرواد الذين حملوا شعلة التصوف أيضًا «إدريس شاه» وهو متصوف أفغاني عاش ما بين (1924- 1996) مهاجرًا من الهند التي ولد بها إلى المملكة المتحدة التي ترعرع بها.

فيما يعد «مظفر أوزاك» من أبرز من نشروا الصوفية في الغرب، وتحديدًا في الولايات المتحدة وهو تركي الأصل عاش في الفترة ما بين 1916 إلى 1985، كما يعتبر الشيخ التاسع عشر لمذهب إحدى الطرق الصوفية المعروفة بـ «The Halveti-jerrahi order of Dervishes».

غلاف آخر للكتاب
غلاف آخر للكتاب

النقشبندية بهوى غربي

وتعتبر الطريقة النقشبندية من كبرى الطرق الصوفية انتشارًا بالقارة العجوز، والولايات المتحدة الأمريكية، فيما اشتقت اسمها من مؤسسها «محمد بهاء الدين نقشبند»، وتتعدد الروافد الفكريَّة للطريقة النقشبندية حسب مناطق تمددها في دول الغرب.

 

أولًا: النقشبندية المجددية: تعد من أكثر الطرق الصوفية انتشارًا فى ألمانيا، فيما يعزى هذا الانتشار إلى كونها تتمتع بتمدد ثري في تركيا، وهو ما تم نقله لألمانيا عن طريق المنظمات التركية التي تهيمن على حياة المسلمين هناك، مثل منظمة «ميلي جروس» التي يعتقد الباحث أنها تشكل مجتمعًا صوفيًّا موازيًا.

 

وكشف الكاتب عن وجود خفي للطرق الصوفية في معظم مناطق ومراكز الدولة عن طريق بعض المنظمات التي تنشر التصوف خلسة، وإلى جانب المجددية تنتشر أيضًا بعض الطرق الأخرى مثل: التيجانية والمولوية والجشتية.

 

ثانيًا: النقشبندية الحقانية: من أكثر الطرق المنتشرة والتي يشير تمددها إلى الديناميكية التي يتمتع بها الصوفيون في الغرب، فيما يعد التيار الحقاني للنقشبندية، فرعًا حديثًا من الطريقة الأم ذات الأصول والجذور الأسيوية، كما يتميز ببعض السمات مثل التوجه السني البحت، والمشاركة الاجتماعية والسياسية الكاملة.

Hazrat Inayat Khan
Hazrat Inayat Khan

الصوفيَّة الأمريكية

يشبه الباحث تيار الصوفية في أمريكا بمصطلحين أساسيين وهما: «الهجين» أي تلك الحركات والمجموعات الصوفية التي أسسها المسلمون المهاجرون بعد انخراطهم في المجتمع في نزعة نوستاليجية لبيئاتهم التي ولدوا فيها، أما المصطلح الثاني فهو «المعمرة» حيث تمثل تلك الحركات حقيقة عالمية أبدية تنطلق من وجودية مطلقة يرجعها الباحث إلى مفهوم الغنوصية (وهو مصطلح يُطلق في الأغلب على مجموعة أفكار تتجاوز الملة في حد ذاتها إلى كونها ظاهرة شاملة توصف حالة من الفلسفة الدينية تفسر مفاهيم التوحيد الخالصة للإله الواحد) أكثر من مصطلح الدينية.

 

فيما أشار الكاتب إلى اشكالية الاندماج التي أسهمت معاناتها في انخراط العناصر المهاجرة صاحبة التكيف الأقل مع السياق الأمريكي في الخطاب الصوفي المثير للاهتمام بالنسبة للغرب، ويرجع الكاتب زخم التصوف الأمريكي إلى دافعين أساسيين أولهما تعددية المجتمع وتقبله للآخر، والثاني هو الاهتمام المتزايد بمفهوم الروحانية وطقوسها.

 

كما يستعرض الكتاب ثلاث موجات ومراحل رئيسية للنشاط الصوفي في أمريكا

الموجة الأولى: وتؤرخ بدايتها عند أوائل 1900، بدافع التواصل والتفاعل الثقافي بين الأوروبيين والآسيويين خلال الفترة الاستعمارية آنذاك، والذي أنتج عددًا من المعلمين نقلوا تعاليم الشرق المتأثرة بـ «عنايت خان» إلى المشتاقين لها في الولايات المتحدة.

 

الموجة الثانية: تزامنت الموجة الثانية من النشاط الصوفي مع نمو وغزارة الدراسات الدينية المقارنة في الولايات المتحدة، وذلك في فترة الستينيات والسبعينيات كأعمال وليم جيمس، وهستون سميث، وسيد حسين نصر، وميرسيا إلياد، بالاضافة إلى حركات التحرر من العنصرية آنذاك، ما ساهم في استيعاب المزيد من الطرق الصوفية ومريديها.

 

الموجة الثالثة: استخدم مصطلح «الموجة الثالثة» لتسمية أنواع معينة من الأنشطة التي تقوم بها المجموعات الصوفية، ما يعكس تدريجيًا تحديد أقرب للإسلام المعياري خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، والتي خلقت بيئة تجتذب وتخدم المجتمع الإسلامي المتعدد الأعراق في الولايات المتحدة.

 

الصوفية البريطانية

تنقل الصوفيون على طول طرق التجارة ومسارات الغزو الإمبراطوري والحج، إلى زوايا بعيدة ومتناثرة على نطاق واسع من الكرة الأرضية، حاملين الرسالة المتصوفة من الشرق الأدنى إلى دول العالم المختلفة، فيما أدت عمليات الهجرة الباكستانية كنموذج، إلى تعزيز رؤى وتصورات الصوفية في المجتمع البريطاني وبخاصة منطقة «مانشستر» ومساجدها، التي رصد الباحث وجود بعض حلقات الذكر الصوفي فيها.

 

فالمسلم في المملكة المتحدة يجد في التصوف إشباعًا لحنين يدغدغ مشاعره، كما تُصبغ الطوائف الصوفية هناك بعدة سمات أهمها جذب أبناء المهاجرين، والعلاقات الإجتماعية والتزاوج بين مريديها، والاندماج مع قيم المجتمع الغربي والتحرر من الأصولية الصارمة، فيما تعتبر الطرق النقشبندية أيضًا من أكثر تيارات الصوفية انتشارًا في بريطانيا.

"