رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«اتفاق منبج».. تداخلات إقليمية ودولية وخرائط النفوذ

الأربعاء 13/يونيو/2018 - 05:17 م
المرجع
محمود عبدالواحد رشدي
طباعة
في وقت تعمل به الإدارة الأمريكية على محاربة جيوب داعش في الشمال السوري عبر دعمهم للقوات الكردية، أعلنت أنقرة عن اتفاقها مع واشنطن بشأن سحب قوات الحماية الكردية لشرق الفرات، واستبدالها بقوات محلية تحت رعاية «تركية - أمريكية».


«اتفاق منبج».. تداخلات
جاء «اتفاق منبج»؛ لينهي حالة الخلاف التركي الأمريكي حول مصير المدينة المسيطرة عليها من قِبل الأكراد بعد القضاء على تنظيم «داعش» في أغسطس 2016، وبدأ الحديث عن تكرار الاتفاق بشأن المدن السورية الواقعة على الحدود «السورية- التركية».

وعلى صعيد آخر، فتح اتفاق منبج الحديث عن موقف موسكو في ظل سعيها الدائم؛ لتكون المحرك الأساسي لجميع القوى في سوريا، واستراتيجية استبعاد باقي اللاعبين في الملف السوري.

ما هو اتفاق منبج؟

هو خارطة طريق ما بين تركيا والولايات المتحدة بشأن الوضع في الشمال السوري على الحدود «التركية - السورية»، إذ وقع الاتفاق في الرابع من يونيو 2018 بين وزير الخارجية التركية، مولود جاويش أوغلو، ونظيره الأمريكي، مايك بومبيو. 

ويشمل الاتفاق ثلاثة عناصر، تبدأ بانسحاب القوات الكردية –قوات سوريا الديمقراطية- من مدينة منبج خلال 30 يومًا من توقيع الاتفاق، كما يشمل الانسحاب تخلي القوات الكردية عن خدماتها المدنية، واستبدالها بمؤسسات أخرى محلية مكونة من السكان الأصليين؛ لتكون تلك المؤسسات بإشراف كل من أنقرة وواشنطن، وعليه تصبح منبج منزوعة السلاح؛ لتوفير الملاذ الآمن لعودة المواطنين. 

«اتفاق منبج».. تداخلات
تداعيات الاتفاق دوليًّا

كان لاتفاق منبج تداعيات عدة على الفاعلين الدوليين في سوريا خاصة الفواعل الدولية، ومنها روسيا وإيران، وتركيا وواشنطن.

بالنسبة لتركيا، يعتبر الاتفاق ورقة رابحة لإنهاء خلافها مع واشنطن بشأن دعمها للأكراد على حدودها؛ إذ يشكل الوجود الكردي تهديدًا للأمن التركي؛ نظرًا لبروز الدعوات الكردية بالانفصال عن تركيا، وتشكيل دولة كردية، أو على أقل تقدير الحصول على حكم ذاتي مثل إقليم كردستان العراق.

وشكل الدعم الأمريكي للأكراد أكبر تهديد لتركيا؛ إذ دعمت الولايات المتحدة الأكراد بشتى الطرق، شملت الدعم العسكري وتمويلها بالأسلحة، والدعم اللوجستي؛ إذ ظهر مستشارون عسكريون داخل مناطق النفوذ الكردي، ويرجع السبب الرئيسي وراء الدعم الأمريكي للأكراد حول نجاح الأخير في محاربة «داعش»، وكبدته الكثير من الخسائر، حتى لاقى هزيمته في الرقة نوفمبر 2017، وتخلت حينها أمريكا عن دعمها المعارضة المسلحة، ورأت أن فشلها في محاربة «داعش» يكمن في تمويلها الخاطئ. 

الأمر الذي هدد العلاقة بين واشنطن وأنقرة؛ إذ سعت القوات الكردية أثناء محاربتها لـ«داعش» إلى تقوية نفوذها في الشمال السوري بمحاذاة الحدود التركية ومن ورائها الدعم الأمريكي؛ ولذا هددت أنقرة بقطع علاقتها مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تقاربت مع موسكو؛ من أجل السماح لها بمحاربة الأكراد؛ إذ شنت العديد من العمليات العسكرية ومنها درع الفرات، وغصن الزيتون؛ بزعم محاربة التنظيمات الإرهابية.

وجاء اتفاق منبج لينهي حالة من تضارب المصالح بين تركيا والولايات المتحدة؛ ليؤكد نجاح قوات الاحتلال التركي في إحراز مزيد من الانتصارات بخصوص إبعاد الأكراد عن حدودها، كما أنه ورقة رابحة لحزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة المزمع عقدها في 24 يونيو الحالي. 

«اتفاق منبج».. تداخلات
الانسحاب الأمريكي
تنسحب الولايات المتحدة تدريجيًّا من الملف السوري لصالح وكلاء إقليميين «إسرائيل وتركيا»، وذلك بعد أن تدخلت بصورة أساسية في الصراع السوري في 2014، لقيادة التحالف الدولي للقضاء على «داعش».

ولكن تغيرت السياسة الخارجية الأمريكية في سوريا، واتجهت لدعم الكتلة الكردية والتي ظهرت بأنها الفاعل الحقيقي للقضاء على داعش، ولكنها واجهت المصالح التركية في الشمال السوري لإخلائه من الأكراد، هذا فضلًا عن استضافة الولايات المتحدة لـ«فتح الله كولن»، المتهم بقيادة انقلاب 2016 الفاشل في تركيا، وتلك الأسباب أدت إلى مزيد من التباعد «التركي- الأمريكي» في منطقة الشرق الأوسط. 

وتطور الأمر عندما أعلنت تركيا أنها على استعداد لشراء منظومة الدفاع الروسية «إس 400»، وعارضتها الولايات المتحدة، وعرضت عليها منظومة «باتريوت»؛ بشرط إخلاء اتفاقها مع موسكو بشأن منظمة الدفاع الصاروخية. 

ولذا رأت الولايات المتحدة أن تعود لحليفتها مرة أخرى، وتسوي الخلافات معها؛ لأن خسارة تركيا بالنسبة لأمريكا تعني فقدان جزء كبير من سيطرتها على الملف السوري، خاصةً منطقة الشمال، وسعت أمريكا إلى أن يكون هناك تقاربٌ تركيٌّ أمريكيٌّ في الشمال السوري، وتسوية للأزمة الكردية، كما كان هناك اتفاقٌ في منطقة الجنوب يشمل كلًّا من روسيا وإسرائيل والأردن بشأن حصر النفوذ الإيراني وميليشياته في الجنوب. 

هذا إضافة إلى سعى الولايات المتحدة لمزيد من إحكام السيطرة على تمدد النفوذ الإيراني، فرأت أنه من الأفضل أن تعيد هيكلة سياستها تجاه أنقرة، ومن ثم ضمان نفوذها في الملف السوري، من خلال الوكلاء الإقليميين.


«اتفاق منبج».. تداخلات
توغل إيراني روسي 

سيكون الأمر مختلفًا على الجانب الآخر من الأدوار الدولية المتوغلة بسوريا؛ إذ يشكل الاتفاق مزيدًا من الهيمنة التركية في منطقة الشمال السوري، وهو ما تعارضه طهران في الوقت الحالي؛ حيث أعلنت طهران معارضتها للوجود التركي بسوريا، ونشرت عددًا من التقارير حول دعم الميليشيات الإيرانية للأكراد في مواجهة الاحتلال التركي.

كما أن التقارب التركي الأمريكي الناجم عن الاتفاق، سيرجح السياسة الاحتوائية التي تسعى لها الولايات المتحدة؛ لضرب التمدد الإيراني في سوريا، ويمضى قدمًا نحو مزيد من التفاهمات الإقليمية لعزل طهران، كما أن الاتفاق «الروسي - الإسرائيلي» بشأن الجنوب السوري، أدى إلى إبعاد القوات الإيرانية عن الحدود السورية لمسافة 50 ميلًا.

كما لم يشملها الاتفاق الثلاثي في الأردن المنعقد مع الأخيرة وكل من روسيا والولايات المتحدة، وكان الاتفاق بشأن تمكين النظام السوري في الجنوب، وطرد كل الميليشيات الأجنبية بما فيها الشيعية. 

وبالنسبة لموسكو، فإنها لم تعلن أي تصريحات بشأن الاتفاق، وقد يكون هناك اتفاق مسبق بين تركيا وموسكو حول منبج، ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى خروج أمريكا من الملف السوري لصالح وكلائها الإقليميين، الذين لهم ترتيبات مسبقة بشأن الوضع السوري، ويعد مكسبًا بالنسبة إليها تفردها بالملف السوري؛ إذ إنها تعتبر صانع القرار الأكبر في سوريا.

كما أن موسكو لا تسعى حاليًّا لخسارة أنقرة بشأن ترتيباتها في الشمال السورى؛ بل تسعى إلى مد التحالف بينهما بشأن المفاوضات المستقبلية بخصوص قوات المعارضة الموجودة في الشمال السوري، ومن الممكن أن تحدث ترتيبات أخرى، مثلما حدث في الغوطة وإدلب، وتخلي أنقرة عن دعم المعارضة السورية في مقابل السماح لها بالتحرك في الشمال السوري. 

وإجمالًا، قد يكون اتفاق منبج هو ورقة رابحة على المستوى القصير بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المرحلة الحالية، ولكن تطلعات تركيا لمد الاتفاق إلى مدن سورية أخرى على حدودها مثل عين العرب كوباني، والبوكمال، قد يفتح عليها أبواب غضب موسكو تجاه توسعها في منطقة الشمال، التي تمثل نحو 40% من المساحة السورية، ومن ثم قد يكون سكوت روسيا من ناحية، مؤقتًا للتخلص من منطقة الجنوب السوري، وإعادة سيطرة قوات النظام عليها مرة أخرى؛ ليبقى لها النفوذ التركي في الشمال ودعمها لقوات المعارضة السورية.

كما أن الولايات المتحدة قد لا تسعى لمد النفوذ التركي لمنطقة شرق الفرات؛ لتجنب خسارة حليفها المحلى الكردي، بجانب صورتها في المجتمع الدولي وإظهارها بصورة تخليها عن حلفائها المحليين، خاصة بعد اكتساب المشكلة الكردية صدى عالميًّا بعد نجاحها في القضاء على «داعش».
"