رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

مقالات «السكري» تفضح انزلاق «البنا» بالإخوان نحو «الهَوَى»

الجمعة 27/يوليه/2018 - 08:11 م
المرجع
طه علي أحمد
طباعة
لم يكن الخلاف الذي نشب بين «حسن البنا» مؤسس جماعة الإخوان (1928)، وأحمد السكري الوكيل العام للجماعة 1947، مجرد حادث بين قيادات الصف الأول بالجماعة الأم لكل الحركات الإسلامية المتطرفة في القرن العشرين؛ فقد كان خلافًا كاشفًا للكثير عن المسكوت عنه على مرِّ تاريخ الجماعة. 

وهنا يقف دور الذاكرة التاريخية التي حفظت جوانب هذا الخلاف؛ فقد تصدرت جوانبه الصحف الشهيرة، آنذاك بين مؤيدين لـ«البنا» يكيلون الاتهامات لـ«السكري» من جهة، ومعارضين لسياسات الجماعة تحت قيادة «البنا» يرون أنه انحرف بها عما ظنوا فيها بداية. 

وعلى صفحات جريدتي «الوفد» و«صوت الأمة» المصريتين، نشر «السكري» سلسلة مقالات تحت عنوان: «كيف انزلق الشيخ البنا بدعوة الإخوان؟»، يدافع فيها عن موقفه، متهمًا «البنا» بممارسة الاستبداد في إدارته للجماعة، ما سهل عليه مغازلة عوام المصريين بشعارات دينية في وقت سيطر فيه المستعمر على السياسة المصرية. 

وصل الخلاف بين «البنا» و«السكري» إلى التشكيك في الذمة المالية فيما بينهما، وهو ما دفع «السكري» للردِّ على «البنا» بمقال نشره بجريدة «صوت الأمة»، بتاريخ 24 نوفمبر 1947 قائلًا فيه: «هل من الخير أن يعيش الرجل من الصفقات السياسية، والتضحية بإخوانه في الله وأعوانه بالمجاهدين الأحرار، والاتجار بدعوته في سوق المسومات الحزبية على حساب المبادئ والوطن مقابل متاع لا يبقى ولا يدوم؟! ومع ذلك فقد أراد الله أن يظهر البهتان الساطع على لسان فضيلة المرشد وعلى صفحات جريدته». 

وتأتي خطورة هذا الكلمات، كونها صادرة عن أحد قيادات الصف الأول بالجماعة، بل إنه صديق شخصي للبنا ورفيقه خلال رحلة تأسيس الجماعة، حتى إنه يُلقب بالمؤسس الحقيقي للجماعة، الأمر الذي يُفسر قلق «البنا» تجاه موقف «السكري»، بل إنه سَخَّر كل أدوات الجماعة الإعلامية لمهاجمة «السكري» والتشهير به. 

يُفند «السكري» في مقالاته سياسات «البنا» في إدارة الجماعة، إذا أبقى الأخير على عدد من الشخصيات التي تربطه بهم علاقات شخصية وعائلية وثيقة، على الرغم مما طال هذه الشخصيات من انحرافات عرف بها الجميع مثل عبدالحكيم عابدين، الذي شاعت فضائحه الأخلاقية والإدارية على الملأ، ما استدعى تشكيلًا للتحقيق معه من قبل مكتب الإرشاد العام؛ حيث تشكلت اللجنة، وبالفعل انتهت إلى صحة الاتهامات المنسوبة إليه، بل إنه اعترف بها أمام لجنة تشكلت من كبار قيادات الإخوان في وقتها، مثل صالح عشماوي وحسين عبدالرازق وأمين إسماعيل، ورغم ما انتهت إليه اللجنة من إدانه لــــ«عابدين»، وأوصت به من وجوب فصله فإن «البنا» أبقى عليه؛ حيث تجمع بينهما علاقة نسب، إذ كان عابدين زوج شقيقة البنا. 

ولم يقتصر خلاف «البنا» مع «السكري» على الشؤون الداخلية للجماعة، بل تطرقت المقالات التي كان لها أثر بالغ على شق صفوفها إلى علاقاتها بالقوى السياسية، فدأب البنا على تملق «الوفد» خروجًا عن شق الصف الوطني، إلى الدرجة التي وصفت فيها الجماعة آنذاك بالخضوع التام لأجهزة السلطة الحاكمة، فيقول السكري «على الرغم مما جاء في خطاب البنا بمؤتمر الجماعة المنعقد سنة 1938 بسراي آل لطف الله والذي حدد فيه خصائص جماعته ببعدها عن هيمنة الكبراء». 

ويُشير إلى وعود متتالية قدمها البنا لأعضاء الجماعة بأنه سيخوض بجماعته البحار ويغزو كل عنيد جبار، في حال وصلت الجماعة إلى 300 كتيبة، ويتساءل السكري: هل بر البنا بوعوده ووفى بها؟! خاصة بعد أن وصلت الجماعة إلى ألف كتيبة وليس ثلاثمائة فقط عام 1945؛ حيث انتهت الحرب العالمية الثانية، لكن البنا لم يبدِ أي رغبة في السعي لتحقيق جهوده، فيقول السكري «أصبحت تصرفات البنا خاضعة تمام الخضوع لهم»، أي للسلطة الحاكمة. 

ومع تدهور العلاقة بين «البنا» وعدد من رجاله الذين رافقوه بداية مشواره، طفت على السطح الكثير من المشكلات التي كشفت عن أساليب «البنا» في التعامل مع جماعة الإخوان؛ ليضمن بذلك الولاء الأمر الذي انتهى إلى مخالفة البنا كل الشعارات التي رفعها مغازلة لأنصاره. 

وفي هذا يقول أحمد السكري: «نعم لما نسي الأستاذ البنا وأنصاره ما ذكروا به من مبادئ هذه الدعوة التي تتلخص في العمل على إعادة مجد الإسلام، والتمسك بأهدابه والتحقق بتعاليمه، والحكم بما أنزل في كتابه، وحادوا عن الطريق القويم والصراط المستقيم، انتهى الأمر بالبنا إلى الانزلاق نحو التنعم بالسلطة». 

ويقول «السكري»: «فتحت عليه أبواب كل شيء، فانزلق دنيا الجاه والمنصب والشركات، وغرق فى تيار السياسة والمساومة والصفقات، كما سنوضحه بالأدلة والوثائق والمستندات، حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الصيت الزائل والمجد المزيف، لم يبقَ إلا القذيفة الأخيرة التي يرمي بها الحق من اتبع هواه، وما هي من الظالمين ببعيد». 

أخيرًا، فما جاءت مذكرات أحمد السكري، الذي شغل مكانة الرجل الثاني بجماعة الإخوان إلا واحدة بين عدد من الشهادات التي تؤرخ لعدد من قيادات الجماعة من أمثال صالح العشماوي، رئيس التنظيم السري للجماعة، الذي استقال من الجماعة احتجاجًا على سياسة البنا تجاه العديد من القضايا، لاسيما قضية السكري، وهو ما سنكشف عنه عند قراءة مذكرات أخرى لرجال هذا الجيل من «الإخوان».

الكلمات المفتاحية

"