يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
منى مكرم عبيد
منى مكرم عبيد

ماذا يأتي بعد داعش؟*

السبت 30/نوفمبر/2019 - 04:29 م
طباعة

 ربما تم القضاء على رأس تنظيم داعش، ولكن تظل الفكرة والكيان موجودين بيننا، ولاتزال التحليلات مستمرة بشأن مستقبل التنظيم، رغم قضاء القوات الأمريكية على زعيم التنظيم أبوبكر البغدادى، وهذا ما يعيد للأذهان ما قام به الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما بالقضاء على أسامة بن لادن، ومع ذلك لم يختف تنظيم القاعدة وخطره من العالم.

المتابع لتحليلات الصحف الأمريكية ومراكز التفكير سيجد أن السؤال الذي يشغل البال هو: ماذا بعد تنظيم داعش؟ وهل الإدارة الأمريكية قادرة على اقتلاع مخاطر التنظيم من جذوره، أم أن استهداف رأس التنظيم مجرد خطوة ولاتزال هناك العديد من الخطوات للوقوف على هذا الأمر؟

 

هذه بعض التساؤلات التي دارت في الذهن خلال وجودى في الولايات المتحدة مؤخرًا، والتقاء عدد من الشخصيات السياسية الفاعلة على المستوى الدولى.

 

بالفعل هذا صحيح، ويبدو أننا مع مرحلة بزوغ تنظيم جديد سيعانى منه المجتمع الدولى لسنوات قادمة، فالخبرة العملية تشير إلى أن القضاء على رأس أي تنظيم إرهابى يتم من داخله ليؤسس نواة تنظيم جديد، ويحدث ذلك سواء عبر خيانة للزعيم حبًّا في المكافأة أو رغبة في الزعامة، وتكرر ذلك في حادثتى أسامة بن لادن وأبوبكر البغدادى، ولم تكن مفاجأة في سرعة اختيار زعيم جديد للتنظيم، رغم تأكيد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أنه تم استهداف البغدادى والشخص الثانى بالتنظيم، إلا أنه توالى إعلان الولايات المختلفة البيعة في العراق وتركيا وسيناء وغيرها من المناطق، حتى إن السيدات الموجودات في مخيم الهول شمال سوريا قدمن البيعة للزعيم الجديد أبوإبراهيم الهاشمى القرشى، ما يثير القلق في النفوس.

الغريب في الأمر هو عدم قدرة الدول الأوروبية على مواجهة خطر داعش بشكل جذرىّ، رغم ما تم إنفاقه من مليارات الدولارات للقضاء على الإرهاب، وحتى الآن لم يتم حل أزمة العالقين في مخيم الهول بشمال سوريا، فهناك أرقام مرعبة تأتينا من هذا المخيم، حيث تتواجد 12 ألف امرأة من عوائل عناصر وقادة داعش، الذين فروا من المناطق التي جرت فيها معارك ضد داعش في دير الزور والرقة، وأنه وفقا لتقديرات «يونيسف» هناك 28 ألف طفل من أكثر من 60 دولة عالقون في شمال شرق سوريا، منهم 20 ألف طفل من العراق، معظمهم يقيمون في مخيمات النزوح، إلى جانب 11 ألف مقاتل، منهم 7 آلاف تونسى.

 

هذه الأزمة لم يقدر المجتمع الدولى على حلها حتى الآن، وهى قنبلة موقوتة من الممكن أن تنفجر في وجوهنا جميعًا، وخطرها يزيد على خطر داعش، فالتنظيم الإرهابى بنى امبراطوريته الضخمة من خلال ترويع الآمنين، والاستيلاء على آبار البترول والضرائب في المناطق الخاضعة لسيطرته.. ووفقا لمجلة «فورين بوليسى» كان التنظيم يحصد 800 دولار سنويًّا من الضرائب، أما حالات العنف والقتل البشع التي كان يقوم بها فكانت لخدمة أجندته في الترويع والتعامل مع الإعلام بهذا الشكل العنيف، إلا أن وجود عدد من السيدات والأطفال بهذا الحجم دون القدرة على معرفة مصيرهم فهذا يعنى أن هؤلاء نواة تنظيمات متطرفة ستظهر قريبا.

 

فرنسا وألمانيا تقومان باستعادة بعضهم على استحياء، وحسب كل حالة، وفقًا لمنظور حقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم.. في فرنسا يرفض الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون عودة المقاتلين الفرنسيين إلى بلادهم، بينما يربط القضاء الفرنسى عودتهم بموافقة السلطة السياسية، وهو ما يعنى اشتراط موافقة الرئيس الفرنسى أولًا.. وفى ألمانيا يتم قبول بعض الأحكام المتعلقة بالمقاتلين في العراق ومحاسبة المقاتلين الألمان في مناطق النزاع مثل العراق، وترفض قبول الضغوط الأمريكية لاستعادة المقاتلين الألمان، في حين أعلنت وزارة الداخلية الألمانية أنها تدرس كل حالة على حدة قبل الموافقة أو الرفض على عودتهم.. ومؤخرًا، ظهر حكم قضائى يجبر الحكومة الألمانية على استعادة سيدة وأطفالها من مخيم الهول بسوريا بناء على قضية رفعها زوجها، وخطورة هذا الحكم في إمكانية إقدام عدد من المقاتلين الألمان المتواجدين هناك على استعادة أسرهم وأطفالهم، وهو ما يُعبّر عن وجود عدد من الدواعش على الأراضى الألمانية، وكلها تحديات تكشف عن عمق الأزمة وفشل الدول الأوروبية في المواجهة حتى الآن.

 

لذا فالقضاء على البغدادى خطوة، ولكن الأهم كيف سيتم اقتلاع جذور التطرف لمنع بزوغ تنظيمات إرهابية جديدة؟ وهذا يتطلب وضوحًا أكثر في التعامل، وعدم الارتكان إلى تنافس أمريكى- روسى على مواجهة الإرهاب في مقابل تحقيق مصالح للدول الكبرى في صراع الهيمنة على مناطق النفوذ، فلاشك أن ظهور داعش كان خطوة للهيمنة على آبار النفط في سوريا والعراق، واستفادت دول عديدة من هذا الأمر، والصراع قد ينتقل إلى ليبيا خلال المرحلة المقبلة في إطار الهيمنة على الثروات المعدنية والبترول أيضا، ومن غير المعقول أن تقوم هذه التنظيمات بإيجاد مساحات نفوذ لها دون التنسيق مع الدول الكبرى للتزود بالسلاح مقابل البترول، ومن غير الممكن أن تفشل أجهزة المخابرات الدولية أمام مجموعات تتحرك في مساحات مكشوفة ومعروفة، لذا يظل الهاجس مستمرًا بشأن الخطر القادم.

------------------------------

*نقلًا عن المصري اليوم

"