رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«يوتوبيا الخلافة».. لغة إعلام «داعش» القادمة لضمان البقاء

الأحد 27/مايو/2018 - 05:43 م
المرجع
يارا اليماني
طباعة
نشر معهد راند الأمريكي، التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، تقريرًا مطولًا بعنوان «هزيمة داعش ونوستالجيا رواية الوقائع»، الذي كتبه كلٌّ من هارورو جي إنجرام، الباحث بالمركز الدولي لمكافحة الإرهاب، وكولين بي كلارك، الباحث بمؤسسة راند، التقرير يعد ملخصًا لورقة بحثية جديدة، بعنوان «الحنين ليوتوبيا الخلافة وتطبيق منهج النبوة.. دعاية داعش القادمة»، التي تتناول السياسة الإعلامية القادمة لتنظيم داعش لإعادة بناء نفسه مرة أخرى.

ويرى الباحثان أنه خلال العام الماضي، ومع هزيمة تنظيم داعش، وانحسار رقعة الأراضي التي يسيطر عليها، أعلن المجتمع الدولي هزيمة التنظيم الإرهابي، وانهيار ما يُسمى بدولة الخلافة، ليحتفل بشكل سابق لأوانه بموت التنظيم، دون تشخيص بأن الهزيمة لا تعني موته، وإنما تعني نوبة استسلام؛ ليعيد حساباته وترتيب أوراقه من جديد، خاصة أن الهزيمة أثرت بشكل مدمر على موارده وموظفيه؛ ما يدفعه لإعادة مقاتليه إلى العمليات السياسية العسكرية غير التقليدية.

في الواقع، ووفق ما نشره جويل وينج، الباحث المتخصص في الشأن العراقي، فإن داعش يعيد بالفعل إصلاح نفسه داخليًّا، وحوَّل التنظيم استراتيجيته بعد هزيمته الإقليمية من عمليات الكرِّ والفرِّ المتناثرة، إلى استهداف قوات الحكومة العراقية، بعد إعادة تجميع وتشكيل وحداته؛ ليصبح التنظيم أكثر جرأة. 

ويرجع الباحث هذه المرونة التكتيكية للتنظيم إلى جهاز الدعاية الذي يُشرف عليه، والذي يستمر في نشر الرسائل محليًّا رغم معاناته من «انهيار كامل»، وانخفاض إنتاج إصداراته بشكل عام بنسبة تقترب من 90٪، مقارنة بنظيرتها في صيف 2015، ففي أغسطس عام 2015 أصدر التنظيم 900 محتوى رسمي عبر الإنترنت؛ لتنخفض إلى أقل من 100 بحلول ديسمبر 2017.

ويبدو أن التنظيم وضع في حسبانه مثل هذه الهزائم، وكان على استعداد لفترة طويلة لهذا الاحتمال؛ ما جعله يستثمر موارده على وجه التحديد في تطوير آلته الإعلامية؛ بحيث تكون من القوة أن ترتد وتعود بقوة لترتفع احتمالية ازدهارها مرة أخرى.

هناك قضية ملحة بشكل خاص تواجه المجتمع الدولي، وهي تتعلق بالمواضيع والروايات التي ينوي داعمو داعش أن يناصروها؛ إذ يحول القائمون على العمل الدعائي للتنظيم أخبار الهزائم إلى انتصارات استراتيجية، في الوقت الذي يواصل التنظيم إرساء الأساس لعودته في المستقبل، ولأغراض مماثلة، سيبحث داعش على نحو متزايد عن بثِّ روايات تستعطف المجتمعات ذات الدعم المحتمل، إلى جانب رسائله المحافظة لتعبئة المؤمنين الحقيقيين نحو الجهاد، مستخدمًا قصص التاريخ المثيرة للحنين؛ بهدف رفع الروح المعنوية، وإلهام المؤيدين للاستمرار في وضع الأسس لعودة جديدة.

شحذ ذاكرة مجتمع الخلافة
وتتمثل استراتيجية داعش الإعلامية المقبلة في اتجاهات عدّة، منها شحذ الذاكرة ليوتوبيا مجتمع الخلافة، فإذا كانت سرديات وقائع التاريخ تتسم بإثارة الحنين والهمم -لاسيما إذا كانت تتعلق بانتصارات عهد النبوة- فهذه سيكون لها مفعول السحر في أوقات الانحسار والتراجع؛ لأنه يستخدم الدين حافزًا قويًّا، ويتم عرض انتصارات النبوة التاريخية على أنها موافقة ودعم إلهي للمؤمنين، وهنا يأتي دور الحنين إلى الماضي، الذي يصبح مغريًا لمقاتلي التنظيم لاتباع نفس مسلك المسلمين الأوائل؛ للحصول على الدعم والموافقة الإلهية.

ولكن في البداية علينا أن نعرف مصطلحي «النصر والهزيمة» لدى التنظيم، ووفقًا لتعريف «أبومحمد العدناني» فإن «النصر هو هزيمة الخصم»، وفي إحدى رسائله قال: «هل تعتبرين يا أمريكا أن الهزيمة هي خسارة أرض أو مدينة، فهل سننهزم إذا ما أخذت مننا سرت أو الرقة أو الموصل، لنعود إلى حالتنا الأولية في الصحراء؟!، بالتأكيد لا.. فالهزيمة الحقيقية هي فقدان قوة الإرادة والرغبة في القتال».

ويرى رايان كروكر، أحد السفراء السابقين للولايات المتحدة في العراق، في ورقة بحثية له بعنوان «الحنين ليوتوبيا الخلافة وتطبيق منهج النبوة.. دعاية داعش القادمة»، يرى فيها أن: «الهزيمة لها معنى واحد فقط في أعين داعش، وهو عدم تطبيق منهج النبوة»، ومن ثم من المرجح أن تركز نداءات حنين داعش على موضوعين رئيسيين على وجه الخصوص هما: «الحنين إلى دولة الخلافة، وتطبيق منهج النبوة»، وكلاهما يعدان من الحنين إلى الماضي. 

كانت رسائل داعش تؤطر لدولة الخلافة دائمًا على أنها نتاج تطبيق «منهج النبوة»، مدعيًا أنه يتبع المبادئ الدينية الإسلامية، وترى أن تطبيقها لمنهج النبوة هو الطريق الذي يؤصل للنجاح الجماعي والفردي على حدٍّ سواء، ولهذا فإنه تم تحقيق خلافة الماضي المجيدة بفضل نقاء طرق أسلافنا، ونقاء طريقتنا يضمن الخلافة «النجاح الجماعي» أو الموت في سعيه، الذي يعزز لمبدأ «النجاح الفردي»، ومن المرجح أن يتلاعب التنظيم في كيفية تذكر تاريخ انتصاراته وهزائمه. 

وهذه الأنواع من الرسائل العاطفية توفر وسيلة قوية لجذب الجماهير ذوي الجنسيات المختلفة، إلى جانب المواطنين المحليين، ولكن مثل هذا النوع من الرسائل يمثل تحديًا كبيرًا لدى الغرب؛ إذ تراقب الأجهزة الأمنية في كلٍّ من المملكة المتحدة وفرنسا 35 ألفًا من المتطرفين المشتبه بهم، وهي أرقام مذهلة للغاية، عندما يدرس المرء مقدار الوقت والجهد اللازمين لرصد عدد قليل من المشتبه بهم على مدار الساعة.

الاحتمال الذي يطل في الأفق هو إمكانية استغلال داعش لإرث مقاتليها الأوروبيين الذين قُتلوا في المعارك، لتجنيد الجيل الأصغر من الأطفال، ففي حي سانت دينيس بباريس يوجد دار للأيتام يضم ما يقرب من 50 طفلًا فرنسيًا قتل آباؤهم في العراق وسوريا.

الحنين إلى الماضي
نهاية المطاف، يتم استخدام استراتيجية «الحنين إلى الماضي» أثناء الأوقات الصعبة؛ إذ تبث رسالة التزام بالعودة إلى المجد، مستغلة ما يتعرض له السُّنة من اضطهاد في سوريا والعراق من قبل الحكومات غير السُّنية، لتذكر دعاية داعش بشكل الحياة تحت حكمها السُّنّي، رغم قسوة تطبيقها، وما تتسم به من ابتزاز، وعمليات قتل عقابي، وتعذيب المشتبه بهم من المتعاونين مع الحكومة العراقية.

وتعتمد سهولة استخدام داعش لهذه الاستراتيجية بفاعلية على عوامل عدّة، منها مقدار الوقت الذي يمر، وقدرتها على تحسين الحياة بشكل ملحوظ لمجتمعاتها، وتقديم الدعم المحتمل.

الكلمات المفتاحية

"