رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«تنقية التراث».. صراع فكري بين المتشددين والمجددين

السبت 26/مايو/2018 - 10:21 م
الأزهر الشريف
الأزهر الشريف
تحقيق: عبدالهادي ربيع - حور سامح
طباعة
تعرضت الإنسانية -على مدار تاريخها- إلى مرحلة من مراحل التطوير والتجديد؛ مرحلة تعصف أحيانًا بأفكار الماضي؛ لتدشن أفكارًا جديدة تعتنقها أجيالٌ لاحقة، ما إن تتطور هي الأخرى حتى تثور على ما رآه الأسلاف تجديدًا، هي سُنّة كونية كانت وستبقى وستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


وأخيرًا ظهر هذا الصدام الأزلي على سطح الحياة الفكرية والثقافية في مصر، بدا الصراع في بدايته ككرة من اللهب تزداد حجمًا وجدلًا بتدحرجها على أرضية صلبة من الماضي، وارتطامها بنيران الحاضر من حيث الأسئلة والتشكيك والمناداة بضرورة تنقيح أفكارها، وما بين مقولتي «ما لا يُدرك كله يُترك كله» و«ما لا يُدرك كله لا يُترك كله» اشتعل الصراع، فاستفحلت المشكلة، وتم نشر التراث العربي بتحقيقات علمية ضعيفة، وأخطاء منهجية فادحة لم تخلُ من التعليقات الساذجة التي لا ترتقي لمستوى الأبحاث العلمية وتنقيح التراث. 

ولمعرفة فداحة ما وقع فيه بعض المحققين تجب معرفة معنى «تحقيق التراث»، فالتحقيق -حسب المنهج العلمي- هو إخراج نص قديم وتقديمه إلى القارئ المعاصر كما أراد مؤلفه، وذلك عن طريق جمع النسخ المختلفة لمخطوطات الكتاب، ومقابلتها بعضها البعض، والتعليق على ما فيها من مادة علمية، وتعريف ما فيها من أعلام وأماكن، وشرح ما يصعب من مصطلحات، والتعرف على مصادرها ومقارنتها بمصادر موازية، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية الواردة فيها، وفهرستها فهرسة علمية شاملة تُساعد في معرفة محتويات الكتاب، مع التقديم له بمقدمة علمية تُشير إلى أهمية الكتاب وموضوعه، وترجمة وافية لمؤلفه، وأخيرًا شرح المنهج المُتبع في تحقيق الكتاب.

وبمقارنة بسيطة بما تم طرحه أخيرًا من كتب تحقيق التراث نكتشف ببساطة بُعدها عن المنهج العلمي تمامًا؛ ما أتى بنتائج عكسية أهدرت جهود المؤلفين الأصليين، وأضاعت وقت مَنْ عمل على تحقيق تراثهم، وعلى جانب آخر يدافع كثير من المحققين عن رؤيتهم، موضحين أهدافهم في محاصرة التطرف وحماية العقول من الأفكار العدائية المدمرة التي تضمها كتب التراث، ومعربين عن رغبتهم الأكيدة في تجديد الخطاب الديني، حتى لو أخطؤوا وانتهجوا مناهج غير علمية في تحقيق هذا الهدف. 


عبدالله الناصر حلمي
عبدالله الناصر حلمي
كارثة علمية ودينية

تلك الإشكالية أثارها الأمين العام لاتحاد الطرق الصوفية عبدالله الناصر حلمي، واصفًا هذه التحقيقات بالكارثة العلمية الكبيرة؛ حيث أدلى «حلمي» بتصريح خاص لـ«المرجع»، قال فيه: إن «تحقيقات الكتب التراثية على يد شيوخ معاصرين تُمثل كارثةً علميةً ودينيةً كبرى، وفي أحيان كثيرة يُنَصِّبُ المحقق نفسه إمامًا على مؤلف الكتاب الأصلي».

ويُشير «حلمي» إلى أن معظم محققي الكتب يشوهون فكر المؤلف بتعليقاتهم وتفسيراتهم، التي غالبًا ما تتضاد مع المتن الأصلي للكتاب، كما تابع حلمي متهمًا تحقيقات الكتب التراثية بإفساد التدين من خلال تعتيم المشهد الديني عند الشباب بالتجرؤ ومساواة مدعي العلم بكبار العلماء، أمثال ابن عربي، والإمام الغزالي، وجلال الدين الرومي، الذين لو كانوا أحياء في عصرنا هذا لحصلوا على أعلى الدرجات العلمية والدكتوراه الفخرية.

فعلى المحققين أن يُعيدوا نسخ الكتب التراثية بصيغتها الأصلية بمميزاتها وعيوبها، دون زيادة أو نقصان، وإذا أراد الكاتب إبراز رأيه الشخصي فعليه أن ينشر كتابًا خاصًّا باسمه، ويُسميه «تعليقًا على كتاب كذا»، مؤكدًا أن تحقيقات الكتاب في الوقت الحالي تفرض نوعًا من الوصاية على القارئ، من خلال خلط معلومات الكتاب الأصلي برأي المحقق وتعليقه.

واتهم «حلمي» بعض المحققين في هذه الفترة بالانتماء إلى الفكر الوهابي، مضيفًا أن العلماء الأَجِلَّاء الذين يحملون الفكر الوسطي السمح بما يتمتعون به من زهد في الحياة قد يعجزون عن تكاليف طباعة الكتب، ومن ثم تلجأ دور النشر إلى دعم من يملك رسوم النشر، لا مَنْ يحمل العلم السليم، خاصةً أن الكتب ذات الجودة العالية، التي عليها بطبيعة الحال الإقبال الأكبر الغالية التكاليف. 

ويُوضح الأمين العام لاتحاد الطرق الصوفية، أن المؤسسات الرقابية أصبحت تُمثل ردعًا لكثير من الكُتَّاب، حتى الذين يحملون الفكر الوسطي؛ لأن الكاتب لا يضمن أن ترد ذلة في الكتاب ويقع تحت طائلة القانون، أو أن تحدث أزمة معه بسبب ذلة والشعب العربي المسلم لا يرحم.


الدكتور عادل نعمان
الدكتور عادل نعمان
تنقيح التراث ضرورة عصرية

على جانب آخر وفي سياق متصل، يرى الدكتور عادل نعمان، أحد الكُتَّاب والباحثين في التراث الإسلامي، أن الدور العلمي الذي يقوم به المحققون لا يمكن إغفاله في نقد التراث العلمي الضخم للبحث عن الحقيقة، خاصة أن التراث مليء بالعديد من الحوادث الدخيلة والقيم الأخلاقية غير المدروسة. 

ويُشير نعمان إلى أن الحملات التي تدعو إلى منع البحث، أو تنقيح التراث، تؤكد أن لدى هؤلاء ما يخفونه، إضافة إلى أن هذه الفكرة تتعارض مع البحث العلمي الذي وصلنا إلى ذروته في العصر الحديث.

ويرد «نعمان» على اتهام تحقيق التراث بتشويه الدين، قائلًا: «الشباب لا ينتظر نقاد التراث لتشويه الدين، فقد قامت الجماعات الإرهابية والمتطرفة بهذا الدور». 

ويؤكد أن الأديان ذاتها أصبحت محل اختبار، ولابد من تنقيح التراث وإبعاد الفلكلور والقيم الأخلاقية عن الدين؛ حتى نحمي الشباب من التطرف والتعصب، ونصل إلى الحقيقة التي هي جوهر الإنسان.

ويُشير «نعمان» إلى دور تحقيقات الكتب التراثية في الإجابة عن تساؤلات الشباب، مختتمًا حديثه بأن تنقيح التراث من شأنه مواجهة الجماعات المتطرفة، التي تنتقي من التراث ما يُناسبها من نصوص وأحكام، خاصةً تلك الكتابات المليئة بالوقائع الدموية، التي لا تنتمي إلى الإنسانية ولا الدين. 


«تنقية التراث»..
الأزهر وتجديد الخطاب الديني

من جانبه؛ يرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي، سامح عيد، أن غالبية العلماء ذوي المرجعية الأزهرية أو الصوفية يخشون من إعادة النظر إلى التراث وتحقيقه أو التعليق عليه، مؤكدًا أن المرويات التراثية التي تؤخذ على علاتها هي البضاعة الرئيسية التي يقتاتون منها؛ ولذلك لا يقبلون بالتجرؤ عليها، أو التشكيك فيها.

كما أوضح «عيد» أن غالبيتهم يعتبرون التراث من المُسلَّمات التي يحرم الاقتراب منها؛ استسهالًا منهم، بدلًا من البحث عن الروايات الصحيحة التي يستخدمونها في الوعظ الديني، كما تساءل عيد ماذا سيتبقى لهؤلاء في حالة التشكيك العلمي في صحة تلك المرويات ويقينية نسبتها للمصادر الأولى، رغم علمهم اليقيني باستحالة ثبوتها من خلال علوم الحديث كالجرح والتعديل؟ 

ويشير إلى أنه من الصعب الجزم بتأثير صريح لهذه التحقيقات التراثية على الشباب، ولكن المؤشرات تؤكد أن هذا التأثير في حالة حدوثه سيكون مزدوجًا، فالبعض ستزول شكوكه حول بعض المرويات الدينية التي لم يتقبلها عقله من قبل، وأكد محقق الكتاب عدم صحتها، إضافةً إلى أن كثيرين آخرين ستتعمق شكوكهم، وربما يتجهون نحو الإلحاد؛ نظرًا للكميات الكبيرة من المرويات غير المقبولة متنًا وسندًا في الكتب التراثية.

ويشدد على الأهمية الحتمية لمراجعة التراث وتحقيقه، باعتباره الدواء المر الذي يجب أن نتجرعه، واعتبر عدم تناوله «انتحارًا دينيًّا»، خاصةً مع انتشار الأفكار التكفيرية التي ستقوم بهذا الدور، إن لم نقم به نحن، مناشدًا العلماء باتخاذ موقف إيجابي من عمليات المراجعات الفكرية للكتب والتعليق عليها، وعدم الوصول بالكتب التراثية إلى حد التقديس؛ لكي لا تفتح الباب للجماعات التكفيرية بتقديس كتاباتها.

الكلمات المفتاحية

"