يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تهديدات مستمرة... قراءة في ملف الصراع السعودي الإيراني

الجمعة 08/نوفمبر/2019 - 01:05 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

تمتد جذور الصراع السعودي الإيراني في الشرق الأوسط إلي الثورة الإيرانية في عام 1979 و الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)؛ لاسيما منذ اتباع طهران لمبدأ تصدير الثورة خصوصًا في دول جوارها ومهاجمة ممالك دول الخليج. كما تعد علاقة المملكة العربية السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية إحدى نقاط الخلاف مع إيران؛ حيث تعتبر طهران واشنطن بمثابة عدوها الأول، على خلفية علاقات الصراع فيما بينهما المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.  


تهديدات مستمرة...

موجات جديدة

وفي هذا السياق، بدأت موجات جديدة من الصراع بين طهران و الرياض بعد ضرب جماعة الحوثي اليمنية منشأتي نفط شركة أرامكو التابعة للمملكة العربية السعودية مما تسبب في نقص نصف انتاج الشركة و ارتفاع اسعار النفط في السوق العالمي، و اتهام طهران بالضلوع في هذا الحادث. في حين ذهبت طهران للتنديد بهذه الاتهامات و محاولة استمالة المجتمع الدولي إلي جانبها، الأمر الذي اتضح في تصريحات بعض المسؤولين الايرانيين خلال الجلسة  74 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. وتستمر حدة التنافس فيما بينهما إلي أن وصل الأمر لتهديد خامنئي بضرب أرامكو مرة أخري إذا اضطرت طهران لذلك، الأمر الذي ردت الرياض بفرض عقوبات على كيانات تابعة للحرس الثوري الإيرانى.

تهديدات مستمرة...

الصراع السعودي الإيراني

لطالما تصرفت المملكة العربية السعودية و إيران على أنهما خصمين رئيسيين في المنطقة و سيما في الخليج العربي، وتغذى المنافسة بين الدولتين اختلافات إيديولوجية وجيوسياسية كبيرة، التي يمكن أن تصبح أكثر ظهوراً في أوقات الاضطرابات الإقليمية؛ ففي الوقت الذي تتعاون فيه المملكة العربية السعودية مع باقي ممالك دول الخليج من أجل الحفاظ على الوضع الراهن و الاستقرار في هذه المنطقة، تعمل فيه طهران على التعامل مع هذه الدول من حيث مبدأ تصدير الثورة و رفض فكرة وجود نظام المملكة من الأساس، الأمر الذي ترفضه هذه الدول و سيما المملكة العربية السعودية.

ومن ناحية أخري، لطالما كان الاختلاف المذهبي  ما بين السني و الشيعي و كون إيران دولة غير عربية من أبرز العوامل التي حكمت علاقة التنافس بين طهران و الدول العربية و سيما المملكة العربية السعودية بصفتها حامل راية المذهب السنى في المنطقة و المدافع عنه. لذا، دائماً ما تعارض الرياض التمكين الشيعي في المنطقة و المخططات الإيرانية الرامية إلي انتشار و تمكين الشيعة على الجانب السياسي و الاقتصادي في غالبية العواصم العربية، الأمر الذي يؤرق المملكة العربية السعودية و يؤزم العلاقات مع إيران. كما تعتبر طهران نفسها بمثابة المدافع الأول عن الشيعة في المنطقة، ومن ثم القائد الملهم للعالم الإسلامي(1).   

تهديدات مستمرة...

دوافع التصعيد

كان هجوم جماعة الحوثي على منشأتا نفط تابعة لشركة أرامكو السعودية في سبتمبر لعام 2019 من أبرز الأحداث التي أدت إلي حالة كبيرة من التصعيد المتبادل بين إيران و المملكة العربية السعودية: الأمر الذي اتضح في التصريحات المتراشقة بين الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف من ناحية و ولي العهد السعودي محمد بن سلمان و وزير الدولة للشئون الخارجية عادل الجبير علي هامش اجتماعات الجلسة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة(2).

واتهمت المملكة العربية السعودية طهران بالضلوع في هذا الحادث على خلفية تصفية حساباتها مع السعودية فيما يتعلق بالملف اليمني و الإضرار بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة عن طريق تعطيل مصالحها المرتبطة بالنفط في الشرق الأوسط، بسبب التصعيد المتبادل بين واشنطن و طهران المتعلق بقضية البرنامج النووي الإيراني و الخروج الأمريكي منه. ويشير بعض المحللين، إلي أن إيران من خلال هذا الحادث تضيف ورقة جديدة لمناوراتها؛ لطالما تروج طهران إلي قدرتها على تحمل العقوبات و استثمار الضغوط الناتجة عنها من خلال الاعتماد على النفس فيما يتعلق بتطوير بعض الصناعات الحديثة و سيما في المجال الدفاعي و العسكري، ولكن هذه القدرة لها حدود، تمثلت في الهجوم المستمر من قبل إيران على الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

ومن المتوقع أن لا تستمر حالة اللا سلم و اللا حرب كثيراً في منطقة الشرق الأوسط و لن تسمح طهران لنفسها كثيراً بالبقاء تحت وطأة العقوبات الأمريكية، لذا، فإن أعمالها العدائية هذه ستستمر على المدى الطويل إلي ان يتم حل القضية النووية و الفصل في الملفات الأخرى الشائكة مثل الملف اليمنى و النفوذ الإيرانى و المزعزع للاستقرار  في المنطقة(3).

تهديدات مستمرة...

ملفات شائكة 

هناك عدد من الملفات الشائكة التي تحكم علاقة التصعيد المتبادل بين المملكة العربية السعودية و إيران و التي يتصدرها القضية اليمنية و الصراعات القائمة بين تحالف دعم الشرعية المكون من قوات الرياض التي تدعم الحكومة الشرعية و أبو ظبي التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي في مواجهة جماعة الحوثي المدعومة من إيران. كما تعارض المملكة العربية السعودية فكرة أن يكون لإيران برنامج نووي من الأساس على خلفية سعيها لأن تكون القوة الإقليمية الأولى في المنطقة، ويعد التقارب الأمريكي الإيراني من أبرز الملفات الخالقة لعلاقة التوتر بين طهران و الرياض، وسنعرض ذلك تفصيلاً فيما يلي:-

1-   الملف اليمني

شهدت التوجهات الإيرانية في الألفية الثالثة من القرن الواحد والعشرين تحركات واسعة النطاق في دوائر خارجية مختلفة؛ ففي إطار رغبة طهران في تعزيز دورها الإقليمي ارتبطت تحركاتها بتدخلات مباشرة في دول المنطقة ومن ضمنها اليمن، حيث ترتبط السياسة الخارجية لطهران بأهداف أساسية ثابتة بعيدة المدى، وأخري مرحلية مرتبطة بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية؛ ومن ضمن الأهداف الأساسية فرض الهيمنة الإيرانية على المنطقة العربية وخصوصاً اليمن.

بدأت طهران بعد أحداث ما يسمى الربيع العربي لعام 2011 في التقرب لجماعة الحوثي اليمنية على خلفية المذهب الشيعي المشترك فيما بينهما، وتمثلت أبرز صور هذا الدعم في الجانب الاقتصادي، العسكرى، الاستشارات و التدريب العسكري الذي طالما قدمه الحرس الثوري الإيراني لهذه الجماعة. وعليه، بدأت طهران فيما بعد لاستغلالها بالشكل الأمثل الذي يحقق مصالحها في المنطقة، الأمر الذي تمثل في ضرب جماعة الحوثي لمنشأت ارامكو السعودية في سبتمبر 2019(4).  

2-   البرنامج النووي الإيراني

يعد البرنامج النووي الإيراني من أبرز القضايا التي تعارضها المملكة العربية السعودية، على خلفية تمكينه لطهران من دخول النادي النووي، و بالتالي تصاعد النفوذ الإيراني أكثر في المنطقة، الأمر الذي يمكنها من أن تصبح القوة الإقليمية الأولى دون منافسة. نتيجة لذلك، باتت الرياض تسعي هي الأخري بدورها لتبي برنامج نووي سلمي، أكدت أنه بعيد تماماً عن الاستغلال العسكري؛ الأمر الذي اتضح في تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بأن بلاده ستطور قنبلة نووية إذا أقدمت إيران على تلك الخطوة، بما يفتح المجال للنقاش حول إمكانية حدوث تغيير في خطط السعودية مستقبلاً، حتى تتحوّل إلى قوة نووية، في سياق صراعها الواضح مع إيران بالمنطقة(5).

وضعت الرياض ضمن رؤية 2030 إنشاء مشروع وطني للطاقة الذرية، كانت من أهدافه إدخال المملكة العربية السعودية إلى المجال النووي السلمي في حدود الاتفاقيات الدولية؛ وقررت أن يتكون المشروع من عدة مفاعلات نووية كبيرة ذات قدرة كهربائية تقدر ما بين 1200 و1600 ميغاوات لكل واحد، فضلاً عن بناء مفاعلات ذرية صغيرة مدمجة. و أشارت عدة تقارير إعلامية إلى أن المملكة تخطّط على مدى الـ 20 إلى 25 سنة القادمة إلى بناء 16 مفاعلاً للطاقة النووية، خاصةً بعد تفاوض السعودية مع عشر دول لأجل الاستثمار في مجال الطاقة النووية، منها الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا وكوريا الجنوبية(6).

3-   التقارب الأمريكي السعودي

تعد فكرة التقارب الوثيق و التحالف بين المملكة العربية السعودية و الولايات المتحدة الأمريكية من أبرز الملفات الشائكة في العلاقات بين طهران و الرياض، على خلفية منع الوجود الأمريكي في المنطقة لطهران من أن تصبح القوى الاقليمية و محاولاتها المستمرة لفرض توازنات وترتيبات بعينها في المنطقة تمنع طهران من الاستفراد بالسيطرة، من خلال ميليشياتها المنتشرة في الكثير من العواصم العربية.

ولطالما انتقدت طهران التوافق السعودي الإيراني من خلال التعويل على اعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة الأمريكية في توفير الأمن و مساعدتهم على تحقيق التوازن فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران. لذا، تعد العلاقات الأمريكية السعودية بمثابة عصة كبيرة في حلق طهران تكبح جماحها من زيادة نفوذها في المنطقة؛ الأمر الذي اتضح في تصريحات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف أبان حادثة الهجوم على أرامكو و التصعيد السعودي الذى واجهته طهران على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي(7).

الهوامش:

1-      Diansaei Behzad, Iran and Saudi Arabia in the Middle East: Leadership and Sectarianism (2011—2017), Vestnik Rudn, International Relations, Vol. 18 No 2018, pp124—134.

2-      بعد هجمات أرامكو.. منعطف جديد في سياسة السعودية تجاه إيران؟ 2/10/2019، وكالة الأنباء الألمانية(دويتشة فله)، متاح على الرابط التاليhttps://www.dw.com/ar/.

3-      إيران ترفض الاتهامات الأمريكية لها بالوقوف وراء الهجوم على منشأتي أرامكو في السعودية، 15/9/2019، فرانس 24، متاح على الرابط التاليhttps://www.france24.com/ar/20190915.

4-      جهاد عبد الرحمن أحمد، العلاقات اليمنية-الإيرانية وأثرها في أمن الخليج العربي(1)، 7/2/2014، مركز مستقبل الشرق للدراسات و البحوث، متاح على الرابط التالي https://www.falsharq.com/.

5-      تهديد بـ"النووي".. صراع السعودية وإيران يهدّد بتفجير الشرق الأوسط، 20/3/2018، وكالة الأنباء الألمانية(دويتشه فله)، متاح على الرابط التاليhttps://www.dw.com/ar/.

6-      السعودية تهدد بتطوير سلاح نووي في حال سعت إيران لذلك، 9/5/2018، فرانس 24، متاح على الرابط التاليhttps://www.france24.com/ar/20180509.

7-      صراع السعودية وإيران: من هم الأعداء والحلفاء؟، BBC عربي news، 12/11/2017، متاح على الرابط التاليhttps://www.bbc.com/arabic/middleeast-41959564.

الكلمات المفتاحية

"