يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
مصطفى حمزة
مصطفى حمزة

الإرهاب الأمريكي في الشرق الأوسط*

الخميس 07/نوفمبر/2019 - 09:34 م
طباعة

لا يقتصر الإرهاب على تلك العمليات الإرهابية التي تمارسها التنظيمات المختلفة كداعش والقاعدة والإخوان وغيرهم، وإنما يعد هذا شكلًا من أشكال الإرهاب التي تُصنف وفق الجهة التي تمارسه، ولكن هناك أشكال أخرى مثل إرهاب الدولة الذي تمارسه دولة أو مجموعة دول ضد غيرها من الدول سواء بشكل عسكري مباشر، أو غير مباشر عن طريق تنظيمات إرهابية تنفذ العمليات بالوكالة عن الدولة الممولة.


وإذا كان الإرهاب في أبسط تعريفاته هو استخدام القوة أو التهديد باستخدامها من قبل جماعة أو منظمة أو دولة لتحقيق هدف أو أهداف سياسية، فإن ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ما هو إلا شكل من أشكال الإرهاب تمارسه تحت ذريعة مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي تصفه الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالمشروع الاستراتيجي -أي أنه مشروع طويل المدى- تستخدم لتحقيقه تكتيكات مرحلية مختلفة.


رسمت أمريكا خطتها الخارجية في التعامل مع التنظيمات الإرهابية وفق سياسة الاحتواء وليس المواجهة، وتَمَثَلَ هذا الاحتواء في أشكال عديدة من بينها الدعم المالي والتسليح وتدريب العناصر على استخدام التكنولوجيا، في مقابل أن تنفذ هذه التنظيمات عملياتها في منطقة الشرق الأوسط بالشكل الذي يحقق الخطة الأمريكية، ولا تنقل مسرح عملياتها إلى أي من الولايات المتحدة.


إن أكبر ما يقلق الدولة الأمريكية هو أن ينتقل الإرهاب الذي تدعمه للداخل الأمريكي، فيتحول لمعول هدم وتهديد لاستقرارها، بدلًا من كونه مصدر هدم وتهديد للدول الشرق أوسطية، ولذلك سعت لنشر ثقافة محاربة العدو القريب بدلًا من العدو البعيد، ورسختها في أذهان العناصر الإرهابية داخل السجون الأمريكية في العراق، مثل سجن أبو غريب وسجن بوكا الذي تخرج منه زعيم تنظيم «داعش» السابق أبو بكر البغدادي.


وتتلخص ثقافة العدو القريب على إقناع العناصر الإرهابية داخل السجون بأولوية قتال الحكام العرب الذين يحكمون منطقة الشرق الأوسط، باعتبارهم وكلاء أمريكا في المنطقة، وأنه بسقوطهم وسقوط أنظمتهم ستسقط أمريكا دون الدخول معها في معارك عسكرية، ولكي يمنحوا هذه النظرة العدائية شيئًا من الشرعية التي ربما تحرك هذه العناصر عقائديًا، أشاعوا أن العدو القريب «مرتد» عن الإسلام لتعاونه مع أمريكا، وبالتالي هو أحق بالقتال من العدو البعيد المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب باعتبارهم «كفار أصليين» وأن المرتد أولى بالقتال من الكافر الأصلى، وفق الاعتقادات التي ترسخت في أذهان الإرهابيين خلال السنوات الماضية.


وكانت نتائج هذه العقيدة التي نشرتها أمريكا داخل سجونها ودعمتها بنصوص تراثية لفتاوى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم –بعد نزعها عن سياقها التاريخي- أن قتل «داعش» ولا يزال الكثير والكثير من الأبرياء من أهل الإسلام في كل من العراق وسوريا وليبيا وغيرهم، في الوقت الذي غض الطرف فيه عن الكيان الصهيوني المحتل لأرض الإسلام، لأن الصهاينة في عقيدة «داعش» عدو بعيد لا يستحق أولوية المواجهة.


لا يقل إرهاب الولايات المتحدة في منطقتنا عن إرهاب التنظيمات المتطرفة التي تتحالف معها وتمدها بالإمدادات المختلفة لتضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فهي من ناحية تحقق أهداف اقتصادية تتعلق بتجارة السلاح الذي تبيعه للتنظيمات الإرهابية مثلما تبيعه للدول التي تحارب تلك التنظيمات، ومن ناحية أخرى تحقق مآرب خاصة بالحرب الصليبية التي أعلنها بوش الابن في إطار نظرية صراع الحضارات لاسيما الحضارة الإسلامية.


تعمدت أمريكا عدم وضع مصطلح واضح ومحدد للإرهاب بل وتتهرب من ذلك؛ حتى تختلط الأوراق ولا يتم التفريق بين الإرهاب وحق الدفاع المشروع عن النفس وحق تقرير المصير، وهو ما يفسر تأييدها للإرهاب الصهيوني، ووصفها لحركات التحرير الفلسطينية المختلفة بالإرهاب.

----------------------------

*نقلًا عن الأهرام المسائي

"