يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

إخواني يعترف: الجماعة تعتنق أفكارًا لا تستقيم مع الواقع.. وانتحار الشباب في تركيا يعكس التربية الهشة

السبت 09/نوفمبر/2019 - 06:25 م
أعضاء الإخوان بالسجون
أعضاء الإخوان بالسجون
دعاء إمام
طباعة

مبادرة شباب الإخوان الأخيرة كانت «مساومة»

شيوخ الأزهر يحاورون الإخوان في السجون لتفكيك أفكارهم

القيادات الحالية للتنظيمات لم تبادر بعمل أي مراجعة حقيقية

«الإخوان» كيان يعتنق أفكارًا بالية لا تستقيم مع الواقع

انتحار 3 شباب إخوانيين  في تركيا يعكس التربية الدينية الهشة واليأس 


منذ سنوات، برزت مبادرات ذاتية لمجموعات من شباب جماعة الإخوان في السجون، الذين عملوا على تنظيم ورش نقد ذاتي تمثل أشخاصهم، ولا تمثل الهيكل التنظيمي للجماعة؛ أرادوا بها مراجعة أفكارهم وتوثيق تجربتهم بداية من الانتماء للإخوان حتى خروجهم منها.

 

من محبسه بسجن الفيوم العمومي، حاور «المرجع» حمزة محسن، المولود عام 1990، في بني سويف بصعيد مصر، وتم ترحيله إلى السجن نهاية 2013، على خلفية انضمامه لجماعة الإخوان، وهو الآن يدون تجربته مع الجماعة في شكل مراجعات فكرية.


هل شاركت أنت وزملاؤك، في مبادرة شباب الإخوان في السجون، بشأن التخلي عن العمل في السياسة ومراجعة أفكارهم مقابل الإفراج عنهم؟

 

تجربتنا في المراجعة، مختلفة عن تلك المبادرات بشكل جذري؛ فنحن قمنا بالمراجعة بدافع ذاتي محض، حينما كثرت الأسئلة المثارة، ولم تقنعنا أجوبة التنظيم الرسمية الساذجة، فقررنا البحث عن الأجوبة بأنفسنا، واستمر الأمر شهورًا طويلة، قرأنا فيها عشرات الكتب وعقدنا عشرات الساعات النقاشية، ولم نعلن عن مراجعاتنا في  يوليو 2017 إلا بعد أن اختمرت الأفكار تمامًا، وترسخت القناعة بها للغاية.

 

وبالتالي، فإننا لم نقم بالمراجعة تحت ضغط السجن أو طمعًا في الخروج منه، والدليل على ذلك أننا لا نتحدث مطلقًا عن الإفراج عنا؛ فهى خطوة ثانوية للغاية، ويجب أن تسبقها عشرات الخطوات التأسيسية، وهي الخطوات التي تهتم ببحث جذور الصراع السياسي القائم، وتفنِّد أسبابه العميقة، وهى الخطوات التي تُعلي دائمًا من المصلحة العامة للوطن ولا تنكفئ على مصالح فردية ضيقة.

 

إننا كمجموعة مراجعات فكرية، نملك القدرة على تفكيك أفكار التنظيمات الإسلامية، ومواجهة الأفكار الثورية بما يسهم في استقرار الوطن وتنميته.


أما بالنسبة لأصحاب المبادرة، فإنني أثمنها من زاوية واحدة فقط، وهى جرأة الطرح ومحاولة الإمساك بزمام المبادأة، وعدم الالتفاف إلى دعاوى التخوين والتشويه، أما بالنسبة إلى بنودها، فلا ينبغي أبدًا أن يكون الأمر في صورة مساومة.

 

ما جدوى تلك المبادرات من وجهة نظرك؟

إنها جيدة ومؤثرة؛ فهى تحريك للماء الراكد بفعل خيارات التنظيم الحمقاء، وهي مهمة لصناع القرار داخل أروقة الدولة؛ لأنها تحمل مؤشرات ودلالات جديدة من حيث التغير الكمي والكيفي والتطور النوعي لأفكار السجناء ومواقفهم السياسية.


يتحدث البعض عن ضرورة عقد لقاءات بين المنتمين للجماعة في السجون وشيوخ الأزهر.. كيف ترى نتيجة ذلك؟

في تصوري، الأزهر هو عمود الخيمة ورأس الحربة في مواجهة الفكر المتطرف، ولقاءات الشيوخ مع السجناء بالطبع سيكون لها مردودٌ إيجابيٌ كبيرٌ، إذا تمت بشكل ممنهج ومدروس، وإذا كانت الدروس الأزهرية تصيب كبد الأفكار التنظيمية بشكل موضوعي عميق.

 

بالمناسبة، لقاءات شيوخ الأزهر موجودة بالفعل داخل السجون؛ لكنها تتم بشكل غير دوري وروتيني للغاية؛ لكن تغيير أفكار المنتمين للتنظيمات مسألة صعبة؛ لكنها ليست مستحيلة، فقط،  إذا تم تدبيب رأس السهم نحو الهدف؛ فيصيبه في مقتل.

حمزة محسن
حمزة محسن

هل يمكن أن تدعم الدولة المراجعات داخل السجون كما حدث في حقبة التسعينيات؟

المعطيات التاريخية للمراجعات التي قامت بها قيادات جماعات العنف في نهايات التسعينيات وما بعدها، وهى المراجعات التي هندسها ودعهما بقوة اللواء أحمد رأفت، تختلف بشكل كبير عن معطيات اليوم.

ضمن مشاريع الكتابة المؤجلة بالنسبة لي -إلى أن تتاح المصادر الكافية- دراسة بعنوان: «ردَّة الإسلاميين: الجماعات الإسلامية بمصر نموذجًا»، وهى دراسة في الأسباب الموضوعية لنكوص عدد من قيادات وأفراد الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد عن مراجعات التسعينيات، بعد عزل «محمد مرسي» عام 2013م.

وأتناول فيها الدوافع والأسباب، بدءًا من الأخلاقية والتآمرية، مرورًا بالأسباب الاجتماعية والاقتصادية، ثم التطلعات السياسية وصولًا إلى الأسباب الفكرية؛ حيث اتسمت المراجعات حينها -كما يبدو من إنتاجها الفكري- بالسطحية والهشاشة؛ فلم تصل إلى الأرض العميقة للسؤال، ولم تسائل التراث بشكل جاد، ولم تصنع منطلقات فكرية تأسيسية ترسخ أقدام القائمين بالمراجعة وتمنع ارتدادهم عنها، بدلًا من المراجعات البراجماتية تحت ضغوط الواقع أو العجز عن تحقيق الأهداف.

 

وفي الدراسة، نبحث نسبة المرتدين من إجمالي المراجعين، ثم نتساءل: هل تتحمل الأجهزة الأمنية والأزهر ودوائر الحكم السياسي حينها جزءًا من المسؤولية عن هذه الردَّة؟

 

إن هذا النوع من الدراسات، التي أتمنى أن يقوم بها أحد الباحثين في حركات الإسلام السياسي، إذا لم أتمكن أنا من القيام بها، يضع بين يدي صناع القرار السياسي تقييمًا موضوعيًّا لتجربة مراجعات التسعينيات حتى لا تتكرر أخطاؤها، ولا نكون قد فتحنا بأيدينا أبوابًا خلفية لعودة التنظيمات إلى المجتمع مجددًا.

 

أعتقد أن الدولة لن تقبل حاليًا بهذا النموذج لثلاثة أسباب، الأول: القيادات الحالية للتنظيمات لم تبادر بعمل أي مراجعة حقيقية جادة، الثاني: نكوص وتراجع أعداد من القيادات والأفراد الذين قاموا بالمراجعة سلفًا ومعاودة صراعهم مع الدولة بعد تأييدهم الإخوان، الثالث: الدولة لا تود أن تبدو في مظهر ضعيف إذا تبنَّت المراجعة ودعمتها.

 

ما مستقبل مراجعاتكم؟ وهل هناك أي إشارات لقرب خروجكم من السجن؟

 ننوي المساهمة بقوة في تطهير العقل المسلم من أدران الجمود والتطرف، ونستهدف في سبيل تحقيق ذلك ثلاثة أمور، أولها المساهمة في تفتيت التنظيمات من خلال تفكيك أفكارها ومواجهتها، والمشاركة في تجديد الفكر الإسلامي، من خلال نشر الأبحاث التجديدية وتسليط الضوء على أعمال المجددين، كما أن لكل منا بصمته التجديدية الخاصة في أبحاث ذات علاقة بالتراث والمنطقة العميقة؛ لأسباب التردي الحضاري للمسلمين.

 

والمساهمة في تعظيم التيار الوطني، الذي يلفظ التنظيمات الإسلامية بشكل نهائي ويتفهم جيدًا أفكارها القاتلة، وهو التيار الذي ينهج النهج الإصلاحي ويلفظ الأفكار الثورية الهدامة بشكل واضح وصريح، ويدعم الدولة دائمًا في معارك الوجود التي تتعرض لها.

 

أما بالنسبة للخروج من السجن فهي مسألة، شديدة الثانوية، ويمكننا استبدالها بالسؤال: هل نحن، كدولة ومجتمع، جادُّون في مواجهة الإرهاب والتطرف.

 

إنني أتذكر تصريحًا لمستشار الرئيس للشؤون الدينية الدكتور أسامة الأزهري قال فيه ما معناه: «الدولة تحارب الإرهابيين والمتطرفين، لكنها لم تحارب الإرهاب والتطرف ذاته بعد».

 

هل يمكن صياغة مبادرة متزنة تقبلها الدولة؟ وما بنودها؟

 علينا أن نتفق على أن الدولة تواجه ثالوث الإرهاب والإهمال والفساد بمعدلات جيدة ومتصاعدة، وكلها مؤشرات إلى أننا أصبحنا في دولة قوية مستقرة، لديها قيادة سياسية واعية وخطة تنمية طموحة، هذا بالنسبة للدولة، وهى الطرف الأصيل في المعادلة.

 

أما الأطراف الأخرى، فالأزمة لديهم هم وليست لدى الدولة، ويجب عليهم أن يفكروا في حلول، وأن يتوقفوا عن تصدير أزمتهم إلى غيرهم، الإخوان مثلًا -كأحد أطراف الأزمة- كيان يعتنق أفكارًا بالية، لا تستقيم مطلقًا مع الواقع، وبالتالي، فإن من يسعى إلى صياغة أي مبادرة ينبغي عليه أن يستبعد هذا الخليط الهجين المسخ من مبادرته، وأن يدرك أن وضع هذا الكيان في حسابات مبادرته، سوف يضر بأكثر مما يفيد.

 

أتصور أن صياغة أي مبادرة متزنة، ستكون ممكنًا للغاية، ولكن إذا وضعنا أنفسنا في خندق الدولة وفكرنا بطريقة رجل الدولة، وسألنا السؤال بشكل عكسي: ما بنود المبادرة التي إذا عُرضت علىَّ من قِبل السجناء المأزومين فإنني سأقبل بها؟ في ظل قوة دولتي واستقرارها واستغنائها بنفسها عن غيرها؟.

 

إذا طرحنا السؤال بهذه الصيغة، فإنني أتصور أن يكون البند الأساسي الذي ستنبني عليه المبادرة كلها، هو لفظ الأفكار التنظيمية والأفكار الثورية تمامًا وصياغة الضمانات الكافية لذلك، عندها فقط تصبح الكرة في ملعب الدولة التي ستلتفت قطعًا إلى هذا النوع من المبادرات، ولكنها ستأخذ بالطبع وقتها في التأكد من جدية الطرح واختبار مصداقيته وعدم كونه مجرد مناورة للخروج من السجن أو مساومة، لا يصح أن تكون الدولة بقوتها طرفًا فيها على الإطلاق.

 

ما الحلول التي يمكن أن يلجأ لها شباب الجماعة بالخارج في ظل تخلي القيادات عنهم؟

ينبغي أن نحدد أولًا الأرضية التي يجب الوقوف عليها، وهي المراجعات الفكرية؛ بمعنى البحث الموضوعي المتأمل في جذور المشكلات التي يقع فيها التنظيم بشكل متكرر منذ نشأته حتى يومنا هذا، ومساءلة أفكاره التأسيسية، وهذه المراجعة من الممكن أن تتم بطرق مختلفة، لكنَّ القراءة تحديدًا تشكل عصب عملية المراجعة، وقد أسهبنا أنا وزملائي في كتبنا في الحديث عن الأفكار الواجب مراجعتها مع الإشارة إلى عشرات المصادر والمراجع المساعدة.

 

يأتي بعد القراءة النقاش، بأن يقيم هؤلاء الشباب صالونات فكرية ومنتديات نقاشية؛ لبحث تلك الأفكار التي يقرأونها ومقارنتها بأفكار التنظيم التي نشأوا في ظلها وتربوا عليها، ثم يأتي دور المواجهة، ليس فقط مواجهة القيادات ودعوتهم للمراجعة، من خلال استعراض الأفكار الموجودة في الكتب التي قرأوها، والتي قاموا بمناقشتها وهضمها واستيعابها سلفًا في منتدياتهم النقاشية.

 

أقصد أيضًا مواجهة المتاح من جميع شرائح التنظيم «الرجال والنساء، الشباب والشيوخ، الأفراد والكوادر»، ودعوتهم للحوار، ثم رصد ردود الأفعال التي سيلاقيها المقتنعون بأفكار المراجعة وجدواها، أقصد الحرب التي سيقوم بها أنصار الأفكار التنظيمية -باختلاف أعمارهم ومستوياتهم- ضد كل جديد أو مختلف، وأن يرصدوا بأنفسهم ما سيلاقونه من تشويه متعمَّد واغتيال معنوي واتهامات بالعمالة والنفاق وكل أشكال التخوين.

 

وتجربة المراجعة ستجعلهم يقتنعون تمامًا بعدم جدوى أي حلول يكون فيها التنظيم حاضرًا ككيان ضمن الحل، المراجعة تجعل الشباب مقتنعًا بعدم جدوى وجود التنظيم من الأساس، ليس فقط بشكله الشمولي الهرمي الذي تعتبره الحكومات المتعاقبة تهديد وجود لها، حين يصبح دولة داخل الدولة، ولكن أيضًا بأفكاره التأسيسية التي تخاصم دولة المواطنة وتلح على أفكار «الإمامة، الخلافة، الأستاذية،..»، تلك الأفكار التي تجاوزها العصر، ويرون الوجه القبيح الذي يستبطنه التنظيميون ضد كل مخالف، وبالتالي فإن الحلول جميعها ينبغي أن تتم في غياب التنظيم دون اعتباره -ككيان- رقمًا في معادلة التغيير.

 

وبالطبع، فإن المسألة ستحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، ولكنها في النهاية ستثمر بإمكانية دمج هؤلاء الشباب المُغرر به، في المجتمع مجددًا، ولكن بعد مراجعة أفكارهم والاطمئنان التام إلى جدية مراجعاتهم ومصداقيتها.

إخواني يعترف: الجماعة
في رأيك، ما الذي قاد 3 من شباب الإخوان في تركيا إلى الانتحار؟

بداية.. المستشار طارق البشري له مقولة مفتاحية في تفسير التطرف الذي تمارسه حركات الإسلام السياسي، أوردها في تقديمه كتاب «العنف المستباح لـمعتز الخطيب» -الكتاب الذي يفكك أفكار داعش ويسائلها- يقول البشري ما معناه: إن الغلو والاعتدال يُحسب بالفارق بين أوضاع الحاضر المعيش وبين الصورة المُثلى المتصورة المستهدف تحقيقها من قِبل تلك الحركات، وكلما ضاق هذا الفارق كانت الحركة أقرب إلى الاعتدال، وكلما بعدت الشُقة كانت أقرب إلى الغلو.

 

بإسقاط هذا الكلام على تنظيم الإخوان، فإن المقتنع بأفكار التنظيم يجد نفسه مطالبًا بالسعي لأستاذية العالم، وهى المرحلة الأخيرة في مراحل المشروع الإخواني، ويظل إلحاح التنظيم بأدبياته وأفكاره وممارساته وكافة أدواته التي يحشد بها إلى هذا الهدف غير الواقعي نهائيًّا، فهذا الهدف بينه وبين الأوضاع القائمة الصعبة، سواءً الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، الحُبلى بالتحديات والتهديدات، فجوة هائلة تجعل اليأس كائنًا في حالات الإخفاق الحتمية.

 

هذا اليأس هو بريد الغلو والتطرف من جهة، وهو بريد التخلي والتفريط من جهة أخرى؛ فالغلو ونقيضه وجهان لعملة واحدة وهي عملة اليأس الذي تتعدد مظاهره وأشكاله «إلحاد، عنف، سقوط أخلاقي، انتحار،..».

 

أما في حالة الانتحار، فإن الشاب اليائس يُقدم عليه سواءً كان في صورته التقليدية المعروفة، أو ما أطلق عليه «الانتحار المقنن» بممارسة العمل العنيف المسلح الذي يبتغي الشاب من ورائه الشهادة في سبيل الله، بينما هو في قرارة نفسه يتمنى لنفسه خلاصًا من حياة يائسة وأفق مسدود؛ بسبب أهدافه الخيالية التي لن تتحقق أبدًا في واقع معقد للغاية.

 

ما دلالة انتحار الشباب الذين تربوا داخل جماعة ذي مرجعية دينية؟

 إن كان للانتحار أسباب عديدة يرصدها علماء النفس والسلوك والاجتماع، فإن الخبر المتداول بشأن انتحار 3 شباب في تركيا، إن صحَّ فعلًا، جدير بالدراسة المتأملة والبحث الموضوعي من قِبل المتخصصين؛  ليس فقط كدلالة على اليأس الذي وصل إليه الشباب؛ بسبب انسداد الأفق أمامهم، وليس فقط كتأكيد على تردِّي الأوضاع المعيشية للشباب الهارب والمُطارَد؛ بسبب فساد الذمم المالية للقيادات الذي أثاره أمير بسام وقبله كثيرون، ولا كدلالة على سوء الأوضاع الداخلية التركية في ظل الحماقات الأردوغانية الأخيرة، ولكن أيضًا لأن الإخوان في الأصل جماعة دينية.

 

 وانتحار المُتديِّن -أو هكذا نفترض في هؤلاء الشباب الثلاثة- له دلالة بالغة الخطورة؛ حيث يعكس تربية دينية هشة للغاية، ساهم فيها التنظيم بشكل أساسي بانشغاله بالسياسة، فلا هو نجح في التربية التي تُحصِّن شبابه، ولا نجح في السياسة التي توقف الأزمات وتُجنِّب الوطن ويلات الصراعات.

 

بم تفسر تصريح إبراهيم منير بأن الجماعة لم تجبر أحدًا على النزول أو التظاهر، وبالتالي فإنها غير مسؤولة عن سجنهم؟

من الناحية الأخلاقية، هذه المقولة لا تعني في نظري إلا الخسة والندالة، وهي أمور غير مستغربة على شخص متورط في العمالة للمخابرات البريطانية باعترافه، أما إذا تناولناها من الناحية السياسية، فكلامه صحيح بالطبع ولا حاجة لإثباته أبدًا؛ فالجماعة فعلًا لم تجبر أحدًا على شيء، ولا سلطان لها ولا لغيرها على أحد أيًا كان، فإذا كان الخالق ذاته سبحانه وتعالى لم يُجبر أحدًا على الاعتقاد في وجوده، وتَرَك للإنسان الخيار في تحديد مصيره، هل من المعقول أن يأتي أحدهم ويقول: فلان أجبرني على الاعتقاد في فكرة ما؟ أو ممارسة فعل سياسي ما.

 

لكنَّ «منير»، قد تغافل عمدًا عن نقطة مهمة للغاية، وهى أن الحشد السياسي الذي تمَّ من قِبل التنظيم عقب الإطاحة بـ«مرسي»، وإطلاق الدعوات الزاعقة من قبيل: «هلمُّوا لنصرة إخوانكم في الميادين، انزل.. احشد.. شارك» وغيرها من الشعارات التي كان الإخوان يرفعونها ويرددونها، كان مع تبرير التنظيم حينها بأن النزول للتظاهر، سوف يعيد الرئيس إلى سدة الحكم، في علاقة سببية؛ أعني علاقة سبب بنتيجة.

 

والنتيجة كانت عكس زعمهم تمامًا؛ فلم يرجع «مرسي» إلا إلى ربه، ولم يجد الذين صدقوهم إلا السراب والوهم والسجن، إنها محاولة أخرى من قيادات التنظيم للتملص والتهرب من المسؤولية، وهى سقطة سياسية أخرى تضاف إلى رصيد سقطات قيادة خرقاء تلقي بجنودها في أتون المعركة، ثم تتنصل منهم وتتركهم يواجهون مصيرهم.

 

أما من الناحية الفكرية، فإن تلك المقولة تعكس في نظري ما أسميه «عقلية المسخ»، وهو الشخص الذي يبدو في ظاهره حصيفًا عاقلًا متزنًا، لكنه يحمل في عقله ووجدانه تشوهات لا حصر لها، إنه الشخص السفيه الأحمق الذي يفشل ولا يتعلم من فشله، الصبي العنيد الذي يخطئ ولا يعترف بخطئه، مُدَّعي المظلومية الأخرق الذي يستمتع بالسقوط المتكرر في الوحل، ولا يبذل الجهد المطلوب للخروج منه. 

"