رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

مستقبل التنظيمات الداعشية في الشرق الأوسط

الإثنين 02/أبريل/2018 - 01:15 ص
المرجع
أحمد كامل البحيري
طباعة

في ٢٩ يونيو ٢٠١٤ أعلن أبومحمد العدناني، المتحدث باسم تنظيم «داعش»، قيام دولة الخلافة الإسلامية، وبايع التنظيم «أبوبكر البغدادي» خليفة للمسلمين، واتخذ مدينة الموصل العراقية عاصمة للدولة الجديدة، وبعد ثلاث سنوات من قيام دولة «داعش» -في 9 ديسمبر 2017- أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، انتهاء الحرب ضد تنظيم «داعش»، وإحكام السيطرة على كامل الحدود مع سوريا، عقب القضاء على آخر نقاط «داعش» في البلاد، الذي كان قد أحكم سيطرته على ما يقارب من ثلث مساحة العراق، وقبلها بأيام أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الجيش الروسي قد «أنجز» مهمته في سوريا، وأن سوريا قد تحررت بالكامل من تنظيم «داعش».


وما بين ٢٠١٤ و٢٠١٧ شهد تنظيم «داعش» العديد من التطورات والخصائص التي جعلت من التنظيم واحدًا من أخطر التنظيمات المُتطرفة في العالم؛ من حيث عدد المنتمين له، وتنوع الجنسيات المنضمة، وارتفاع القدرات القتالية لأعضائه، واتساع نفوذ التنظيم في العديد من دول المنطقة، تلك القدرات العالية التي يتمتع تنظيم “داعش» بها دفعت الجنرال ستيفن تاونسند، قائد التحالف الدولي لمحاربة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، إلى إعلان أن خطر «داعش» ما زال مستمرًا، وأن التنظيم الإرهابي يطرح نفسه بصورة جديدة، تلك التصريحات تطرح تساؤلات عدة حول مستقبل تنظيم «داعش» بعد الهزيمة في الموصل؟ وما سيناريوهات ما بعد «داعش»؟ وما مستقبل التنظيمات الإرهابية التي أعلنت البيعة لتنظيم «داعش» خلال الأعوام الثلاثة الماضية من «بيت المقدس» في مصر إلى «بوكو حرام» في نيجيريا؟ وما تكتيكات تنظيم «داعش» القتالية بعد الهزيمة في الموصل؟


أولًا: مُسْتَقْبَلُ أَفْرَادِ وَعَنَاصِرِ تَنْظِيمِ «دَاعِشْ»:

مع هزيمة تنظيم «داعش» في الموصل، وانسحاب عناصر التنظيم للتمركز في الأراضي السورية خاصة بمنطقة الرقة، دخل التنظيم في المرحلة الأخيرة لتماسك بنيته، ما دفع قيادة التنظيم إلى مطالبة عناصره بإعلان البيعة على القتال وليس البيعة لشخص، وهو ما يُدْخِل التنظيم في مرحلة يمكن أن نطلق عليها «الانتحار الجماعي»، تلك الحالة الفقهية ستنعكس على تكتيكات التنظيم القتالية، فمع انهيار بنية التنظيم في العراق، وانحسار قدرات «داعش» في السيطرة على الأرض، يتم إعادة الانتشار والتمركز للعناصر الإرهابية، وإعادة صياغة للتكتيكات القتالية، والذي سيأخذ ثلاثة مسارات على النحو التالي:


1- إعادة بناء التنظيم: مازال احتمال قيام عناصر التنظيم بإعادة بناء صفوفها موجودًا؛ خاصة في ظل بقاء معظم قيادات التنظيم على قيد الحياة حتى الآن، وما يثار من تساؤلات حول مصير عناصر التنظيم ولم تتم الإجابة عنها حتى الآن؛ ما يشير إلى أن هناك كتلة لا يُستهان بها من المقاتلين مازالت منتشرة داخل سوريا والعراق، وهو ما يجعل التنظيم يقوم بإعادة لملمة صفوفه وبناء نفسه احتمالًا غير مستبعد، بل وقد يفرض سيطرته على العديد من المناطق الرخوة في بؤر الصراعات.


ويظل تحقق هذا المسار رهنًا بمدى التقدم الذي سيتم تحقيقه في حسم ملفات عدة، مثل ملف المصالحة السياسية بين الفصائل المسلحة والنظام في سوريا، وحسم موقف السُّنة في العراق، وإعادة إعمار المناطق المحررة، وعودة اللاجئين، وغيرها، فعلى الرغم من هزيمة التنظيم فإن العوامل التي أدت إلى قيامه واتساع نفوذه ما زالت قائمة؛ خاصة في ضوء ضبابية المشهد المستقبلي للأوضاع في سوريا والعراق.


2- إعادة التمركز في مناطق نفوذ بديلة: يُرجح السيناريو الثاني استمرار المشروع، أي أن يواصل عناصر وأفراد تنظيم «داعش» بناء دولتهم الإسلامية، باستخدام استراتيجية السيطرة على الأرض، ولكن من خلال البحث عن ملاذ بديل، والذي يرجح أن يكون واحدة من ولايات التنظيم، مثل ليبيا، أو اليمن، أو شمال سيناء في مصر، أو جنوب آسيا، خاصة أن أفرع التنظيم مازالت نشطة في هذه المناطق.


إلا أن تحقيق هذا المسار يظل رهنًا بمدى قدرة قيادات التنظيم على الانتقال إلى هذه المناطق، وتولي مهام إدارة التنظيم في هذه البيئات، كذلك على مدى قدرة عناصر التنظيم على التسلل إلى داخل هذه المناطق في ظل ما يُفرض من رقابة مشددة في هذا الاتجاه، وهناك عائق مهم متمثل في عدم وجود حواضن للتنظيم في معظم مناطق ولاياته، ونفوذها المحدود.


3- التشظي إلى جماعات إرهابية صغيرة: يتضمن السيناريو الثالث تفكك التنظيم واتجاه عناصره إلى التشظي، والمقصود بالتشظي هنا تفتت التنظيم وإعادة تشكله في صورة جماعات صغيرة متفرقة تخرج من رحم التنظيم، والعمل على شن هجمات إرهابية في مناطق وجودها؛ خاصة في ظل تشتت العديد من عناصر التنظيم واختبائها، في صفوف المدنيين، وهو ما يعني عودة التنظيم، ولكن بصيغة غير متماسكة، ومسميات مختلفة، من المرجح أن تعتمد بصورة أكبر على الهجمات الإرهابية البدائية، والعمليات الانتحارية، وزرع العبوات الناسفة.


ثانيًّا: مَسَارَاتٌ مُحْتَمَلَةٌ لِلتَّنْظِيمَاتِ التَّابِعَةِ لِـ«دَاعِشْ»:

اهتمت دول العالم بالإجابة عن تساؤل: ماذا بعد «القاعدة» في أعقاب استهداف الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان في بداية الألفية الثالثة؟ وكانت الإجابة تنظيم «داعش» في نهاية عام 2014، وعلى السياق نفسه يأتي التساؤل حول ماذا بعد «داعش» في أعقاب هزيمة التنظيم في الموصل وتضييق الخناق عليه في سوريا؟ فهل ستشهد المنطقة ظهور تنظيم إرهابي جديد عابر للحدود كنسخة متطورة من تنظيم «داعش» الإرهابي؟ وما مستقبل التنظيمات المُتطرفة التابعة لتنظيم «داعش» بالإقليم؟


هناك ثلاثة مسارات محتملة للتنظيمات التابعة لـ«داعش»، والتي أعلنت البيعة لأبي بكر البغدادي وتنظيم «داعش»:


المسار الأول: فك الارتباط والتبعية بتنظيم «داعش»، وتشكيل تنظيم مستقل على غرار تنظيم «هيئة تحرير الشام» -جبهة النصرة سابقًا- عندما أعلنت الأخيرة فك الارتباط التنظيمي مع تنظيم «القاعدة»، وإنهاء البيعة لزعيم التنظيم أيمن الظوهري، وقد سعت لضم بعض التنظيمات والعناصر المتطرفة التي خرجت من تحت قيادة تنظيم «القاعدة»، وبعض التنظيمات والميليشيات المسلحة الأخرى، وتشكيل بنية تنظيمية جديدة مستقلة، وبالقياس على ذلك يمكن أن يأخذ تنظيم بيت المقدس في سيناء وتنظيم «بوكو حرام» بنيجيريا وتنظيم «داعش» باليمن المسار نفسه، ويعلن عن تغيير اسمه، ويضم بعض العناصر المتطرفة الجديدة وبعض التنظيمات الإرهابية، بجانب توسيع مساحة التنظيم لتضم بعض التنظيمات الإرهابية بدول الجوار.


المسار الثاني: أن تلجأ التنظيمات التابعة لـ«داعش» إلى فك الارتباط التنظيمي، وإلغاء البيعة لأبي بكر البغدادي، وإعلان عودة تلك التنظيمات مرة أخرى لتنظيم «القاعدة»، وإعلان البيعة لأيمن الظواهري زعيم التنظيم.


المسار الثالث: أن تلجأ التنظيمات التابعة لـ«داعش» بدول الإقليم لحل نفسها على غرار ما حدث لتنظيم أنصار الشريعة في درنة بدولة ليبيا خلال شهر مايو من العام الماضي 2017، وهو المسار نفسه الذي اتخذته بعض التنظيمات الإرهابية والمسلحة ببعض دول الصراع خلال المرحلة الماضية، وكان آخرها تنظيم «سرايا الدفاع عن بنغازي»، والذي أعلن حل نفسه خلال شهر يونيو ٢٠١٧.


في المجمل، كان عام 2017 نقطة تحول في مصير تنظيم «داعش»، الذي خسر معظم مناطق نفوذه وعلى رأسها المعقلان الرئيسيان للتنظيم، وهما الموصل في العراق، والرقة في سوريا؛ ما يطرح ذلك حزمة من التساؤلات حول مستقبل التنظيمات الإرهابية في الإقليم في عام 2018، في ضوء ضبابية الأوضاع الداخلية، وعدم حسم العديد من المعضلات السياسية والأمنية في عام 2017، خاصة أن احتمالات إعادة تنظيم «داعش» لبناء صفوفه أو إعادة تمركزه في مناطق أو دول أخرى لم تُحسم، هذا إضافة إلى ما يمكن أن يخلفه انهيار تنظيم «داعش» من فرص لتنظيمات إرهابية أخرى؛ مثل «القاعدة» أن تكون ملاذًا بديلًا لمقاتلي «داعش» الهاربين، وهو ما يجعل من الإجابة عن تساؤل مستقبل تنظيم «القاعدة» بالمنطقة واحد من التساؤلات المهمة، التي يمكن الإجابة عنه في دراسة أخرى.

"