رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

ماهر فرغلي يكتب: إعادة استنساخ الثورة في مصر.. كيفية صناعة الصورة الكاذبة

الخميس 26/سبتمبر/2019 - 10:41 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

كانت كل الأخبار الواردة حول المظاهرات والثورة الجديدة في مصر متضاربة أحياناً ومضللة في ذات الوقت، لكن كانت هناك حالة من الإغراق الخبري على شاشة قنوات الإخوان وكذا الجزيرة القطرية حول المد الثوري ويوم الجمعة الاستثنائي الذي نزل فيه آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، مطالبين برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي، في خطوة أعادت إلى الأذهان بدايات الحراك الشعبي في ثورة 25 يناير 2011!.

المواقع الإلكترونية الإخوانية والقنوات التي تبث من تركيا وآلاف الصفحات بالسوشيال تحدثت عن تمكن المحتجين من الوصول إلى عدد من أبرز ميادين مصر، خصوصا ميدان التحرير رمز ثورة يناير، بل وتلك المظاهرات التي شملت عدداً من المحافظات المصرية، بينها القاهرة والجيزة والإسكندرية والسويس والغربية والدقهلية والقليوبية وبني سويف والشرقية والغربية ودمياط، وأن الشعار الأبرز للمظاهرات هو "ارحل يا سيسي".

كنت منذ نصف ساعة مررت بالميدان وأنا في طريقي إلى المنزل ولم أر أي شيء غير طبيعي، وكانت نشرات الأخبار كالمعتاد.. ترامب.. اليمن.. إيران.. إسرائيل.. ألخ ألخ، لكنني لما قلّبت ريموت التلفاز، كانت مذيعة الجزيرة تقول: وقد اتسم تعاطي قوات الأمن مع المحتجين بالتفاوت، لكنه لم يكن "متوحشا" في الغالب، حيث إن الأمن المصري أطلق قنابل الغاز المدمع لتفريق مظاهرة ضد السيسي في ميدان التحرير (وسط القاهرة)، وأغلق الطرق المؤدية إلى الميدان، وقد ذكر مراقبون أن المظاهرات لم تصل بعد في زخمها وقوتها إلى ثورة شعبية، إلا أنها كسرت حاجز الخوف.

اتصلت على الفور بأحد أصدقائي من الجماعة الصحافية لأتأكد فقال لي سمعت أن حوالي 100 متظاهرٍ كانوا في (ميدان الإسعاف) بوسط القاهرة لكنني لم أر بنفسي!.

عاودت الاتصال بالشيخ علاء أبو الدهب، عضو الجماعة الإسلامية السابق المنشق بمحافظة المنيا، والمعارض لسيسات الرئيس، وسألته فقال لي وهو يقهقه ساخراً: لا تصدق، لم يخرج نفر واحد للتظاهر، ومن يستطيع أن يكرر تجربة 2013؟.

فجأة اتصل بي أبو الدهب في الثامنة ليلاً، وقال لي: خرجت مظاهرة الآن، قوامها 20 فرداً، أعمارهم ما بين 18 إلى 26 عاماً وهم يهتفون "ارحل يا سيسي".. يبدو أن هناك أحد وراءهم.. يبدو أن هناك من يرتّب لهذا الأمر!.

إنها نفس السخرية التي كتب بها إبراهيم الجارحي، على صفحته بالفيس بوك، وهو الذي يتهمه معارضو النظام المصري، أنه من يقود الذباب الإلكتروني وشبكات على السوشيال بتكليف من أجهزة الدولة المصرية السيادية: إذا كنتم هذه المرة تتظاهرون كما تدّعون فلن يبق معكم قياداتكم في الخارج الذين يحركونكم على تويتر لأنهم مشغولون بفلوس التمويل الذي يتلقونه، ولن تجدوا معكم إعلام العار الذي راح معكم في الهوجة بـ25 يناير وصنع نجومكم الورقية، وبالتأكيد لن تجدوا رفاق الميدان وهم جماعة الإخوان.. هذه المرة ثورتكم لكم وحدكم، وأنا على يقين أنكم الخمسة قادرون على تحقيق الفارق هذه المرة من غير الشعب والجيش والإعلام والناس والمثقفين والكبار الذين فشلوا في تربيتكم.

عبث الفيديوهات وكيف تفبرك ثورة؟

ووسط دعوات التظاهر وتأكيدات ونفي الاحتشاد في مصر اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بما يمكن وصفه بحرب الفيديوهات بين من زعموا بدء الثورة ومن نفوها من الأساس، فقد نشرت الصفحات الإخوانية دعوات المقاول محمد علي الذي عمل مع الجيش عدة سنوات- للتظاهر في الشوارع وأمام المنازل، وانتشر عدد من الفيديوهات للنشطاء على تويتر وفيسبوك من الشوارع وبعض الميادين، التي تحفز المصريين على النزول والتظاهر، والمؤكد أن كل هذه الفيديوهات والصور نقلت أن أفراداً قليلين كانوا في الميادين!

صناعة الأكاذيب كانت أكبر من مظاهرة أو مسيرة في شارع جانبي، لكنها وصلت إلى خلق مئات الصفحات الوهمية لضباط من الجيش يعلنون انشقاقهم ودعواتهم للتظاهر، ويدخل موقع الجزيرة نت على الخط حيث ينشر أن (فيديوهات منتشرة علي صفحات محسوبة علي السيسي بتوجه رسائل عكسية للجيش والشرطة)، ثم تعترف بعدها مذيعة القناة أنهم فبركوا فيديوهات وأصوات على جماهير الأهلي والزمالك عقب المباراة.

أغراق الصحف بالفيديوهات والصور أدى إلى أن تخطئ صحف عربية ثم تقدّم اعتذارات، ومنها «القبس» التي نشرت صورة على أنها لتظاهرات في مصر، نقلاً عن وكالة أنباء الأناضول التركية، واتضح فيما بعد أن الصورة قديمة، وأُعيد استخدامها على نحو خاطئ، لدرجة أن الناشطة اليمنية توكّل كرمان دخلت على الخط وادّعت أن السيسي هرب لأمريكا.

الكاتب المعروف محمد الدسوقي رشدي، بصحيفة اليوم السابع، أثبت أن صفحات منسوبة لقيادات بالجيش تخرج من أوكرانيا، وأن هناك خطة ممنهجة لخلق الفوضى، ومنها صفحة ضباط الجيش.

وبالفعل نقلت صفحات من قطاع غزة صورة لمسن وهو يلقي شعراً في الثورة المستنسخة، ولم يعرفوا أنه الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم الذي مات قبل تولي السيسي الحكم، وأن الصورة قديمة جداً.

في المقابل دعا الكاتب الإخواني عبدالرحمن يوسف، أن يظل التفكير في كل السيناريوهات مطروحة، وأن تظل القوى السياسية صامتة دون صخب لفظي واستعراض وجود نخبوي بما يعطل عن الهدف الأساسي، وأن يستمر الزخم الشعبي حتى لو كان مُصنعاً!.

أستاذ العلوم السياسية سعيد صادق قال في تصريحات خاصة: اختر حدثاً كبيراً مثل مباراة الأهلي والزمالك، ثم أعط مجموعة من المشجعين الصغار فلوس، ليتظاهروا في حارة ضيقة ويحرقوا صور للسيسي وصور بالموبايل للتذكير بصور مبارك في المحلة، لتقول الجزيرة (سقط جدار الخوف) وأسهل شيء ركوب أي ثورة أو غضب شعبي لتنفيذ أجندة أخرى.

ويبدو أن ما قاله أستاذ العلوم السياسية سعيد صادق حدث بالفعل، حيث اعترفت مذيعة الجزيرة بأنه تم تركيب أصوات الهتافات ضد النظام وتركيبها على فيديوهات لمشجعى النادى الأهلى بعد فوزه بكأس السوبر فى مباراته مع نادى الزمالك.

لقد أثبت نشطاء أنه تم تركيب أصوات هتافات على مظاهرات أيام 25 يناير عام 2011، كما استغلت قناة الجزيرة فرحة جماهير النادي الأهلي بالفوز لتقوم بتركيب أصوات عليها ضد النظام المصري، وباتت المقاطع الصوتية والمصورة محل تساؤل وموضع اختبار في ظل تكاثر عمليات التزييف والتزوير التي تتم من أجل إثارة الفوضى.

‫‫ ملاحظات لفهم ما يجري

ويبدو أن الأمر بالفعل له علاقة أكبر من أزمات اقتصادية أو صناعة ثورة جديدة، بمعنى أن على مصر أن تتخلى عن دورها الإقليمي وتعود لتتقزّم كما كانت.. أن تتخلى عن مساندتها لحلفائها بالخليج.. أن تتوقف عن مقاومتها للميليشيات الإرهابية بليبيا.. ألا تكون مركزاً للغاز المسال في العالم وتترك ذلك لأنقرة.. وأن تلغي اتفاقات ترسيمها الحدود مع اليونان وقبرص.. وأخيراً أن تتوقف عن دعم الجيش السوري في مواجهة الجماعات الإرهابية، وساعتها ستتوقف محاولات استنساخ ثورة جديدة، وتغلق قنوات الإخوان، وتلغى اجتماعات التنظيم الدولي باستانبول، وتوافق أثيوبيا على التنسيق مع مصر في سنوات ملء سد النهضة.

يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، د. طارق فهمي في تصريح خاص: تتقاطع الأهداف لجهات معادية خارجية لمصر في الوقت الراهن مع تحركات موجهه لشخصيات جرى إعدادها، وأخري دخلت علي الخط لإيجاد دور لها استثماراً للمشهد، وتقف جماعة الإخوان المسلمين متربّصة بالمشهد، وانتظاراً لسيناريو يجري إعداده عبر أجهزة استخبارات وعناصر تم اختيارها بدقة لتنفيذ المهام العاجلة وخلق حالة من الفوضى، والهدف التكتيكي البدء في إنهاك الأجهزة الأمنية أسبوعياً، وهو مخطط قديم يعاد تدوير عناصره مع توحيد الهدف الاستراتيجي (إيجاد حالة عامة من الارتباك والتأكيد على وجود حالة الثورة المقابلة)، ولدفع المجتمع للانقسام مجدداً بين مؤيد ومعارض، وتكريس حالة من الإعلام الموجه والمعادي مع التركيز علي تصاعد الأحداث عبر قنوات إعلامية مضللة (حملة الجزيرة)، وهي تختلف تماماً عن حملات قنوات تركيا من حيث الوسيلة، لكنها تتفق في المضمون، ثم قياس ردود الفعل على موقعي الفيس وتويتر للتأكيد علي الهدف مع اختيار توقيتات محددة قادمة للاستمرار في إشاعة الفوضى.. إن هناك وجوها تخطط وتدبّر وتنظّم، وليس ما جرى في بعض المناطق بدون رأس، وأن الأمر مرتبط بدعوة هارب خارج الوطن.

يذهب الكاتب الصحافي، نبيل عمر إلى أكبر من ذلك، فيقول في تصريح خاص: إنه في شهر يوليو الماضي كان هناك خبر صغير ظهر في موقع "ديبكا" العسكري الإسرائيلي عن توتر شديد بين القاهرة وتل أبيب بعد نشر بطاريات صواريخ (سبايدر SPYDER-MR الإسرائيلية) حول موقع سد النهضة، ونتيجة المفاوضات لو بحثت عنها بنفسك، ودقّقت في التواريخ ستعرف بالضبط توقيت ظهور "المقاول والممثل محمد علي" قبل يوم واحد من توزيع وزارة الخارجية المصرية مذكرة على الأعضاء الدبلوماسيين بمحتوى المفاوضات مع إثيوبيا ونتيجتها، ثم في يوم الجمعة الذي قالت عنه قناة الجزيرة إنه ثورة جديدة في مصر، أعلنت أثيوبيا أنها لن تتفاوض مع مصر حول سد النهضة، وفجأة يظهر من يطلق عليهم النشطاء، ويتطور الأمر من الممثل المثالول الهارب لأسبانيا محمد علي، فبعدما كان يطالب بمستحقاته، طالب بثورة وإسقاط النظام، وفجأة يتلقفه الإخوان وقنواتهم من تركيا في حماس شديد، ويدافعون عنه ويطلقون عليه لقب (بطل شعبي).

 

 

"