رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

استغلال الصلاحيات.. كيف يوظف «أردوغان» قراراته في إفشال نجاحات المعارضة؟

الخميس 05/سبتمبر/2019 - 12:02 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة

ما بين الوصم بالإرهاب أو استغلال الصلاحيات يتبنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سياساته الهادفة إلى تأميم الحياة الداخلية التركية لضمان سيطرته على مجريات الأحداث عن طريق شرعنة القمع بأساليب قانونية، الأمر الذي تجلى بصورة كبيرة كامتداد لسياساته تلك في 19أغسطس 2019، عندما أقال 3 رؤساء بلديات للمدن الكردية ديار بكر وماردين وفان، واتهامهم  بصلات مع المتشددين الأكراد، وهم؛ أحمد ترك رئيس بلدية ماردين، وعدنان سلجوق مزراقلي رئيس بلدية ديار بكر، وبديعة أوزجوكتشه أرطان رئيسة بلدية فان، الذين استبدلتهم بـأشخاص معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.



وعلى الرغم من الانتخابات البلدية المنعقدة في 31 مارس 2019، كانت تمثل بداية لمرحلة جديدة من الديمقراطية، وانحسار مرحلة القمع والاستبداد في الساحة السياسية التركية، بفوز العديد من الرؤساء من جانب حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديموقراطية الكردي، والذي أرسى هذا الفوز تقدم مرشح المعارضة في بلدية إسطنبول في 24 يونيو بشكل كبير تأكيدًا لهذه المشاعر الإيجابية.

ولكن ما لبث أن خمد بريقها في العملية الأخيرة التي أسفرت عن إقالة رؤساء ثلاث بلديات كبرى في شرقي تركيا من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد.


استغلال الصلاحيات..
توظيف الصلاحيات

بالرغم من الانتقادات الداخلية والخارجية للسياسات التي ينتهجها أردوغان فإنه مستمر في تنفيذ مخططه الهادف إلى قمع الأصوات المعارضة حتى وإن جاءت بصورة ديموقراطية، وعدم الاعتبار لإرادة الناخبين، وفي هذا الشأن يستغل أردوغان صلاحياته الدستورية التي أقرها في ظروف استثنائية في أبريل 2017، لتوسيع صلاحياته والتي من بينها المواد رقم 123 و126 و127 من الدستور، والتي تمنح الحكومة صلاحية الوصاية الإدارية؛ بمعنى أن هذه المواد من الصرامة بحيث لا تترك للإدارات المحلية (رؤساء البلديات) مجالًا للتحرك بحرية من دون موافقة الحكومة وموظفيها المحليين الممثلين بالمحافظ أو من ينوب عنه.

ووفق تصريحات الرئيس التركي التي أعلن خلالها: "إنهم (أي رؤساء البلديات التابعة للمعارضة والتي فازت في الانتخابات الأخيرة وانتشلت البلديات من الحزب الحاكم) لن يستطيعوا إدارة البلديات، ولن ينجحوا، لأنهم سيعجزون -حتى- عن دفع رواتب موظفيهم.. وبحوزتنا جميع قوائم ديون البلديات، وكلها مديونة للغاية، ونعلم حجم مديونيتها... لن يستطيعوا إدارتها.. والذين لا ينسجمون مع الحكومة المركزية سيعلنون إفلاسهم في المستقبل القريب".

وبالتالي فإن هذه المواد تمثل حجر عثرة للحفاظ على استمرارية هيمنة المعينين على المنتخبين، وبالرغم من أن هذا السمت ليس بجديد على الحياة السياسية التركية فيما يتعلق بمركزية الإدارة فإنه تم تعزيز هذه الظاهرة بشكل متزايد في ظل حكومات حزب العدالة والتنمية.

على الجانب الاقتصادي، فمنذ عام 2002؛ تم تخفيض المخصصات المالية الموجهة إلى البلديات إلى 10%، بعدما كانت 15% من قبل؛ الأمر الذي يؤطر لفكرة استمرار اعتماد البلديات في مخصصاتها المالية على الحكومة المركزية، وإجبارها على المثول لسياسات الحكومة بصورة مباشرة، حتى وإن كانت البلدية تحت سيطرة قوة معارضة للحكومة كما هو الحال في الانتخابات البلدية الأخيرة.

بالإضافة لذلك ففي أغسطس 2018، صدر مرسوم رئاسي برقم 17 يقضي بربط ميزانية جميع المؤسسات والمنظمات الإدارية التي كانت خارج الميزانية العامة، بما في ذلك البلديات، بوزارة الخزانة والمالية التي يرأسها صهر أردوغان برات آلبيراق، وبالتالي فإن انعكاسات هذا القرار سيؤثر على مسار عمل رؤساء البلديات؛ خاصة البلديات التي سيطرت عليها قوى المعارضة التركية، وذلك في اتجاه الحصول على المخصصات المالية من الوزارة ليس فقط لنفقاتها بل للحصول على مواردها ودخلها، وهذا يعني أن البلديات التي انتقلت إلى سلطة المعارضين ستعاني كثيرًا من معالجة الحطام المالي التي خلفتها الإدارات السابقة.(1)

وبالتالي فإن سياسة الرئيس التركي أردوغان، وفق ما أعلنه واتخذه من قرارات، تثبت بأنه سيضيق الخناق على المعارضين في البلديات الكبرى بصورة خاصة مثل أنقرة وإسطنبول وأزمير، والبلديات التي سيطرت عليها قوى المعارضة بصورة عامة في تركيا.(2)


مواجهة متبادلة

اتخذ «أردوغان» العديد من السياسات غير القانونية فيما يتعلق بإقالة مسئول منتخب بطريقة ديموقراطية، متجاوزًا بذلك السلطات القضائية التي من شأنها الفصل في هذه القضايا، الجدير بالذكر هنا أن ساحة المواجهة بين «أردوغان» والمعارضة انطلقت بحرب استباقية من جانب «أردوغان» خاصة بعدما تراجعت شعبيته في الفترة الأخيرة على خلفية هذه الأزمات، والتي بدأها «أردوغان» بإصدار  تشريع جديد في تركيا  بنقل صلاحية التحقيق مع رؤساء البلديات من وزارة الداخلية إلى رئاسة الجمهورية، وذلك قبل أشهر قليلة من انطلاق انتخابات البلديات التركية 2019، وبموجب القانون الجديد الذي أعدته حكومة العدالة والتنمية ستنقل صلاحيات وزير الداخلية الخاصة بالبلديات إلى أردوغان، وبهذا يتاح للرئيس التركي فصل رؤساء البلديات بقرار مباشر منه، وعلى الرغم من الإدانات المحلية والدولية، عزلت السلطات التركية مجددًا 4 رؤساء بلديات آخرين بمدينة بطمان، وعينت وصاة من الحزب الحاكم، بدلًا منهم.

من جانب المعارضة هناك العديد من الدلائل التي تبرهن على استمرار المواجهة مع حزب العدالة والتنمية الحاكم من خلال اللجوء إلى القضاء أو تنظيم التظاهرات، وبالفعل هذا الأمر ظهرت بوادره بإعلان تأكيد رؤساء البلديات الثلاثة، المقالين تعسفًا، اللجوء إلى القضاء احتجاجًا على إقالتهم، بالإضافة إلى المظاهرات العارمة التي خرجت في المدن ذات الأغلبية الكردية استنكارًا لقرار الإقالة والتي قمعتها الشرطة بالقوة واعتقلت على إثرها مئات المحتجين، كل ذلك يدلل على أن الأمور تغيرت هذه المرة، وبأن الأكراد لن يقبلوا بأن تكون تهمة الإرهاب جاهزة بحقهم لمجرد معارضتهم سياسات الحكومة.

وفي إطار سياسة المعارضة الهادفة إلى مواجهة نفوذ أردوغان المتزايد التقى رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو  في مدينة ديار بكر نهاية شهر أغسطس، وتحديدًا 31 أغسطس 2019، برؤساء البلديات الثلاثة المقالين، وتوجه «أوغلو» إلى ضريح طاهر التشي، رئيس نقابة المحامين في "ديار بكر" والناشط من أجل الحقوق الكردية الذي اغتيل عام 2015، وتمثل هذه الزيارة أهمية كبيرة بالنسبة للحزب الجمهوري، خاصة أن لهذه المنطقة ذات الغالبية الكردية أهمية كبيرة للحزب العلماني الذي لم تكن علاقته دائمًا سهلة مع حزب الشعوب الديموقراطي الكردي، وتعد هذه الزيارة أيضًا امتدادًا لزيارة المرشح الرئاسي عن حزب الشعب الجمهوري محرّم إنجة في مايو 2018 الرئيس السابق المسجون لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديميرتاش قبل الانتخابات الرئاسية في يونيو 2018، لمواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية بقيادة دوات بهتشلي.(3)


أكرم إمام أوغلو
أكرم إمام أوغلو
استمرار الاستهداف

لم تتوقف سياسات «أردوغان» على الإقالة فقط؛ فبعد الانتخابات البلدية وفوز مرشح الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو؛ أعلنت وزارة التجارة التركية في 27 يونيو 2019، عن قرار جديد يقضي بسحب بعض صلاحيات رئيس بلدية إسطنبول الجديد أوغلو، وإحالتها لمجلس البلدية الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية، وأصدرت الوزارة قرارًا أحالت من خلاله صلاحيات تعيين مديري الشركات التابعة للبلدية، والبالغ عددها 30 شركة عملاقة، من رئيس البلدية للمجلس البلدي أيضًا، ومن الواضح أن حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية سيستغلون استحواذهم على الأغلبية في مجلس بلدية إسطنبول لعرقلة قرارات أوغلو، فتحالف «العدالة والتنمية» مع الحركة القومية يستحوذ على 180 مقعدًا، بينما يملك تحالف أحزاب المعارضة 132 مقعدًا فقط.

يُذكر أن نظام «أردوغان» كان قد أقال في الفترة السابقة 94 رئيس بلدية تابعين لحزب الشعوب الديمقراطي عن مناصبهم ليعين مكانهم موظفين، وصرح أيضًا بعد ذلك بأن الحكومة ستقيل التابعين لهذا الحزب مرة ثانية بحجة صلتهم بالإرهابيين حتى وإن فازوا في الانتخاب، وهو ما يعني استمرار الاستهداف من جانب «أردوغان» وحزبه لقوى المعارضة سواء من جانب حزب الشعب الجمهوري العلماني أو من جانب حزب الشعوب الديموقراطي الكردي.

بالإضافة لذلك، وفي أوائل شهر أغسطس 2019، عقد مجلس الشورى العسكري اجتماع لبحث ترقيات صادق عليها الرئيس التركي أردوغان، وقام 5 جنرالات باتخاذ قرار الاستقالة واعتبار أن الترقيات الصادرة لم تستند على الكفاءة أو الأقدمية، الجنرالات الخمسة هم: أحمد آرجان تشوبارجي، المسؤول عن ملف نقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب السورية ومساعده، بالإضافة لثلاثة آخرين من بينهم عمر فاروق بوزدمير ورجب بوزدمير. 

وكلاهما يقودان قواتٍ بريّة خلال العمليات العسكرية التي يخوضها الجيش التركي ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في جنوب شرقي البلاد، ومنذ محاولة الانقلاب الفاشل 15 يوليو 2016، على حكومة «أردوغان» الّذي يتهم جماعة الداعية الإسلامي فتح الله جولن بالوقوف وراءه، وتشهد تركيا تطوراتٍ خطيرة داخل الحياة السياسية الداخلية والخارجية ما يؤكد توظيف «أردوغان» لهذا الحدث لتأميم الحياة السياسية الداخلية والخارجية لتركيا.(4)

المراجع:
1) جنكيز أكتار، إقالة رؤساء 3 بلديات كردية.. لم نتفاجأ!، على الرابط
2) رئيس بلدية إسطنبول ينتقد إقالة أنقرة رؤساء بلديات من حزب كردي، على الرابط 
3) سحب صلاحيات رئيس بلدية إسطنبول.. أول خطط "تهميش" إمام أوغلو، على الرابط
4) بعد عزل رؤساء بلديات أكراد.. استقالة 5 جنرالات من الجيش التركي، على الرابط

الكلمات المفتاحية

"