رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

السلفية في تونس.. جبهتان وخلافات ذات طابع سياسي

الأربعاء 31/يوليه/2019 - 11:54 م
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

تُثير الظاهرة السلفية الجدل دائمًا، بسبب وجهتها الإيديولوجية المتشددة، أو ارتباطها بالعمل السياسي، الذي رفضت المشاركة به في البداية، ثم قبلت العمل ضمن أطره الحاكمة، خصوصًا في الفترة التي أعقبت ثورات الربيع العربي.


السلفية في تونس..

ويتناول الباحث عبدالباسط الناشئ وضع التيار السلفي في دراسته «واقع السلفية في تونس»، والصادرة في مجلة رؤية بالمجلد 3 والعدد الأول، والخاصة بمركز ستا للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.


ويرى الباحث أن لفظ «السلف» ورد في القرآن الكريم 9 مرات، أغلبها بمدلول سلبي، وقلة بمدلول إيجابي، وهي التي ركز عليها السلف المعاصرون في العصر الحديث، ولكي يؤكد السلفيون ذلك ربطوا كلمة «السلف» بـ«الصالح».


ورفع السلفيون شعار «ننتظم ولا نتحزب، ونتجمع ولا نتعصب»، ولكن سرعان ما أثبت هذا الشعار فشله، وطرأت عليه تغيرات وانحرافات، ويرجع ذلك إلى تعصب السلفيين لآرائهم وآراء شيوخهم، بالإضافة إلى تساهلهم في تكفير الآخرين، والدخول في خصومة مع باقي الحركات الإسلامية، والتساهل في إطلاق لفظ البدعة على الأمور كافة.


ويرى معظم السلفيين اليوم، وفقًا لرؤية الباحث، بأنهم وحدهم حاملو لواء أهل السنة دون غيرهم، وعندما اتسعت دائرة أهل السنة، وأعلنت فصائل مختلفة اتباعهم لها، اتخذوا لأنفسهم لفظ «السلفية».


ويرى الباحث أنه لا يوجد فروق جوهرية بين الحركة السلفية المعاصرة وأدبيات الحركة الإسلامية، فكلتاهما ترتكز على الدعوة إلى التوحيد الصافي، ونبذ الشرك والخرافات وكل مظاهر العبودية لغير الله تعالى، والتمسك بالسلف الصالح في العقائد والسنن والأقوال، والكف عما كفوا عنه، والدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، مع تباين واضح بين الفصائل السلفية في كيفية تحقيق هذا المبدأ.


بينما ظهرت عدة مآخذ على السلفية المعاصرة، يمكن اختزالها في ثلاثة عناصر، وهي: أحادية النظرة إلى النص الشرعي، والوقوف على حرفية النص ورفض التأويل، واحتكار الخطاب باسم أهل السنة، وإقصاء الآخر.

السلفية في تونس..

السلفية وتونس


خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، شهدت تونس فتورًا في انتشار التيار السلفي، ويرجع ذلك إلى انتشار الفكر الصوفي بها، بالإضافة إلى أن المجتمع التونسي نظر إليها على أنها فكر غريب ودخيل عليه.


كما اعتمدت سياسة الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي على تعميق هذا الشعور لدى التونسيين، من خلال التركيز على عدم وجود جذور للسلفية في المذهب المالكي، أو الفكر الزيتوني، بالإضافة إلى التركيز على أن التدين حالة شخصية تهم الفرد في علاقته مع ربه فقط.


وتمسك علماء الزيتونة بالتراث الصوفي، حيث كان معظم علماء الزيتونة شيوخًا للطرق الصوفية، وروادًا للزوايا، وتحالفوا مع النظم الحاكمة، حيث لم يعرف هؤلاء العلماء فكرة التعارض والخلاف مع السلطة.

السلفية في تونس..

 بن عبدالوهاب والباي حمودة


وعندما وصلت رسالة محمد بن عبدالوهاب إلى تونس، تعامل معها الباي حمودة باشا تعاملًا علميًّا، حيث أرسلها إلى علماء عصره لإيضاح حقيقتها، ورد العلماء عليها ردًا عدائيًّا، رافضين كل ما جاء بها، لذا لم تجد رسالة بن عبدالوهاب صدًا لدى التونسيين.


إلا أن تطور الأحداث بالنسبة للشباب التونسي، الذي تابع شهرة الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، ساهم في دخول الفكر السلفي إلى الدولة التونسية ولكن ليس بالطرق الرسمية، ولكن عن طريق طرق ملتوية.


ويرى الباحث أن السلفيين في تونس ليسوا على قلب رجل واحد، ولا يسلكون منهجًا واحدًا، وذلك لاختلاف مدارسهم، وتنوع شيوخهم، وتأثرهم بأفكارهم، وتميز السلفيون المداخلة بنوع من التعصب والجمود يفوق غيرهم من المدارس السلفية، حيث حكمت الآحادية والسطحية والشكلية أدبياتها وتصوراتهم.


السلفية في تونس..

 جبهات السلفية التونسية


ويرى الباحث أن السلفيين في تونس انحصروا بين جبهتين، الجبهة الأولى وهي الأبرز، والأكثر انفتاحًا على جميع الحركات الإسلامية مع وجود تحفظات قليلة لديهم عليها، وهي السلفية العلمية والسلفية الجهادية، مع تشدد الثانية ونزوعها إلى العنف.


وتكمن الجبهة الثانية في السلفية المدخلية، وهي الجبهة التي دخلت مع جميع الأطراف السلفية الأخرى في تونس في صراع كبير، حيث احتد تطرفها إلى درجة معاداة جميع الحركات والأحزاب الإسلامية الأخرى مثل حزب التحرير، وجماعة الدعوة والتبليع، والأشاعرة وغيرهم.


ويشتد الصراع بين الجبهتين في تونس بسبب تمسك كل جبهة بأنها الصورة المثلى لأهل السنة والجماعة، حتى اتخذ الصراع بينهما منحنى تصاعديًّا، خصوصًا في الجوانب السياسية، حيث تنعت السلفية الجهادية والعلمية الفصيل الآخر بالإرجاء، بسبب إغراقها في تحريم الخروج على ولاة الأمر والأنظمة القائمة، بينما تنعت السلفية المدخلية الطرف الآخر بالخوارج بسبب موافقتها على الخروج على الحاكم إذا ما انحرف عن الشرع الإسلامي.


إلا أن هذا الصراع يختفي في حالة إذا ما تعرضت السلفية، بصورة عامة، إلى مواجهة من تيار خارجي، حيث يقول أبومحمد المقدسي، من شيوخ التيار السلفي الجهادي، إنه «مهما عنفنا إخواننا الموحدين المنحرفين عن جادة الصواب، ومهما شددنا في النصح لهم، ونقد طرائقهم المخالفة لطريق الأنبياء، فالمسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، ولا نستجيز بحال من الأحوال التبرؤ منهم بالكلية؛ لأن للمسلم على أخيه حق الموالاة التي لا تنقطع إلا بالردة والخروج من دائرة الإسلام».


ويتضح أن التيارات السلفية في تونس تشهد خلافًا كبيرًا بين فصائلها المختلفة، وذلك على خلفية إيمانها ببعض القضايا الفكرية، وعلى رأسها قضية الخروج على الحاكم، ومدى مشروعية ذلك لديهم.

"