رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

السلفية الجهادية المفهوم والمعنى

الثلاثاء 23/يوليه/2019 - 05:59 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

السلفية الجهادية تيارٌ مسلحٌ، خرج نِتَاج تحالف بين السلفية الوهابية، والجهاديين، الذين يرون أن الإخوان تخلُّوا عن حلم الخلافة وتحقيق أستاذية العالم من أجل مصالحهم الرأسمالية.


ربما الآن، المصطلح هو الأكثر تداولًا في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، والأكثر انتشارًا في أطروحات وأوراق المراكز البحثيَّة، خاصةً تلك المهتمة بالحركات الإسلامية المسلحة، بينما باتت أعتى الأجهزة الاستخباراتية العالمية لا تتردد فى إنشاء وحدات كاملة باسمه.

 

استحوذت «السلفية الجهادية» على الأنظار الإعلامية والأمنية بمصر، خلال العامين الماضيين بشدة، مع تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في سيناء، التي تضاعفت مع الموجة الثانية للثورة المصرية، في 30 يونيو، وما تلاها من عزل محمد مرسى، لتتحول بوابة مصر الشرقية مرتعًا آمنًا لجماعات محسوبة عليها أو قريبة منها، كالقاعدة وغيرها من التنظيمات التكفيريَّة المسلحة.

 

مُصطلح «السلفية الجهادية» برز منذ نهاية الثمانينيات، مع صعود بعض جماعات الإسلام السياسى التي تتبنى الجهاد منهجًا للتغيير، وتعتبره وجوبيًّا على كل مسلم، سواء ضد العدو المحتل، أو ضد النظم الحاكمة المبدلة للشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية أو تلك التي تُبالغ فى القمع والبغي.

 

وظاهرة «السلفية الجهادية» ليست تقليديةً ومألوفةً؛ إنما هي ظاهرة عذراء لم تمسها الدراسة كثيرًا، وهناك العديد من أطروحاتها عن الحاكمية والجهاد والولاء والبراء، يحتاج العالم إلى فهمها ويتوقف عندها قليلًا، لاسيما أن هذا التيار يرى أن العالم يعيش في جاهلية مسلحة بأحدث نظم العلم والمعرفة، في حين لا تتمتع أطروحاته بمصداقية حتى عند المسلمين من أقران هذا التيار، زيادة على ذلك أنها منبوذة والبعض ينظر إليها على أنها أفكار مستحيلة التحقيق، أو متطرفة أو خارجية، أو باعثة على الفتنة، أو مشوهة لصورة الإسلام؛ رغم ذلك تستمر في تحديها دون أن تلتفت لما ينتظرها وكأنها باتت تؤمن بأنها المسؤولة الوحيدة عن حماية التوحيد في زمن غدا فيه الإيمان والكفر والردة مسائل تتطلب حوارًا دوليًّا.

 

و«السلفية الجهادية»، هو مصطلحٌ جديدٌ يعبّر الآن مضمونه المترامي الأطراف عن إجمالي التيارات الجهادية التي غدت تؤمن بما تسميه الإسلام العالمي المُقاتل، أما أتباع هذا التيار فيرون أن هذا الطرح يكمن في مسعى السلفية الحثيث إلى انتزاع ركن «الجهاد» من المحتوى الأيديولوجي ذي النزعة القطرية والأبعاد السياسية المحدودة التي هيمنت عليه لعقود طويلة من الزمن وقدمته بصيغة «المقاومة» تارة وبصيغة «الجهاد الوطني» تارة أخرى.

 

ومصطلح «السلفية الجهادية» استقر في وسائل الإعلام ليعبر عن تيار جهادي ذي صبغة عالمية؛ لكنه في عرف أصحاب التيار لا يكفي لبلوغ المعنى الدقيق له، فضلًا عن أن تسويقه ينطوي على حصر التيار في أطر ضيقة، لا تتوافق أصلًا مع تاريخية النشأة، ولا مع الأهداف والطموحات المرجوة منه، إذ يقول الشيخ محمد المقدسي أحد أهم منظري هذا التيار، فيما يتعلق بالتسمية وعلاقة المصطلح بالجماعات السلفية الأخرى والجهادية: أحب أن أنوه بأننا لم نتسم بهذا الاسم وإنما نعتنا به من الناس لتمسكنا بما كان عليه السلف الصالح من الاعتقاد والعمل والجهاد.

 

يرجع الفضل في ظهور هذا التيار للحرب الأفغانية التي كان لها الدور الأكبر في ظهوره؛ حيث إن التقاء الشباب المهاجر للجهاد، والحركات الإسلامية على الساحة الأفغانية بصورة لم تكن مشهودة من قبل كان له أثرٌ بارزٌ في عولمة التيار الجهادي وتوحد أهدافه وغاياته.

 

وساهم المنظر الجهادي سيد إمام الشريف، صاحب كتاب الجامع، والعمدة في إعداد العدة، وترشيد الفكر الجهادي، في إدخال الفكر التكفيري إلى معسكرات المُهاجرين العرب لأفغانستان، بقوله: «اليوم انتهينا من تكفير الأعوان، وسنبدأ في تكفير الإخوان»، وبكلامه انقسمت الحالة الجهادية، لتصبح لدينا سلفية جهادية تكفيرية، ليس في مصر وحدها بل على مستوى أنحاء العالم.

 

جغرافيًّا فإن المستوى الأول الذي يتوزع فيه هذا التيار هو مناطق أفغانستان والتي تضم حركة طالبان، وقاعدة الجهاد، وباكستان والعراق والقوقاز والصومال.

 

وفي المستوى الثاني تأتي منطقة العالم العربي والجزيرة العربية واليمن، أما المستوى الثالث في بلاد شرق آسيا مثل: الفلبين وإندونيسيا وجزر المالديف ودول آسيا الوسطى.

 

أما المستوى الرابع فتأتي لبنان وقطاع غزة وسوريا، «ولعل وضع سوريا في هذا الموقع هو الأهم الآن بسبب الحرب الدائرة هناك، وظهور داعش وجبهة النصرة».

 

أما المستوى الخامس فهو الخلايا النائمة أو خلايا المبادرة الذاتية، التي تنشط في أوقات دون أخرى ولا تربطها تنظيمات القاعدة أو الجهاد العالمي.

 

وهناك نظريتان تحاولان تفسير أو بيان ماهية السلفية الجهادية، الأولى تعتقد أنها تنظيمٌ عالميٌ وحيويٌ، يمتد على مساحة الكرة الأرضية ويضم العشرات من الخلايا النائمة في شتى المجالات، تتلقى توجيهات عبر شبكات اتصالات ميدانية أو إلكترونية، في حين ترى الأخرى أنها باتت مجرد فكرة تم تبنيها من قبل أفراد وجماعات تنشط بمبادرات ذاتية في بعض الأوقات، وكلتا النظريتين على مستوى واحد من المصداقية؛ ومن ثم لم يعد يتحدث أحد عن تنظيم متقوقع في بقعة جغرافية معينة، بل هو شبكة مترامية الأطراف لم تعد مرتبطة بشخص بقدر ما هي مرتبطة بفكرة، ولم تعد ملكًا لأحد ولا تعد السيطرة عليها ممكنة، ولا يمكن التكهن بنهايتها.

 

و«السلفية الجهادية»، تنتهج التحرك الثوري المُسلح من أجل التغيير، بينما اعتزلت انتهاج مسارات التعليم والتربية والسياسة والديمقراطية الحديثة، باعتبار أن السلطات الحاكمة كافرة، وعميلة للخارج، ولن ينفع معها إصلاح، بينما يبقى من أبرز رموز «السلفية الجهادية» أسماء من شاكلة: "بن لادن، وأبو مصعب السورى، أبو قتادة الفلسطيني، وأبو حمزة المهاجر".

 

المشكلة في «السلفية الجهادية» أنها ترفض أي بناء لا يتوافق مع ما تؤمن به من عقيدة، بل إنها تسعى إلى هدمه وبنائه على أسس فكرها الذي يرفض كل المفاهيم الفكرية والثقافية والسياسية قاطبة، ويسعى لإحلال مفاهيمه التي تعتبر أنها شرعية.

 

وأم المشاكل الفكرية لـ«السلفية الجهادية»، أنها ترفض تنزيل الأحكام على الواقع، وتتعامل معها مجردة دونما قياس على الزمن أو الظرف الآني، كما أنها توسع مفهومها عن الطاغوت؛ ليشمل إلى جانب غير الموحدين والمشركين والمبتدعين، الأنظمة الوضعية، التي تعمل لصالح النظام العالمي من وجهة نظرها.

 

ولا يعتبر أتباع «السلفية الجهادية»، الأرض والحدود أمرًا مقدسًا، بل هي كلها لله، وبالتالي فللمسلم على المسلم (ولو كان أعجميًّا) حق النصرة والمؤازرة والجهاد والشهادة من أجله، وكذا التضحية بالنفس والمال أينما كان موقعه.

 

 وبطبيعة الحال فالدولة في نظر «السلفية الجهادية»، لا يشترط لها الأرض أو الشعب، بل شرطها دستور الحكم فقط، الذي هو المرجعية الشرعية والحاكمية الإلهية لا غيرها، معتبرة أن الحركات الإسلامية المناظرة، وقعت في فخ الإسلام المحكوم بالنظام العالمي العلماني باتفاقية «سايكس- بيكو»، التي تجاوزت في نظر قادة «السلفية الجهادية» كونها اتفاقية سياسية قسمت بلاد المسلمين، لتصبح حالة ثقافية عامة مؤثرة.

 

وترفض «السلفية الجهادية» مفهوم «الإسلام الوطنى» الخاص بكل دولة وشعب، بحسب الحدود والجغرافيا، وترفض أيضًا تحول الجهاد لفعل «مقاومة»، بمعنى آخر هى لا تعترف بشرعية الدولة، ولا حدودها، ولا قدسية ترابها، كما أنها لا تمنح من يقتل فى سبيل نصرة وطنه لقب شهيد، فلا شهيد إلا من انتصر للدين والحاكمية على طواغيت الوضعية والعلمانية.

 

في النهاية فإن المُتابع للشأن السلفي؛ سيلاحظ أن السلفية الجهادية باتت تيارًا فريدًا على الساحة العالمية، في كونها الجماعة المسلحة الأولى، كما باتت في قلب المشهد المصري الساخن، وهي قنبلة موقوتة، إذا ما انفجرت، ستحرق الأخضر واليابس، ولن ينفع ساعتها الندم. 

"